اجتماع أوبك المقبل هو اجتماع للبصم بالعشرة تحت أضواء الكاميرات على خفض الانتاج بمعدل مليوني برميل يومياً, وهو ربما يكون أسرع اجتماع لأوبك كما يعتقد مراقبون, حيث ان اتفاق الخفض تم والموافقة عليه موجودة, فلا يبقى سوى البصم والاخراج التلفزيوني الباهر . وكانت اجتماعات اوبك في فيينا تحديداً, حيث مقر المنظمة, اجتماعات نجوم فعلا, خاصة في السبعينات وبعض الثمانينات, ولا تقل شهرة عن مهرجانات فنية عالمية, كمهرجان كان السينمائي او حفل توزيع جوائز الاوسكار او غيرهما من الاحداث العالمية, حيث كاميرات المصورين وعدساتهم تلاحق وزراء النفط والمقربين منهم من المسؤولين, وحيث الصحفيين يتدافعون عليهم لاقتناص صورة أو خبر, فتحول بعض وزراء النفط الى ما يشبه النجوم التلفزيونية والاخبارية, كوزير النفط السعودي الاسبق احمد زكي يماني, وكوزير نفطنا الاسبق أيضا مانع سعيد العتيبة وغيرهما من وزراء المنظمة المهمين أهمية بلدانهم النفطية وموقعها على خارطة الانتاج العالمي. غير ان نجومية الوزراء كانت جزءا من نجومية النفط نفسه, فهذا كان شاغل الدنيا ومالئ الناس, ترتعد له فرائص ان طلع وترتعد له فرائص اخرى ان نزل, وتنشرح له الصدور والأسارير ان حلق عالياً, وتغتم له القلوب والأفئدة ان زاد في تحليقه, من منتجين ومصدرين ومستهلكين ومستوردين, ومعهم ملايين الناس الذين تهمهم أسعاره فأخباره فحركته, لولا أن النجومية ولت بذهاب العصر الذهبي, فصار اجتماع أوبك, من الاجتماعات الرسمية الاخرى المملة, لا تهم سوى قلة, فالبريق الخاطف للنفط انطفأ منذ تدهور أسعاره. ونعود الى أوبك, فوزراء المنظمة يجتمعون قريباً لتوقيع اتفاق الخفض الجديد, في محاولة لتحسين وضع الأسعار الى حدود 15 دولاراً إن أمكن, لأن انخفاض الأسعار الى عشرة دولارات وما دون معناه مجموعة كوارث لدول عديدة, تنهار مداخيلها وتضطرب مشاريعها وتتأثر برامجها خاصة الاجتماعية, وهو الاتفاق الذي تم التوصل إليه مؤخراً عن طريق اجتماعات متتالية لأوبك ولدول منتجة أساسية فيها كدول التعاون, بعضها اضطر للتضحية بخفض كبير, كالسعودية, انقاذاً لما يمكن إنقاذه. وبطبيعة الحال فان الخفض الجديد كبير نسبياً, من شأنه أن يحسن الأسعار عملياً على المدى القريب, لولا أنه حسب خبراء نفطيين, يضعف من قوة أوبك مجدداً, نتيجة لانخفاض حصتها من الانتاج العالمي, فتصبح قدرتها على التحكم في السوق والأسعار ضعيفة, مع وجود من يستطيع أن يملأ الفراغ من خارج أوبك فيأكل من حصة أوبك في السوق. وهكذا فان التحسن السريع المحتمل في الأسعار لا ضمانات لديه بالاستمرار طويلاً, فكل زيادة انتاج اخرى تعرض الأسعار مرة اخرى الى الهبوط, وهذه عادة ما تتم من خارج أوبك, وللأسف انها تتم من داخل اوبك حين لا تلتزم دول بحصصها المقررة ولا بالتخفيضات المعلنة كايران مؤخراً, ما يضر موقفها بأوبك وبدول النفط و بالمنظمة اضراراً بالغاً, فالأسعار تستمر في الانخفاض الى ادنى مستوياتها, خاصة مع فقدان أوبك لمجال التحكم والمناورة مع انخفاض حصتها في السوق. ويلاحظ القارئ أنني أكتب مرة بعد مرة عن أوبك وأسعار البترول, فيعتقد خاطئاً انني أملك آباراً نفطية, لولا أن الكتابة عن النفط اعتبرها شأناً خاصاً أيضاً حتى من دون أن أملك والقارئ صفيحة نفط, ذلك لأن حياتنا (ومنه معاشنا) تقوم عليه, وأي خسارة فيه خسارة لنا على المدى الطويل, فاذا كانت نجومية وزراء النفط غابت مع انحسار اسعاره عن السبعينات, فان نجومية دول هذه المرة, مهددة بالغياب, اذا استمرت أسعاره في الانحدار, ما يعني أن الكتابة عن النفط ستبقى هماً شخصياً وعاماً معاً على الدوام.