في الحلقة الاولى من هذا الموضوع تطرقنا الى رغبة العملية التعليمية في ايجاد العازف المنفرد الذي لا يهمه سوى نفسه وضربنا مثلا على ذلك بقصة طفلين (آمنة وحميد) حيث مثلا ما يدفعهما الى العزف المنفرد في تربية الاسرة والمدرسة . وفي بداية الحلقة الثانية تطرقنا الى خطورة هذا النوع من التربية على الفرد والمجتمع, ثم طفنا معا في نوع جديد من التربية خلال قصة سلمى وعرجنا خلال ذلك على ايجابيات التربية في اسرتها ونحن اليوم نستعرض نفس اسلوب التربية ولكن في المدرسة عبر قصة عيسى وفي نهاية المقال سندرك بعض ايجابيات تربية الفريق والاهتمام بالتفكير. عيسى: هو شقيق سلمى وقد تربى في منزله بنفس الطريقة التي استعرضناها في تربيتها وعندما بلغ عيسى سن التعليم توجه الى مدرسة الحي حيث تتناسب اساليب التربية هناك مع ما هو في المنزل ولا تتعارض معها, فالنظام التربوي هنا جزء من المجتمع وليس جزيرة قطعت من عالم آخر لتقع جغرافيا في الدولة فهناك لجنة وطنية للتربية والتعليم تشارك فيها الاسر في تخطيط التعليم اضافة الى خبراء التربية واعضاء من سوق العمل, لهذا عندما دخل عيسى المدرسة كان مع اقرانه حيث لا توجد فصول تقليدية بل ان الروضة كانت عبارة عن قاعات كبيرة يشترك فيها الجميع فهناك نشيد وهنا رسم والبعض يتعامل مع الزراعة بينما انشغل آخرون بالتجارة وهناك فريق يلعب الرياضة وآخرون يتابعون الحاسب الآلي, فإذا ما اذن الظهر توجه الجميع الى دورات المياه للوضوء يشاركهم في ذلك المعلمون وتؤدي الصلاة ثم يقوم احد التلاميذ بإلقاء خاطرة صغيرة, ومن ثم الى الغداء حيث تشارك بعض العوائل الابناء في تناول الوجبة فهناك جدول للاسر لهذه المشاركة ويستمر بعد ذلك التعليم خلال المتاعة بعدها يعود عيسى الى المنزل دونما حقيبة او كتب إلا ما يريد ان يأخذه من لعب, وها هو عيسى يدخل المرحلة الابتدائية واذا بالمعلم قد خطط مجموعة من الاختبارات الجسمية ليتأكد من صحة عيسى بالتعاون مع طبيب المدرسة ومثل ذلك هناك اختبارات معرفية ومهارية واجتماعية.. حيث مر الشهر الاول والمعلم يحاول معرفة استعدادات عيسى دونما امتحانات بل من خلال طرائق غير مباشرة فقد خططت المدرسة اسلوبا متدرجا لنقل المتعلم من الروضة الى المدرسة, ومازل عيسى يتعلم مع زملائه خلال فرق العمل فهناك كفايات كثيرة تسعى المدرسة الى التأكد من تحقيقها لدى المتعلم ومن ذلك قدراتهم على التعبير الشفهي والمكتوب باللغة الام حيث لا يبدأ تعليم اللغات الاجنبية إلا بعد اتقان اللغة الاصلية للمتعلم ويتعلم الطالب العربية من خلال القرآن الكريم وكذلك العلوم والحساب فالمدرسة تتعامل من خلال جو العربية الفصحى مثل التلفاز والبرامج الاخرى. بعد مرور سنة على عيسى في المدرسة لمس المعلم عنده استعدادا عاليا في النطق باللغة العربية فسجل ذلك في سجله التراكمي ولاحظ معلم السنة الثانية نفس الفكرة وكذلك استاذ الصف الرابع حيث تابع المشرف التربوي هذا النبوغ وعندما درس عيسى اللغة الاجنبية الاولى لاحظ معلمها نفس السمة عنده وكذلك معلم اللغة الثالثة, ولكن هذا التميز في اللغات قابله ضعف في الحساب فكان بحاجة الى برنامج خاص لتحقيق الحد الادنى من الحساب وانتقل سجل عيسى الى المكتب التربوي المركزي في الوزارة حيث تتابع فيه الطاقات الشابة المتميزة من قبل لجان متخصصة. وهكذا نجح عيسى في الثانوية العامة حيث لا توجد علامات رقمية بل درجات تراكمية تحسب خلال سنوات الدراسة الثلاث الاخيرة فقد تمكن عيسى من انجاز المطلوب منه وهو ابن السادسة عشر وبدأ تميزه في اللغات حيث اتقن لغته الام ولغتين اجنبيتين في المدرسة وتعلم لغتين اخريين من المجتمع العالمي الذي يعيشه. عيسى والتعاليم العالي: وقبل نهاية المدرسة اجتمع عيسى مع لجنة من المكتب التربوي في الوزارة وافراد اسرته لتحديد التخصص وتخطيط المستقبل حيث توافقت الآراء حول تخصص المستقبل ألا وهو اللغات وعالم المعلومات وهاهو عيسى ينجح في هذا التخصص ومازال المكتب التربوي المركزي يتابع عيسى حيث تم الاتفاق على ان يبدأ دراسته العليا بعد ثلاث سنوات ونصف من الدراسة الجامعية والتحق عيسى ببرنامج في العلوم السياسية خارج الدولة ومازال المكتب التربوي يتابع نموه الاكاديمي ويخطط له المكان المناسب للعمل بعد العودة للوطن. الزواج ولكن طموح عيسى مازال كبيراً فعاد الى بلاده لا ليستقر بل ليلتقي بشريكة حياته فهي خير زاد له في الغربة بعد ايمانه وعقله وها هو عيسى يطلب من العائلة ان تساعده في اتخاذ القرار فهو يؤمن بأهمية التشاور وبالذات في القرارات الحاسمة وعندما سأل عن الاسم اعلنه بكل صراحة انها (عشبه) نعم صديقة اخته سلمى فطالما رآها وهي تدرس معها وكلما تكلمت سلمى عن عشبه زاد اعجابه بها لقد انهت للتو دراستها الجامعية بتخصص مزدوج في علم النفس والدراسات الاسلامية, وقد سرت سلمى بهذا الخبر واجمعت العائلة عليها ولكن عيسى صمم على ان يسمع ذلك من زوجة المستقبل حيث خططت له الاسرة ذلك اللقاء الذي استأنف طرائق مشروعة كثيرة بموافقة الاسرتين, وها هي الفرحة تصل ذروتها في الحفلة البسيطة التي جمعت العائلتين في بيت واحد مع الاصحاب فالحفلة ما هي إلا اعلان لهذه الاسرة الجديدة وواصل عيسى وزوجته مشوار الدراسات العليا حيث سافرا معا وعاد كل واحد منهما بالدكتوراه في العلوم الانسانية (فعشبه) حصلت عليها بامتياز في علم النفس عبر اطروحتها العالمية الجديدة في التعامل مع النفس البشرية من زاوية جديدة ألا وهي القرآن الكريم, وأما عيسى فكان موضوع اهتمامه هو الدراسات المقارنة بين الامم والشعوب حيث اضاف الى رصيده لغتين ليصبح ماهرا في اربع لغات اجنبية. واقع العمل وعادت العائلة الجديدة للوطن بالشهادات وطفلة جميلة اسمها مريم عندما رآها الجد علم ان خدها الذي تغلب عليه الحمرة انما هو من جدتها فحملها على صدره كما كان يحلو لعيسى اللعب عليه, وبمجرد العودة رأى عيسى العروض تلاحقه هو وزوجته من دولته وخارجها, كيف لا والعالم اصبح قرية صغيرة فما كان منه إلا ان جمع الاسرة من جديد وبعد القرار اجتمعت اسرة عيسى الصغيرة لاتخاذ القرارات النهائية, وعمل عيسى استشاريا في احدى الوزارات وزوجته استاذة في الجامعة الخاصة القريبة من مقر عمل زوجها ونظرا لقدرات عيسى المختلفة برز في منصبه الجديد خلال طرحه المتقدم وقلمه السيال وابحاثه العلمية ومشاركته المحلية والعالمية حتى ذاع صيته وبدأ الحسد يدب في المجتمع البشري ولما لم يجد الحساد حوله امرا.. فهو صاحب علاقات اجتماعية رائدة, من تعرف عليه احبه.. روجوا إشاعة في مؤسسته أنه خلال دراساته العليا تعرف على عملاء لدول أخرى ومازال على علاقة بهم, ولكن سجله لم يثبت ذلك, فما كان من مسؤوله الا ان دعاة الى اجتماع غير رسمي ونقل له الاشاعة حوله فما كان منه الى ان ردد قول الشاعر: وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي يأني كامل فقال له المسؤول ما يهم هو إنجازك للعمل وقد نجحت في ذلك ولا شأن لي في حياتك الخاصة وبناء على ذلك قرر مجلس المؤسسة ترقيتك لتكون نموذجا للمواطن الذي تعلم وعمل بعلمه لرقي بلده. وقال له المسؤول لقد قالت رئيسة وزراء بريطانيا قبل 15 سنة مارجريت تاتشر مرة (ان الامة البريطانية في خطر وذلك لضعف المعارضة) فالمعارضة الجيدة علامة صحة للأمة لذلك لاتخاف من أحد. وأشجعك على أي طرح جديد لمصلحة الوطن وان خالف ذلك رأيي الشخصي ولاتتردد وتستمع الى رأي الحساد كيف لا وأنا أؤمن في ادارتي بالمثل الامريكي القائل: (اذا وافقت رئيسك في كل شيء فأحدكما ليس له داع) . شكر عيسى مسؤوله وعاد مسرورا الى منزله ليجد زوجته في شوق اليه وهي في أجمل حلة.. فشكرها وبشرها وقالت له إن هذه الدولة بخير مادام المسؤولون فيها يفكرون بعقلية مسؤولك. ما بين السطور في نهاية هذه القصة دعونا نقف معها وقفات مهمه في التربية كيف لا وهي تجسد لمعاني التربية التي نحلم بها في مجتمعنا: 1) الكل يكسب بعد أن انهينا الجزء الاول من المقال حضرت محاضرة عامة في الجامعة لأحد الزملاء تمنيت لو حضرها عدد أكبر. قال ان المجتمعات تربي افرادها على شعار (أنا أكسب وأنت تخسر) , أو (أنا اخسر وانت تكسب) , واصحاب الشعار الاول يستغلون الفريق الثاني, واما الشعار الثالث فهو (انا اخسر وانت تخسر) اصحابه مرضى, واما المذهب الآخر فأهله يتعاونون على حساب الآخرين (انا اكسب وانت تكسب) , واما النموذج الافضل فهو الكل يربح أو الكل يكسب وهذا بالامكان تحقيقة متى ماتجاوز الناس أزمة العزف المنفرد. 2) 1+1=5 إذا كان اهل الرياضيات مصممين على أن 1+1=2 فذلك هو العمل الفردي! أما في عمل الجماعة أو الفريق فإن 1+1= أكثر من 2 لأن قوة الفريق تضاعف من امكانيات الافراد وتنمي مواهبهم وتفجر قدراتهم وهذا سر من اسرار تقدم الدول الأخرى علينا. 3) فكرة قبل خطوة إن من أهداف الاسرة الناجحة تدريب الابناء على التفكير قبل العمل لأننا في غالب الامر نخطىء في هذا الترتيب فنتصرف بالكلمة او الفعل ومن ثم نفكر وبعد ذلك نندم حيث قد لا ينفع الندم وبالامكان تحقيق الامر عبر وسائل كثيرة كاستخدام الورقة والقلم عند التفكير وبالذات في الامور المهمة وكذلك بالتشاور مع من نثق في عقله وتجربته وقد قيل (ماخاب من استشار) . 4) فرد في جماعة إن حالة أسرة عيسى وسلمى قد تدفع الى سؤال مهم ألا وهو هل تذوب شخصية الانسان في هذا النوع من التربية الجماعية؟ والاجابة ولاشك بالنفي فطاقات الفرد الخاصة تستثمر الى اقصى حد في هذا النوع من التربية وفي نفس الوقت تدعم افكاره بالرأي الآخر المؤيد أو المعارض بمثل هذا الامر تصنع الحضارات ويسعد قبل ذلك الانسان. كانت قصة العزف المنفرد محاولة مني لالقاء الضوء على بعض التجارب السالبة والناجحة في طرائق التربية بالمنزل أو المدرسة, وكان خلاصة الامر ان الفرد ينبغي عليه ان يتدرب على العزف ضمن فريق دونما إهمال لشخصيته أو ذاته أو قدراته بل يستخدم كل ذلك لما فيه خير الانسان فيمثل هذه الاساليب التربوية نستطيع ان نعد الانسان الذي يستطيع ان يعيش في العالم الجديد الذي بدأت ملامحه تشرف علينا. وكيل كلية التربية