في متحف (لوزيانا) على بعد يسير من كوبنهاجن اجتمع ما يقرب من مائة شخصية مصرية واسرائيلية وشخصيات دولية أخرى, ليوقعوا اعلان كوبنهاجن, الاعلان الذي يستهدف الوصول إلى سلام راسخ بين العرب والاسرائيليين , وكان الوجه البارز في هذا التجمع هو وجه لطفي الخولي, الذي ترأس تحرير مجلة (الطليعة) اليسارية, والذي عرف بنبرة صوت متميزة عند الكلام, وبالجرأة على التحليل عند الكتابة, والذي أسس في أيام غير بعيدة (جمعية القاهرة للسلام, وحين ارتحل إلى جوار ربه تصدرت مساعيه من أجل انجاز السلام سطور نعيه, وظهرت خجولة ابداعاته الأدبية والفكرية, لقد كان الخولي من القائلين بتأخرنا عن الرؤية الاجتماعية لما يعتمل في حياتنا من أفعال انسانية, وبأننا نعيش في خصام مع الزمان والمكان, وكان من الداعين إلى انسان جديد لنعيش عصرنا الراهن ولندخل التاريخ من جديد وإذا ما كانت هذه الأفكار وأمثالها من خطرات لامعة تكاد ان تتوارى في ظل النسيان, فإن عبارة واحدة أطلقها ذات مرة في حوار تلفزي ظلت عالقة في أذهان كثير ممن أعرف أو تعرف. قال الخولي بأننا كنا نردد (أنا أو العدو) , أما الآن فالقول الذي ينبغي ان يكون هو (أنا والعدو) . وربما كان ينكر الخولي ضمنا ما ألفناه من شعر وغناء: (فإما الحياة وإما الروى) , وانه يدعو مقتنعا أو بين بين إلى نكد الدنيا حين لا تجد بدا من صداقة العدو! والمشكلة عندي وعندك تتجاوز بلاغة التلاعب باللفظ وزخرفة البيان ذلك لأن محورها هو كيف يكون عيش , أي نوع من العيش, والسكين في الخاصرة, والقذى في العين, وليس هناك من حد لاستلاب الأرض وأشجار البرتقال والزيتون وما تبقى من كرامة وشرف رفيع, والأنكى من كل ذاك هو اني مطالب بقتل ارادتي وسد فمي وتحطيم قلمي عن المطالبة برفع السكين, وجلاء القذى, وقهر الاستلاب. وإذا ما كان شر البلية ما يضحك, فإن الشر المضحك هو هذا التلاعب بحرفي (الواو) و (أو), والتناسي بأن الأمر قد اخرج من يد الضمير (أنا) وظل العدو هو العدو بالرغم من مجالسة (الأنا) لذاك العدو في مدريد و أسلو وواشنطن وواي بلانتيشين, بل كان هناك أكثر من مجالسة.. ألم نبتسم؟ ألم نتصافح؟ ألم نوقع على عهود؟ ان العدو ما زال يعيد مكررا البداية من دعواه التي جسدها (ليون يوريس) في روايته (أكسودس) التي عرفت عربيا باسم (الخروج) تقول هذه البداية المستمرة المستعادة بان تلك (القرى) لم تكن الأرض الخصبة مانحة البرتقال والفواكه الأخرى والقمح والزيتون بل صخورا جرداء وأرضا قفراء عبر ما ينبغي على ألف من السنين, ثم تحولت تلك (القرى) على أيدي الاسرائيليين, مالكيها (الشرعيين) إلى حدائق مزدهرة شجرا وثمرا, انها البداية المستمرة التي لاكها سنة 1798 لسان نابليون بونابرت حين وقف عند بوابات عكا مخاطبا المشردين في التيه, ورثة فلسطين (الشرعيين) : ان الأمة الفرنسية تدعوكم إلى ارثكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء... سارعوا, ان هذه هي اللحظة المناسبة للمطالبة باستعادة حقوقكم...! وسارعوا, وها هو موشى دايان يقول بعد حرب 1967: (اننا نريد دولة يهودية خالصة كالفرنسيين الذين يملكون دولة فرنسية) وتجد هنا وهناك أقوالا للقادة الصهاينة تتضمن نفيا لـ (الآخر) العربي المتوحش, وفي جرأة مدهشة يصف بن جوريون التراث العربي في فلسطين بأنه حقير ولن يستمر! وينسى أو يتناسى (الأنا) كل ذاك ليوقع في 19 أغسطس 1993 على اعلان مبادئ ينص على ان الوقت قد حان لانهاء عقود من المواجهة والنزاع والاعتراف بحقوقهم المشروعة والسياسية المتبادلة والسعي للعيش في ظل تعايش سلمي وبكرامة وأمن متبادلين ولتحقيق تسوية سلمية عادلة ودائمة وشاملة ومصالحة تاريخية من خلال العملية السياسية المتفق عليها. إذن, أنا والعدو/ الصديق, ولكن العدو ما زال عند البداية, ما زال هو العدو يفرض الحصار الاقتصادي على ما استرجع من أرض, ويلتف على الاتفاقات, ويتخذ من قوته النووية درعا, ويعترض على عودة اللاجئين, ويكرر القول بأن القدس هي العاصمة الأبدية للدولة العبرية. العدو ما زال هو العدو, والأيديولوجية الصهيونية ظلت كما هي منذ بزوغها العلني عام 1879 وكما نظر إليها تيودور هرتزل, لا تتحرك عن عصبيتها, ولا تميل عن تصور (الآخر) وتصويره مثالا للرداءة والتخلف بالرغم ما يحمل ذلك من ترسيخ للحواجز السيكولوجية وعرقلة لما يعرف بعمليات التطبيع وتوطيد للفعل اللاأخلاقي. والمشكلة كما أراها تختلف عما كان يراها الراحل لطفي الخولي, انها لم تكن أنا أو العدو لتتحول إلى (أنا والعدو) بقدر ما هي مشكلة (أنا ثم العدو) . (أنا) الذي لم أستوعب الأبعاد الدولية المعقدة التي وجد العدو فيها مسارب ملتوية لتمرير أفكاره وترسيخ أقدامه في أرضي. (أنا) الذي كنت وما زلت مشتت الرأي مرتبك الخطوات بل متناقضها, وبعد ذلك أغفلت قوات السلاح والعلم والتكنولوجيا, أنا ثم العدو, وكيف لي أن أقول: (أنا والعدو) وهو ما زال عند بدايته المستميتة كما صورتها رواية, (ثم فلم) لـ (أكسودس) ومن حقي وحقك ان تستعيد قولة تلك الأعرابية: إذا لم يكن ظل يرام ولا جنى/ فأبعدكن الله عن شجرات خبير إعلامي عربي