بعد أكثر من أربع عشرة ساعة من الطيران على مرحلتين ــ ظهرت طوكيو وهي تسابق شروق الشمس, وكأن الشمس تأبى ان يصل المسافر إلى بلاد الشمس المشرقة دون ان تسبقه مرحبة, هاهي العاصمة الشرقية أخيرا, عاصمة (الميجي) التي أنتجت اليابان الحديثة , أما الشرق الأوسط أو الخليج فقد أصبح بعيدا, فالناس هناك تغط في نوم هادئ في منتصف الليل. لقد جئت إلى هذا المكان البعيد لغرض واحد هو الاطلاع على بعض ما فعله هذا الشعب تجاه الثقافة بمعناها الشامل. طوكيو تقع على نفس خط العرض الذي تقع عليه مدن مثل أثينا ولوس أنجيليس وطهران, ومع ذلك فإن الجغرافيا لا تعني شيئا ان تحدثنا عن الانجاز الثقافي, فكل ما يجمع هذه المدن هو خط العرض, اليابان لا تستحي أن تدون في تاريخها انها أخذت زراعة الأرض وفنون أعمال المعادن من القارة الآسيوية قبل 300 سنة من الميلاد, كما أخذت ثقافة الكونفوشيوسية والبوذية من الصين, بل وحتى كوريا أدخلت في اليابان فنونا صناعية مثل النسيج وأعمال المعادن ودبغ الجلود وبناء السفن, وكتبت اليابان في البداية اللغة الصينية كلغة مكتوبة ولكن ذلك تم بعملية استيعاب وتكيف كبرى ارتدت بموجبها الأشياء التي تسللت إلى الثقافة اليابانية من الخارج بالتدريج ثوبا وأسلوبا يابانيا جوهريا, وبدأت حضارة اليابان تتخذ خصائصها وشكلها المميز الذي نعرفه اليوم. انها إذن اليابان الحديثة التي دخلت أيضا إلى العصر الحديث في عهد الميجي, وهو العصر الذي يقع في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين, بعد ان تخلصت من حكم العسكريين, وكان أول دستور حديث أعلن في اليابان في السنة الأخيرة من القرن الماضي, لذلك فكثير من المؤرخين العرب يقارنون نهضة اليابان الحديثة بنهضة مصر في عهد محمد علي, واحتكاكها الأول بالغرب الحديث ابان الحملة الفرنسية وبعدها. ميزة الثقافة اليابانية انها تستوعب الكثير من الخارج ثم تقوم بهضمه ليصبح يابانيا صرفا ولعل أكثر الأمثلة بروزا في هذا الصدد هو اللغة اليابانية نفسها, فقد تبنى اليابانيون الكتابة الصينية في بداية الأمر, ثم حولوها تدريجيا إلى لغة محلية استخدمت على نطاق واسع بعد ذلك لتكتب تلك اللغة بشكل مشابه للصينية من أعلى إلى أسفل ومن اليسار إلى اليمين, بل ومن أسفل إلى أعلى في بعض الأوقات, وأصبحت تمتلك تراثها الخاص وأدبها المميز. ويبدأ تاريخ اليابان الحديث بعصر الامبراطور ميجي (الثلث الأخير من القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين تقريبا) , فهذا العصر بالكاد مضى عليه مائة عام, ولكن هذه الفترة شهدت دخول اليابان العصر الحديث بما فيه من ايجابيات والتي لا تزال آثارها السلبية مسكوتا عنها سواء لدى اليابان أو جيرانها. ويرى اليابانيون أن عصر (الميجي) هو الذي انطلقت فيه اليابان كي تحقق في بضعة عقود ما تطلب قرونا للظهور في الغرب, اقامة دولة عصرية ذات صناعة حديثة ومؤسسات سياسية عصرية ونمط مجتمع حديث في الادارة, بل نقل الميجي عاصمته إلى العاصمة الشرقية (طوكيو) في طلاق بائن عن الماضي, وأصبحت (كيوتو) العاصمة السابقة منذ ذلك الوقت مزارا تاريخيا لمن يريد ان يطلع على حضارة الاقطاع. ولكن هذه النقلة سببت أيضا لليابان الحديثة الكثير من المصائب لعل أبرزها دخول اليابان حربين عالميتين هما من نتاج التنافس الغربي على استعمار العالم, هزمت بعدهما اليابان في أغسطس 1945 شر هزيمة, فهي البلد الوحيدة التي جربت فيها أسوأ أشكال الأسلحة المدمرة التي اخترعها الانسان إذ تم اسقاط قنبلتين ذريتين على كل من مدينتي هيروشيما ونجازاكي فأصبحت هاتان المدينتان علامة تاريخية بارزة على قسوة الانسان ضد أخيه الانسان وما زالت بعد ما يزيد على خمسين سنة على ذلك الحدث محط عبرة لمن يريد ان يعتبر, حاملة الكثير من مأساة الانسان مع العلم الحديث, ولا يأتي زائر إلى اليابان دون ان يزور احدى هاتين المدينتين, ويقول لك المترجم بأسى: لقد كانت اليابان على وشك التسليم, ولكن أريد ان يضرب بها عبرة, ويالها من عبرة! دستور اليابان الحديث الذي وضعه ماك آرثر القائد الأمريكي العسكري الذي كان قائدا عاما لجيوش المنتصرين صدر في 3 نوفمبر من عام ,1946 وبدأ سريانه في شهر مايو عام ,1947 وتحمل ديباجته هذا النص (نحن شعب اليابان نرغب في السلام في كل الأوقات, ونرغب في أن نشغل مكانا مبجلا في مجتمع دولي يجاهد من أجل حفظ السلام, والقضاء على الطغيان والعبودية والقهر والتعصب في الأرض بصورة دائمة) . مرة أخرى تشهد الثقافة اليابانية تداخلا مع الأغراب, هذه المرة من الناحية السياسية, ومرة أخرى تثبت قدرتها على التكيف والتعايش والامتصاص, فأصبحت اليابان على طريقتها بلدا ديمقراطيا يمارس اللعبة الديمقراطية كما هي في الغرب عن طريق الاحزاب والانتخابات الحرة, ولكنها أيضا تمارسها على طريقتها الخاصة, الممزوجة بالثقافة اليابانية, فمنذ الحرب العالمية لم تستقر حكومة فيها ولم تستطع إنهاء فترة حكمها البالغة في الدستور أربع سنوات, وظلت الانتخابات تعقد قبل ان تستكمل تلك الفترة دائما بسبب التنافس السياسي. يحدثني مرافقي عن الوضع الديمقراطي القائم بعد أن سمعنا مكبرا للصوت يزعق في أحد شوارع طوكيو, قال: ان هذه بشائر الانتخابات البلدية, انها لم تبدأ بعد ولكن هذا المرشح يريد ان يأخذ قصب السبق, ثم أردف قائلا: هل تعرف ان الكثير من السياسيين اليابانيين في البرلمان هم إما ممثلون هزليون أو رياضيون سابقون, لأن وجوههم معروفة, وينتخبهم الناس, ثم أردف: ولكنهم لا يبقون طويلا, فسرعان ما يكتشف العامة أنهم قد مثلوا عليهم! يتكون التمثيل السياسي في اليابان الحديثة من (الدايت) , وهو من مجلسين, مجلس للشورى ومجلس للنواب, وكلاهما منتخب انتخابا مباشرا من الشعب, ولمجلس النواب سلطة تعلو سلطة مجلس الشورى, وقد كان الحزب الليبرالي هو المسيطر معظم سنوات الحكم بعد الحرب, رغم وجود تمثيل لاكثر من عشرة أحزاب في (الدايت) بين فترة أخرى. أما الامبراطور وهو اليوم الامبراطور اكهيتوا الذي تولى العرش مطلع يناير 1989 بعد وفاة والده هيرهيتوا الذي عمر طويلا, بل أنه أطول الحكام اليابانيين مدة اعتلاء لسدة الحكم, اذ حكم لمدة 62 عاما, وهو أيضا أطولهم عمرا (87 سنة) , وشهد عصره انتقال الشخصية الامبراطورية من شخصية شبه مقدسة الى رجل عادي له بعض الحقوق الدستورية. والى جانب اهتمام اليابان الحديثة بالتطور الاقتصادي ــ وقد شهدت شبه معجزة في هذا السياق بعد الحرب العالمية الثانية ــ فإن اليابان تهتم كثيرا بالسلام العالمي والأمن, ولا تجد شيئا من الأدبيات اليابانية إلا وتتحدث عن هاتين المفردتين, السلام والأمن, ولعل تاريخها الحديث هو الذي يجعل لمثل هذه المفاهيم أهمية قصوى. وكذلك تهتم اليابان بالثقافة, وهي الآن مهتمة بالتنافس للحصول على قيادة الثقافة العالمية بترشيح ياباني لقيادة اليونسكو الذي ينافسه العربي الدكتور غازي القصيبي, وفي القطاع الأخير ــ الثقافة ــ تظهر معالم الاهتمام بالحفاظ على ثقافة فنون الأداء التقليدية, حيث يشاهد الزائر في طوكيو وفي بقية المدن فنا قديما مازال مطلوبا ومشاهدا, يسمونه (الكبوكي) لابد للزائر الأجنبي من أن يراه, ويقوم الرجال فيه بتمثيل دور النساء. وقد مضى على هذا النوع من التمثيل مئات السنين, وهو يروي قصصا تراثية تقليدية, ومازال الجمهور حتى اليوم يقبل عليه ويحبه, وبجانب الاهتمام بالفنون التقليدية هناك اهتمام واسع بالموسيقى والمسرح وانتاج الافلام وفن العمارة, خاصة تلك التي لها علاقة بالمنشآت الثقافية, ولعلنا نحن في البلاد العربية نذكر تصميم دار الأوبرا المصرية التي صممها وأشرف على تنفيذها اليابانيون في قلب القاهرة لنتذكر كم هو جميل تقدم هذا الفن عند اليابانيين, أما اذا شاهدت تصميمهم الحديث في بنائهم للمجمعات الثقافية فإنك تجد نفسك أمام تجربة مبهرة حقا. ولكن تظل اليابان مشغولة بالجانب الاقتصادي, قال محدثي, وهو يبدي القلق, ان نسبة البطالة ارتفعت في اليابان الى اربعة في المائة, قلت إنها نسبة معقولة اذا أخذنا ما تتسامح به الاقتصادات الغربية التي تبلغ عشرة في المائة, ومع ذلك تعتبر نسبة معقولة, مط شفتيه وأخرج زفرة على الطريقة اليابانية, وقال: لم نتعود في اليابان منذ الحرب الثانية أن نشهد مثل هذا الارتفاع في بطالة اليد العاملة, الناس متخوفة والاقتصاد راكد, ونحن دولة يقطنها مائة وعشرون مليون نسمة, وتعتمد على التصدير, كما أن المشكلة الأخرى هي أن اليابانيين لم يعودوا ينجبون الاطفال, فقل عدد السكان من صغار السن, وازدادت الاعمار الكبيرة, فليس عجبا في اليابان اليوم أن ترى رجلا جاوز السبعين يعمل او امرأة جاوزت الثمانين تقوم بالخدمة. قال محدثي: ان الناس لا تموت في اليابان, الا بعد سن كبيرة, انه مجتمع (الروي شكيا) أي أنه مجتمع معمر, لن يجد الجيل المقبل جيلا جديدا يطعمه. قلت في نفسي يالها من مفارقة, نجاح العلم الحديث في اطالة العمر اصبح قنبلة زمنية.