الناس, أغلب الناس, لم تعد تهتم بشيء, او بمعنى اكثر دقة لم تعد تتفاعل مع ما يحدث أمام الانظار كما كانت تفعل في السابق, وسنكون موغلين في اختراق الجرح اذا اعترفنا بان الناس, أغلب الناس لم تعد تراهن على رموز ماثلة أمامها, او قيم حية تعيشها والأمرُّ انها لم تعد تراهن حتى على أحلامها . لم يعد الناس يتفاعلون مع الجريمة على انها فعل لا أخلاقي يستحق الاحتجاج والغضب وارتفاع الصوت اعلانا للسخط, ولم يعد الناس كذلك يتعاملون مع الفضائح والفساد وانعدام القيم, وتدهور المنظومة الاخلاقية وفق المعايير الانسانية المتعارف عليها. أما السبب فربما يعود لذلك المبدأ الذي يقول بأن التعود على أمر يلغي الاهتمام به أو التفاعل معه, تماما كما يلغي الاشخاص الذين يسكنون قريبا من المطارات أحساسهم بضجيج الطائرات بحكم الاعتياد. وسترى ذلك اذا تأملت المواقف الانسانية التي تمر بها أو تمر بك, فبسبب كثرة المجاعات ومناطق الامراض والحروب والفقر في العالم, وتكرار صورها على ذهنية وامام أعين المشاهد يوميا لم يعد هذا المشاهد يتفاعل معها كما ينبغي, بل وصل به الأمر أن يغير المحطة سريعا حتى لا يصطدم بها. وبسبب كثرة الحروب والثورات والانقلابات فلم تعد هذه تزعج أحدا, ولكثرة اخبار الفضائح الاخلاقية (النسائية وغيرها) لم يعد يرف للناس جفن وهم يتابعونها يوميا, ولم تعد قضية الحياء او الخجل او الاشمئزاز من التفاصيل المقرفة أمرا واردا. في السينما مثلا يتمدد الناس باسترخاء ومتعة, وبعضهم يصطحب ابنه الصغير او زوجته او شقيقته الصغيرة, وبدون اية مبالاة او أعصاب مشدودة ليتابع باستمتاع فيلما من افلام الرعب او العنف او الشعوذة المعتمدة على الاباحية أو... الخ. وتستغرب ــ وربما تستغرب وحدك ــ انه يقهقه لمشاهد هذه الافلام, والسبب ان العنف لم يعد له ذلك التأثير السابق, بسبب كثرة العنف في الحياة اليومية, وكثرة مشاهد القتل والدمار والدماء في كل مكان والذي تنقله الفضائيات في لمح البصر. البعض يفسر حالة الناس بأنها شكل من اشكال (انعدام الحس) واعتقد أن القضية هي في انعدام القيم والقدوة, فالناس لم تعد تراهن على قضية او على حلم او تسير خلف زعيم تثق فيه او خلف حكومة تصدقها وتصدق كل شعاراتها, اليوم سقطت كل الاقنعة, وسقطت ورقة التوت, واصبح الكل مكشوفا, فلا قضايا ولا رموز ولا رجال ولا مصالح عليا ولاهم يحزنون. أصبح الانسان يقف مع نفسه فقط, ويراهن ــ ان راهن ــ على نفسه, ولا يفكر الا في فواتيره ومداخيله ومستقبل أولاده ومكتسبات وظيفته.. اصبح الانسان يناضل لنفسه.. فقط لكي يبقى!!