في مقالته التي تحمل عنوان: الفكر العربي والنظام العالمي الجديد, المنشورة في صفحة قضايا وآراء بتاريخ 22 فبراير عام 1999 استعرض الاستاذ الدكتور علي الدين هلال أوجه وانماط تعامل العقل العربي مع التحولات العالمية الكبيرة التي طرأت في ظل النظام العالمي الجديد . وبعد ان يتطرق الى مختلف الآراء السائدة بين المثقفين العرب بخصوص النظام العالمي الجديد, يصل الى نتيجة مفادها ان تلك الآراء تعكس هواجس وأنماط تفكير قائمة بالفعل وتستحق المناقشة. ومن تلك الأنماط على سبيل المثال التساؤل عما اذا كان هناك نظام عالمي جديد أم لا؟ والتعليق على مثل هذا التساؤل هو أن النظام العالمي الجديد هو نظام قائم فعلا, وله مكوناته الواقعية التي تتلخص في وجود قوة عالمية وحيدة تتصرف بشؤون العالم وترسم أهدافه, ومن تلك المكونات قيام منظمة التجارة العالمية وجعل العالم سوقا واحدة, والهيمنة على قرارات مجلس الامن الدولي, وتهميش دور الجمعية العامة للامم المتحدة, وتحديد وظائف الاعلام الدولي, وتقرير ما يجب ان يكون أو لا يكون تجاه مختلف القضايا الدولية. اذن فان وجود نظام عالمي جديد, لا يحتاج من الناحية العملية الى اعتراف او عدم اعتراف المثقفين العرب لأنه حقيقة واقعة وملموسة, والسؤال الذي يمكن طرحه في هذا السياق هو: لماذا لا يبادر المثقفون العرب الى البحث فيما يمكن ان تفعله الاقطار العربية للاندماج في ذلك النظام والتأثير في مجرياته لصالحها؟ في الوقت الذي لم تطلب أي جبهة عالمية رأيهم أو رؤيتهم. ان الاكتفاء بمجرد نقد ذلك النظام وبيان سوءاته, والانتظار اللا مجدي لامكانية بروز منافسين دوليين لزعامته, مثل اليابان أو الاتحاد الأوروبي, لا يعفي المثقفين العرب من واجبهم في التنظير لما يمكن فعله عمليا من جانب العرب, بدلا من الشكوى وانتظار المعجزات التي تجعل ذلك النظام العالمي يسير وفق ما يريده العرب ويرغبون فيه!! هذا من جهة, ومن جهة ثانية فان الدكتور هلال يبرهن في مقالته على ان تشكل النظام العالمي الجديد, لم ينشأ فجأة او تنشق عنه الارض, وانما تبلور تدريجيا وعبر سنوات طويلة, وهو مازال في طور التبلور.. الخ. ان ما ذهب اليه السيد الكاتب هو صحيح مئة في المئة ولا جدال فيه, ولكن نود أن نتساءل: ما الموقع الذي ينتظر العرب في خارطة النظام العالمي الجديد؟ وهل هناك مؤشرات على ان تحديات ذلك النظام تلقى استجابة موازية من جانبهم؟ لقد تحدث الاستاذ الدكتور علي الدين هلال عن التحولات العالمية الراهنة التي يشبهها بجبال الثلج الطافية في أعالي البحار, ترى قممها, ولكن تظل قيعانها التي تمثل الجزء الأكبر منها مختفية تحت سطح الماء. اذ مازال العالم يعيش في خضم عملية تغير عميقة, ومازالت آثار هذه العملية لم تطرح كاملة بعد. ويتابع قائلا: فان السؤال عما اذا كان هناك نظام عالمي جديد قائم فعلا أم لا, هو سؤال غير دقيق, والسؤال الأدق هو: هل توجد مؤشرات ودلائل على ان النظام الدولي يمر بمرحلة تغير عميق, يمس القيم والاسس والجذور أم لا؟ والرد عندي بالايجاب, والكلام طبعا للسيد الكاتب. ونحن نرى في استنتاج الكاتب أمرا حسم القول فيه, بناء على ما أورده من أشكال التغير في مجالات التكنولوجيا وغيرها مثل مجال الحاسبات الدقيقة والذكاء الاصطناعي والاتصالات من بعد والمعلومات وغيرها. ويطالب الكاتب بالتفاعل مع هذه المرحلة الجديدة من تطور الحضارة الانسانية والتفاعل معها من خلال فهمها وتفسيرها وتحليل اثارها دون البكاء على الاطلال, وابراز السلبيات علنيا, بل بتوضيح كيفية التفاعل معها. وهنا يضع الكاتب تصورا صحيحا لما ينبغي القيام به, ولكن المرء يتساءل في ضوء ذلك: كيف يمكن للعرب ان يتفاعلوا مع معطيات الحضارة الانسانية في الوقت الراهن, بوجود انظمة تعليمية اثبتت عدم فاعليتها, واعتماد على منتجات الآخرين في مجالات الغذاء والكساء وغير ذلك من أشكال التبعية. وكما يقول الكاتب, فان لكل تطور تاريخي جانبان, الأول توفير مجموعة من الفرص والاحتمالات, والثاني وجود تحديات وأخطار تتصل بمسؤولية المفكر على المستوى النظري, وعلى السياسي من الناحية العملية. وهنا يجب القول بأنه في ظل الظروف والمعطيات السائدة في المجتمعات العربية, تظل تلك التحديات والأخطار التي اشار اليها الكاتب هي المرشحة للبقاء, دون ان تكون هناك فرص حقيقية للاستفادة مما سماه مجموعة من الفرص والاحتمالات مالم تطرأ تغيرات جوهرية تمس البنى الاجتماعية والفكرية العربية التي مازالت الى الآن تتسم بالسكونية وردود الافعال التي تزيد من الاحباط واجترار الشكوى. كاتب سوري