في 14 مارس ,1978 اي منذ احدى وعشرين عاماً خلت, اجتاحت القوات الاسرائيلية منطقة جنوب لبنان, فيما سمي وقتها (عملية الليطاني) , وترتب عليها احتلال اسرائيل لشريط حدودي في داخل الاراضي اللبنانية المجاورة لشمال اسرائيل , وبررت اسرائيل ذلك وقتها بأنه ضمانة لأمن حدودها الشمالية وللحيلولة دون القيام بأي عمليات عسكرية ضدها. ووقتها اجتمع مجلس الامن في التو, واصدر قراره الشهير رقم 425 والقاضي بضرورة انسحاب اسرائيل على الفور, وبعد ذلك بأربعة أعوام, قامت اسرائيل باجتياح عسكري كبير, سمي بعملية (سلام الجليل) , كان من شأنه توسيع ذلك الشريط المحتل وتكريس الوجود العسكري الاسرائيلي فيه, وبعد واحد وعشرين سنة, يثور السؤال: هل حقق الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان امناً او سلاماً؟ والحقيقة, ان الاحتلال الاسرائيلي للجنوب كانت له جذور وارهاصات, ففي فترة الحرب الاهلية في لبنان, قامت اسرائيل بدعم بعض المجموعات المسلحة المنشقة على الجيش اللبناني في منطقة الجنوب, كان ابرزها المجموعة التي ارتبطت باسم سعد حداد, والتي تمركزت في المنطقة الحدودية المتاخمة لاسرائيل وبحلول عام 1976 تمكنت قوات سعد حداد من توسيع المساحة الجغرافية التي تسيطر عليها, خصوصاً في قضاء بنت جبيل وقضاء مرجعيون, وبلغ عرض تلك المنطقة ما بين 5 ــ 10كم على طول الحدود, وجاء الاجتياح الاسرائيلي في مارس 1978 ليؤكد تلك السيطرة, وليشكل ــ وفقاً لاسرائيل ــ (حزاماً امنياً) يشمل المنطقتين اللتين تسيطر عليهما قوات سعد حداد فضلاً عن مناطق اخرى في قضاءي صور وحصبيا, وفي ابريل 1979 اعلن حداد ما سمي (دولة لبنان الحر) في تلك المنطقة المحتلة التي بلغت مساحتها قرابة 700كم,2 وفي مايو 1980 اعلن انشاء (جيش لبنان الحر) , الذي كانت مهمته الرئيسية وقف محاولات الاختراق من جانب المقاومة اللبنانية والفلسطينية للقيام بعمليات عسكرية في الاراضي الاسرائيلية. وتطور الوضع اثر الاجتياح الاسرائيلي الثاني للبنان في يونيو ,1982 فقد تم توسيع المنطقة التي تسيطر عليها القوات الموالية لاسرائيل جنوبي نهر الاولى وحتى شمال مدينة صيدا. ومع وفاة سعد حداد (والذي قام مناحيم بيجين رئيس الوزراء الاسرائيلي وقتها بالمشاركة في تشييع جنازته) في عام 1984 سقطت (دولة لبنان الحر) المزعومة, وخلفه اللواء المتقاعد انطوان لحد, الذي غير اسم قواته الى جيش لبنان الجنوبي) . في هذا الوقت, احتلت القوات الاسرائيلية اجزاء كبيرة من لبنان مستغلة ظروف التفكك السياسي والحرب الاهلية القائمة, وسعت الى دعم بعض المجموعات اللبنانية ضد بعضها الآخر, ولكن مع تصاعد عمليات المقاومة اللبنانية والفلسطينية ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي, ومع تزايد التكلفة المادية والبشرية لهذا الاحتلال, وادراك اسرائيل عدم قدرتها على احكام السيطرة العسكرية, قرر مجلس الوزراء الاسرائيلي في يونيو عام ,1985 الانسحاب من لبنان, والتخلي عن وجود دائم للقوات الاسرائيلية على خط الحدود الدولية مع استمرار تقديم الدعم للقوات الموالية لاسرائيل في منطقة الجنوب, وأكد هذا القرار, انه اذا تعرضت تلك القوات لمخاطر لا تستطيع مواجهتها, فان الجيش الاسرائيلي سوف يتدخل لمساعدتها, وكانت المنطقة التي مثلت هذا (الحزام الامني) قد توسعت لتبلغ قرابة 1000كم,2 او ما يماثل 10% من مساحة لبنان تقريباً, تشمل نحو 120 قرية وبلدة ومدينة. وبالطبع, فإن المقاومة اللبنانية والفلسطينية للاحتلال لم تتوقف. وخلال عام ,1986 استمرت اسرائيل في انتهاج سياسة (القبضة الحديدية) وواصلت القصف الجوي لمعاقل المقاومة, كما قامت بهدم المنازل, ومن جانبها, واصلت المقاومة اطلاق الصواريخ على شمال اسرائيل ومهاجمة نقاط التفتيش الاسرائيلية, واشتدت وطأة المقاومة في عام ,1987 الامر الذي دفع مندوب اسرائيل في الامم المتحدة الى تقديم اقتراح بوقف فوري لاطلاق النار في منطقة الحدود مع لبنان لمدة 6 شهور, وهو ما رفضه لبنان لعدم اتفاقه مع ما تضمنه القرار 425. وخلال الاعوام التالية, لم تهدأ المقاومة اللبنانية قط, وازدادت التكلفة البشرية الاسرائيلية نتيجة العملية الجريئة والاستشهادية لحزب الله في المنطقة, وكرد فعل لذلك, شهد عام ,1992 اجتياح اسرائيلي آخر على الارض, رافقه قصف جوي ومحاولات اغتيال, كان ابرزها اغتيال الشيخ عباس موسوي رئيس حزب الله, ولم تتوقف المقاومة في عام ,1993 برغم قيام اسرائيل بهجوم عسكري اخر تحت اسم (تصفية الحساب) , اذ ردت المقاومة بسلسلة من العمليات الفدائية التي مثلت استنزافاً منظماً ومتزايداً للقوات الاسرائيلية في المنطقة المحتلة, بعد ان اصبحت كان من شأنه ارتفاع اصوات في اسرائيل تتساءل عن جدوى الاحتفاظ بذلك الشريط الحدودي, بعد ان اصبحت المقاومة اللبنانية هي التي تمسك بزمام المبادرة العسكرية, ثم قامت اسرائيل بهجوم عسكري آخر في عام ,1996 تحت اسم (عناقيد الغضب) , قام خلاله الطيران الاسرائيلي بحوالي 16 الف طلعة جوية ركزت على ضرب البنية التحتية للبنان وتدمير البنية العسكرية للمقاومة, وردت المقاومة اللبنانية باطلاق قرابة 800 صاروخ كاتيوشا ضد اهداف اسرائيلية. وفي غمار هذا الهجوم وقعت (مذبحة قانا) , عندما اطلقت القوات الاسرائيلية القذائف على معسكر لقوات الطوارىء الدولية يضم مدنيين لبنانيين, وانتهى الامر بالوصول الى اتفاق لوقف اطلاق النار تعهدت فيه المقاومة اللبنانية بعدم توجيه ضربات ضد اهداف في داخل اسرائيل, مقابل تعهد اسرائيل والقوات الموالية لها بعدم الهجوم على اي اهداف مدنية او مدنيين, وتضمن هذا الاتفاق احتفاظ المقاومة اللبنانية بحقها في ممارسة الدفاع المشروع ضد الاحتلال الاسرائيلي في مناطق الجنوب, ولم يحل هذا الاتفاق دون استمرار عمليات المقاومة التي ازدادت عدداً وكفاءة, واثار ذلك جدلاً واسعاً في اجواء الانتخابات الاسرائيلية التي شهدها عام ,1996 وشن نتانياهو, الذي كان وقتها مرشح الليكود لرئاسة الوزراء, حملة قاسية على رئيس الوزراء شيمون بيريز, متهماً اياه بأنه اضفى شرعية على عمليات حزب الله ضد الجيش الاسرائيلي في مناطق الجنوب. وجاءت الاحداث الاخيرة في فبراير عام ,1999 لتؤكد اخفاق اسرائيل في حماية المنطقة المحتلة, ففي خلال اسبوع واحد, قامت المقاومة اللبنانية بثلاث عمليات ناجحة ففي 23 فبراير قامت بعملية نتج عنها موت ثلاثة جنود من القوات الخاصة الاسرائيلية وبعدها بأربعة ايام قام حشد من الطلاب اللبنانيين باستعادة بلدة (ارنون) التي كانت القوات الاسرائيلية قد حاصرتها بالاسلاك الشائكة وفي 28 فبراير, انفجرت قنبلة اودت بحياة اربعة عسكريين اسرائيليين كان من بينهم اللواء ايريز جيرشتاين, والذي يعتبر اكبر رتبة عسكرية اسرائيلية يلقى مصرعه منذ عام 1982. وكان من جراء ذلك كله, تزايد الانتقادات لسياسة الحكومة الاسرائيلية ازاء جنوب لبنان, فخرجت مظاهرات نظمتها امهات الجنود الذين لاقوا حتفهم واولئك الذين يعملون في المنطقة, مما ادى الى اعلان ايهود باراك رئيس حزب العمل في 2 مارس, انه في حالة انتخابه رئيساً للوزراء, فإنه سوف يقوم بسحب القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان في حدود عام وقبل شهر يونيو من عام 2000 وأيد عيزرا وايزمان رئيس الدولة الفكرة, و رغم ان رد الفعل الاولي لنتانياهو كان رافضاً للفكرة مشيراً الى ان تحديد موعد للانسحاب الاسرائيلي سوف يستغله الخصوم لممارسة المزيد من الضغط السياسي والعسكري ضد اسرائيل, الا انه سرعان ما غير موقفه مشيراً الى استعداده لاتخاذ قرار بانسحاب اسرائيل من الجنوب. ان تلك المواقف الاسرائيلية تشير بجلاء الى ان الهدف الذي سعت اسرائيل الى تحقيقه منذ عام 1978 لم يتحقق. فالاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان لم يمنع المقاومة اللبنانية من القيام بعملياتها ضد المستوطنات الموجودة في شمال اسرائيل, كما ان اسرائيل لم تنجح في حماية قواتها الموجودة في الشريط الحدودي المحتل, والتي اصبحت هدفاً سهل المنال لحزب الله. وكشف ذلك, ليس فقط عن ضعف قدرة المخابرات الاسرائيلية في الحصول على معلومات بشأن ما تخطط له المقاومة اللبنانية, وانما ايضاً عن عدم قدرتها على منع اختراق القوات الموالية لها من قبل المقاومة, او معرفة توقيت التحركات الاسرائيلية في المنطقة وكيفية نصب الكمائن لها وزرع الالغام في طريقها, الامر الذي وجد حالة من الاستنزاف المستمر لاسرائيل بما يترتب عليه من تدهور للروح المعنوية لتلك القوات التي تواجه خصماً (غير منظور) , لا تستطيع اختراقه او معرفة متى يقوم بعملياته, او في اي مكان سيقوم بها, وضاعف من تدهور الروح المعنوية للقوات الاسرائيلية روح الاستشهاد التي تتمتع بها المقاومة اللبنانية. لقد كان من شأن ذلك كله, ادراك القيادات السياسية والعسكرية في اسرائيل ان ما اسمته (بالحزام الامني) اصبح هو نفسه بحاجة الى حماية امنية. فهذا (الحزام) المزعوم لم يصبح في اي وقت من الاوقات منطقة عازلة بين اسرائيل ولبنان, وانما تحول الى ساحة اخرى للقتال بين قوات احتلال وحركة مقاومة لبنانية لا يمكن وقفها او تحجيمها, رغم كل الضربات العسكرية البرية والجوية التي وجهت ضدها, بحيث اصبح جنوب لبنان هو البؤرة الوحيدة المشتعلة على طول حدود اسرائيل. وتحية الى المقاومة اللبنانية التي صمدت طوال واحد وعشرين سنة هي عمر الاحتلال الاسرائيلي للجنوب حتى الآن.