عندما تنصت لحوار يطول او يقصر بين واحدة من جداتنا او امهاتنا وأحد احفادها او ابنائها فلن يفوتك ان تلاحظ اختلاف اللهجة والمفردات المستخدمة في الحوار بينهما, عندها تسائل نفسك كيف لو تحاورت هذه السيدة العجوز مع البائع الايراني في بقالة الحي, او سائق التاكسي الباكستاني, او الخياط الهندي او الخادمة الفلبينية ؟ لاتهدف في تساؤلك هذا الى عقد مقارنات بين اللغات واللهجات, ولا تقحم نفسك في حالة من العنصرية او النظرة الفوقية تجاه الامم الاخرى, انت فقط تتأمل اشكاليتك الاجتماعية الذاهبة بعمق قاتل صوب الفاجعة! والفاجعة هي فقدانك لهويتك وضياعك وسط طوفان من الاعراق واللغات والثقافات حملتها حاجتها للمجيء الى هنا, ودفعتنا حاجتنا ايضاً لاستدعائها, لكن القضية بكاملها لم يؤسس لها بعقلانية, ولم تؤطر بقوانين, ولم نتعامل نحن معها بوعي وحرص ويقظة. لقد ظهرت الكثير من الدراسات الاجتماعية المهتمة بقضايا التركيبة السكانية والسمات الاجتماعية والتغيير الاجتماعي لدولة الامارات ولدول الخليج عامة, وصرخ الباحثون طويلاً في موضوع الهوية ومخاطر العمالة وقال المهتمون والحريصون حتى تعبوا, لكن العربة على ما يبدو قد انحرفت عن مسارها, وتحتاج لجهود جبارة من اجل اعادتها للقضبان ثانية. موضوع الهوية التي ضاعت, ومجموعة الهويات البديلة التي انتصرت وثبتت نفسها في حياتنا, وغرست ملامحها في ثيابنا وطعامنا ولغتنا, وتصرفات اطفالنا, وثياب شبابنا, وحتى في الطريقة التي نمضي بها اوقاتنا, من اكثر القضايا الخطيرة والتي يهملها الاعلام المحلي مع سبق الاصرار والترصد! امهاتنا وجداتنا لم ينجحن ولم تساعدهن عوامل اخرى كثيرة في جعلنا نتمسك بالطريقة التي يتحدثن ويعشن بها, وها انا ــ وغيري ايضاً ــ نشعر بأن اطفالنا يستخدمون مفردات اخرى, ولا يكادون يتعرفون على اشياء كثيرة نستخدمها في حياتنا, واكاد اجزم بأننا السبب وليسوا هم, فما من أمة وما من شعب على وجه الارض يضع نفسه في المتاحف وخلف (الفاترينات) على انه تراث بينما هو لا يزال على قيد الحياة, ثم يذهب بغباء يدعو الآخرين للتفرج على حياته وخصوصياته التي حولها بشكل غرائبي الى عالم من (الانتيكا) او التحف, وبعدها ينسى نفسه فيتفرج على نفسه باستغراب, وكأنه فقط الذاكرة تماماً. نحن فعلاً شعب فقد ذاكرة هويته وذاتيته وخصوصيته, وبسرعة البرق, واستبدلنا بهذه الذاكرة, واحدة اخرى مصنوعة من اسمنت وزجاج عاكس, ومفردات على هيئة (فسيفساء) غير متجانسة او متناسبة مع بعضها, وتصرفنا كالطفل الذي تفرحه البالونات والثياب المزركشة والالعاب الغريبة, تصرفنا كطفل, يكتب تاريخه من نقطة الصفر, ويدون تاريخه في الماء والهواء وخلال سيل من الالعاب النارية! امي وقبلها جدتي ومثلهما فعل ابي وجارتنا ونحن جميعاً, طوعنا السنتنا لنتحدث لغة (عرجاء) حتى يفهمها القادمون من كل الدنيا, وتصرفنا مثلهم كي لا يشعروا بالغربة وتدريجياً لم نعد نحن.. اصبحنا هم!!