العرب واشكالية الصحافة:بقلم- فايز سارة

تسجل المرحلة الراهنة من الحياة العربية تراجعاً ملحوظاً في دور ومكانة الاعلام المكتوب والمسموع لصالح تقدم واضح في مكانة ودور الاعلام المرئي, وهو أمر يختصره الحضور الطاغي للمحطات الفضائية والارضية للتلفزيونات العربية والتي باتت تغطي البلدان العربية والعالم كافة. لقد أضاف هذا التطور في واقع الاعلام المرئي خصوصاً بعداً وأثراً جديدين في علاقات الجمهور , ولاسيما الصحافة اليومية, التي طالما كانت هناك اشكاليات كبرى في علاقتها بالجمهور في العالم العربي. وإذا عدنا الى الاساس في اشكاليات علاقة الاعلام المكتوب والصحافة اليومية بالجمهور, لأمكن القول, أن بين الأمور الاساسية في اشكاليات العلاقة حقيقة أن الصحافة هي حالة مدينية, بمعنى أن انتاجها وأصدارها مرتبط بالمدن, وخصوصاً في العواصم, حيث تتمركز الفعاليات الاعلامية, والامكانيات الفنية, وتكون المدن والعواصم المسرح الاهم للاحداث والتطورات, وفوق ذلك فإن المدن والعواصم هي الاكثر استهلاكاً للصحف والمجلات بفعل عوامل متعددة, ليس آخرها, أن المدن تحتوي أكثر السكان ثقافة, وغالباً اعلى نسب من المتعلمين. أن التطورات المتلاحقة في المواصلات والاتصالات وفي تقنيات الطباعة أدت الى حدوث تبدلا ما في علاقة الاعلام المكتوب والصحافة اليومية خصوصاً في خروجها من اسر كونها ظاهرة مدينية, أو مرتبطة بالعواصم فقط, لكن تلك التبدلات لم تكن حاسمة, فما زالت الصحيفة ــ اية صحيفة ــ أسيرة المدن, بل والمدن الاكثر تقدماً وتطوراً للاسباب الاساسية المشار اليها. ان بين مترتبات وقائع كهذه أن الجمهور الاساسي للصحافة في انتاجها واستهلاكها هو جمهور المدن, ولا تتجاوز نسبة سكان المدن في اغلبية البلدان العربية ما نسبته الخمسين بالمائة, واذا أضفنا تلك النسبة القليلة من سكان الارياف التي تصلها الصحف بصورة يومية فقد لا ترتفع نسبة جمهور الصحافة كثيراً عن النسبة السابقة إلا قليلاً. وثمة نقطة أساسية أخرى في اشكاليات العلاقة بين الجمهور العربي والاعلام المكتوب وخصوصاً الصحافة اليومية, وهي تعود الى الحضور الواسع لظاهرة الأمية, التي تتراوح نسبتها في البلدان العربية ما بين ثلاثين وخمسين بالمائة, وهي امية تتصل بالقراءة والكتابة والعمليات الحسابية الاربع دون أن تصل الى الأمية الثقافية , وهي موضوع آخر له تأثيرات في اشكالية العلاقة بين الجمهور والصحافة. واذا كانت النسبة الأكبر من الأمية في البلدان العربية تتمركز في الارياف وفي البوادي, فإن هناك نسباً مهمة من الاميين بين سكان المدن بما فيها العواصم التي تعرضت اكثرها الى ظاهرة الترييف ــ انتساباً الى الريف ــ سواء بانتقال اعداد كبيرة من سكان الريف الى المدن, أو بسبب توسع المدن نحو محيطها الريفي, بحيث صارت قرى تحيط بالمدن جزءاً من احياء تلك المدن, وفي الحالتين أدى ذلك الى ارتفاع نسب واعداد الاميين من سكان المدن العربية. وهناك نقطة اساسية أخرى في اشكالية العلاقة بين الصحافة المكتوبة والجمهور العربي, تتمثل في وجود كم هائل من العنصر الشاب ومن الاطفال بين السكان العرب, وقد تصل نسبة من هم تحت سن قراءة الصحف (ما دون 15 عاماً على الأقل) الى اكثر من خمس وعشرين بالمائة من اجمالي السكان, وترتفع نسبة هؤلاء بصورة ملحوظة اذا اضيف اليهم نسبة من هم بين (16 و18 عاما) الذين يظهرون اهتماماً أقل من الكبار بقراءة الصحف اليومية ومتابعتها حسب احدى الدراسات الصحافية. ورغم انه ليست هناك معطيات وأرقام حول علاقة النساء العربيات بالصحافة عموماً واليومية بشكل خاص, فلا شك أن متابعات الصحافة العربية من النساء العربيات قليلات لاعتبارات كثيرة من بينها ارتفاع عدد الأميات بينهن (مقارنة بالرجال) من جهة, وبسبب محدودية مشاركتهن في النشاط الاجتماعي والثقافي, حيث لا يتعدى حجم مشاركة المرأة في قوة العمل العربية ما نسبته 15% في أحسن الاحوال. أن نقاطا اخرى كثيرة هي بين عوامل اشكالية العلاقة بين الصحافة المكتوبة والجمهور العربي وبعض هذه النقاط يتبدى في ضعف مستوى الاداء المهني للصحافة وتدني مستوي محتوياتها, كما أن بين النقاط انخفاض مستويات الدخل والمعيشة للقارىء العربي الذي يعاني على نحو عام من سياسة افقار متزايد ومن ترد متواصل في مستويات حياته مما يجعله يتنازل عن متابعاته الثقافية والاعلامية المكتوبة خاصة في وقت تتزايد فيه الاهتمامات الرسمية العربية بوسائط (ثقافية ــ اعلامية) مجانية وسهلة, بل وفيها بعض من (المتعة) البصرية واعني ما تقدمه محطات التلفزة العربية. لقد كرست تلك العوامل اشكاليات العلاقة بين الصحافة والجمهور في البلدان العربية واقعاً آخذاً في التردي يجد بعضاً من تعبيراته في مثال لدولة عربية يبلغ عدد سكانها نحو ثمانية عشر مليوناً من السكان, وهي تملك ثلاث صحف تصدر في العاصمة, وأربعة أخرى تصدر في محافظات تلك الدولة, ولا يصل عدد ما يوزع من صحف تلك الدولة الى مائة الف نسخة, اغلبها في مراكز المدن, وفي صفوف الموظفين وكثير منهم يجد الصحيفة اليومية على طاولته أو قربها, وقلة قليلة من القراء الذين يذهبون الى باعة الصحف ليدفعوا قيمة الصحيفة ويشترونها, ورغم أن نسبة الذين يطلعون ــ أو يقرؤون الجرائد يومياً ــ لا تصل الى خمسة بالالف في ذلك البلد, وعدد الذين يدفعون قيمتها لا يصل الى نسبة يمكن أن تذكر. ورغم أن هذا النموذج من علاقة الجمهور العربي مع الصحافة اليومية ليس وحيداً, بل الى جانبه نماذج أخرى بعضها أفضل بقليل, لكنها جميعاً لا تخلو من اشكالية أساسها ضعف علاقة الجمهور العربي بالصحافة, التي وأن كانت تعاني من منافسة وسائل الاعلام الاخرى, فانها تبدو عاجزة عن التوافق مع متطلبات الجمهور في تقديم ما يحتاجه القارىء من جهة, وفي التغلب على العوامل التي تفصلها عن ذلك الجمهور من جهة أخرى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات