لا يستطيع رجل واحد عاقل ان يوقع معاهدة فك ارتباط مع المرأة والا وقع في نفس الوقت معاهدة فك ارتباط مع كل الاشياء الملونة في الحياة ... ولو تجاوز الرجل المرأة .. نشفت شرايينه .. وجفت مشاعره ... وتحول الى حجر ... او مسمار . الرجل يبقى متألقا ... محلقا... لامعا لو ظل في منطقة نفوذ المرأة .. وحين يخرج منها ... او يبتعد عنها يصاب بالملل والترهل والزهق والضجر .. وربما وجد نفسه وحيدا في مستشفى للامراض النفسية. لكن .. رغم ذلك يؤمن الرجل في مجتمعنا بان العلاقة بينه وبين المرأة هي علاقة تقوم على القهر والكسر .. والكر والفر .. ويفرض ذلك مرة بالامر الواقع .. والف مرة بالقانون .. والقانون هنا يفرض الاحزان .. ويقاطع الحنان .. يصيب النساء بالجنان .. ومنذ الصرخة المدوية بالجراح والنزيف في فيلم (اريد حلا) وطوال ربع قرن من الآلام والقانون لم يتغير .. بل ولا يلتفت لكل ما سببه من مشاكل اجتماعية - مثل مشكلة ملايين الاطفال في الشوارع ومشكلة البحث عن لقمة مغموسة بذل الجسد - ومضى في طريقه وقد ركبه الغرور .. ودن ان يشعر بالذنب .. ودن ان يلقي بنظرة واحدة على ضحاياه الذين اصبحوا اكواما من اللحم. على انني في الاسبوع الماضي شعرت ان هذا الغرور انكسر .. وفقد القانون - المكتوبة مواده ونصوصه بقطع الزجاج المكسور - غطرسته عندما اتيح لي ان اطلع على مشروع القانون الجديد الخاص باجراءات التقاضي في مسائل الاحوال الشخصية .. وهو قانون يتعامل مع المرأة على انها زهرة .. وليست ذبيحة .. ومن ثم رائحة العطر بدلا من خناجر وسكاكين النساء التي تفرض - في مواجهة الظلم - رائحة الدم. يعفي القانون الجديد كافة دعاوى (النفقة) في جميع مراحل التقاضي من الرسوم القضائية بجميع انواعها ( مادة 3) وهو نص مستحدث يخفف الاعباء على المرأة الفقيرة .. التي يلقي بها زوجها في عرض الطريق .. وعليها تدبير مصاريف المحاكم وهي عاجزة عن تدبير نفقات طعامها .. وشرابها ... او تدبير مكان تنام فيه. واعطى هذا القانون للمحكمة الحق في ان تندب اخصائيا اجتماعيا او اكثر لتقديم تقرير عن الحالة المعروضة عليها خلال اسبوعين ( مادة 4) وهو ايضا نص مستحدث .. يمزج النص القانون بالواقع .. ومن ثم ينظر القاضي للقضايا التي امامه بمنظور اكثر اتساعا .. واكثر رحمة .. وتصبح يده في النار التي تشوي المرأة التي تطلب منه العدل. وقد سد القانون الجديد اكثر من ثغرة .. واكثر من عورة في القانون القديم .. لعل اوضحها .. تجميع القضايا الخاصة بحالة واحدة امام محكمة واحدة ( مادة 10) ... ان المرأة التي كانت ترفع قضية طلاق امام محكمة ما كان يرد عليها بقضية طاعة امام محكمة اخرى .. فترفع قضية نفقة فتجدها امام محكمة ثالثة .. ثم تكون قضية حضانة او رؤية الاطفال امام محكمة خامسة ... وقضية نزاع على الشقة امام محكمة سادسة .. وهكذا .. تتفرع القضية الواحدة الى قضايا متنوعة .. تتوزع على المحاكم المختلفة ... وتنتظر المحكمة الاولى حكم المحكمة الثانية .. وتتعطل القضية الرابعة حتى يتم الفصل في القضية الثالثة .. ويستمر ذلك سنوات وسنوات لاتحصد فيها الضحايا سوى الرياح .. ولا تأكل سوى نفسها .. وربما ماتت او تشردت قبل ان تطرق العدالة بابها .. الآن محكمة واحدة .. ودعوى واحدة .. وملف واحد في مكان واحد .. يفصل في القضية - مهما تشعبت وتفرعت - بحكم واحد. ولاجدال ان واضعي القانون الجديد كانوا اكثر استيعابا للظواهر التي طفحت على جلد المجتمع وشوهت علاقات المودة والرحمة بين الرجل والمرأة ... منها الزواج العرفي والزواج السري ... وهي انواع من الزواج اقرب الى زواج المتعة .. وهي ايضا انواع من الزواج غير مسجلة رسميا ... وكان من الصعب على المرأة في هذه الحالات ان تطلب من القاضي - في ظل القانون القائم - ان يطلقها .. فالقانون يشترط وثيقة رسمية .. ولا يأخذ بغيرها .. لكن القانون الجديد تقبل دعوى التطليق لو كان الزواج ثابتا بأية كتابة .. حتى لو كان عقد الزواج مكتوبا على منديل ورق .. وهو بهذا النص ( مادة 17) يحمي الفتيات والنساء اللاتي يقعن ضحايا الزواج الخفي من الابتزاز والتشهير ودفع ثمن الخطأ مرتين من سمعتها ومن مالها . واستحدث القانون الجديد نصا ( مادة 18) يجعل القاضي لايحكم في دعاوى الطلاق الا بعد ان بذل جهدا في محاولة الصلح بين الزوجين .. ويعجز عن ذلك .. على القاضي الا يحكم بالطلاق الا بعرض الصلح مرتين على الاقل تفصل بينهمامدة لاتزيد عن 60 يوما .. وهو تطور مذهل يثير الاعجاب .. فكثير من القضايا التي تنتهي بالطلاق يعقبها الندم .. وكثير منها ايضا يكون بسبب الغضب والعناد وتدخل وسطاء السوء .. ان الطلاق في كثير من الاحيان يعكس حالة من العمى النفسي والعصبي المؤقت لا تزول الا بعد ان تقع الفأس في الرأس .. وساعتها يصبح مستحيلا اصلاح ما انكسر .. وبتدخل القاضي على هذا النحو يكون القانون في خدمة المجتمع .. لا المجتمع في خدمة القانون. ويدعم هذه المادة .. المادة التالية لها( مادة 19) التي استحدثها المشرع ايضا .. وهي تفرض في دعاوى التطليق ندب حكمين .. واحد من اهل الزوجة ... والثاني من اهل الزوج .. حسب الشرع .. والنص القرآني الواضح والصريح .. وهو نص لايجعل الطلاق كلمة سهلة في فم الرجل .. ينطقها فتنهار الاسرة على الفور .. وكأنه نطق بالكلمة الزلزال .. انها مهمة القانون المقدسة .. حماية الناس من انفسها. وفي الوقت نفسه اكمل المشرع الصورة باستحداث مادة اخرى في هذا الشأن ( مادة 21) تؤكد عدم الاعتداد بالطلاق الا بالاشهاد والتوثيق .. وفي هذه الحال على الموثق ( المأذون) ان يلتزم بتبصير الزوجين بمخاطر الطلاق .. ويدعوهما الى اختيار حكم من اهله وحكم من اهلها للتوفيق بينهما .. ولو اصر الزوجان معا على الطلاق فورا .. او قررا معا ان الطلاق وقع .. وجب توثيقه بعد الاشهاد عليه .. ولو حضر الزوج ولم تحضر الزوجة وجب على الموثق ان يطلب من الزوج اختيار حكم من اهله .. ويعلن الزوجة بعزم الزوج على تطليقها بكتاب مسجل بعلم الوصول يتضمن اسم الحكم الذي عينه الزوج .. ووجوب تعيين الزوجة لحكم من اهلها خلال 7 ايام .. ثم لايجوز توثيق الطلاق الا بعد مدة لا تقل عن شهر تبدأ من مثول الزوجين امام الموثق واختلافهما على ايقاع الطلاق .. او فشل كل محاولات الصلح والتحكيم .. وكلها محاولات طيبة من القانون لمنح الزوجين بعض الوقت لازالة الغشاوة من على العيون والقلوب. وعندما يعطي القانون كل هذه الفرص - خاصة للرجل - للمراجعة وتجاوز التصرف بغضب وعصبية يصبح للمادة 22 المستحدثة في القانون الجديد ما يبررها ... وتقضي هذه المادة الا يعيد الزوج زوجته الى عصمته بعد الطلاق الا بعد مراجعتها بورقة رسمية قبل انقضاء 90 يوماً من توثيق الطلاق.. وهو نص يقضي على حرج قد تجد فيه المطلقة نفسها اذا كانت قد عزمت الزواج من رجل آخر.. او تكون الكارثة لو ان زوجها السابق قد اعادها الى عصمته دون ان تعلم وهي اصبحت في عصمة رجل آخر..وهنا تجد المرأة نفسها قد ارتكبت دون قصد جريمة الجمع بين زوجين.. وهي جريمة تقشعر لها المرأة قبل الرجل. وفي حالات كثيرة تلجأ المرأة للمحكمة لطلب الطلاق.. وتنجح ــ ولو بعد طلوع الروح ــ في الحصول عليه في المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف والمعروف ان احكام الاستئناف واجبة النفاذ.. فتخرج المرأة من محكمة الاستئناف وهي تشعر بحريتها وتتزوج من رجل آخر وفي الوقت نفسه يكون الرجل الاول قد طعن في الحكم.. واستمر الطعن امام محكمة النقض سنوات تكون الزوجة قد انجبت من رجلها الجديد. ثم تفاجأ بمحكمة النقض تلغي الحكم بطلاقها وتجد نفسها ــ بعد كل ما جرى لها ــ زوجة لرجلين.. ويصبح اولادها من الزوج الثاني اولاد حرام.. وهو وضع بالغ السوء والحرج .. ومسكون بالقسوة والاهانة للمرأة.. ولو كانت محكمة النقض ــ التي لغت حكم الطلاق ــ قد فرقت بهذا الحكم بين المرأة وزوجها الجديد .. فما هو مصير الاطفال الذين ربما تكون قد انجبتهم منه.. وكيف يكون الحياة بالاكراه مع زوجها الاول؟ انها اوضاع لا يوجد مثلها في بلد آخر.. ولا يرضى عنها الله.. ولا الذين يفسرون احكامه وآياته. لذلك انقذنا القانون الجديد من هذه الاوضاع المهينة التي دفعت بعض النساء الى الانتحار او الانهيار النفسي والعصبي والاجتماعي.. ونص في مادة مستحدثة (مادة 64) على عدم تنفيذ الاحكام الصادرة بفسخ عقود الزواج او بطلانها او بالطلاق او التطليق الا بانقضاء مواعيد الطعن عليها.. فلو طعن عليها في الميعاد القانوني يستمر ايقاف تنفيذها الى حين الفصل في الطعن .. على ان ينظر الطعم امام المحكمة مباشرة في موعد لا يجاوز شهرين من تاريخ تقديم الطعن.. وعلى النيابة العامة تقديم مذكرة برأيها خلال شهر على الاكثر.. سابق على الموعد المحدد لجلسة الطعن. لقد احترم هذا النص كرامة المرأة ومشاعرها.. وحماها من احاسيس مؤلمة تشرخ نفسيتها.. وتحطمها. وتجعلها اما تتخلص من حياتها.. او تتخلص من الرجل الذي جرحها. وفرض عليها الشعور بالرخص.. وجعلها تمر من ثقب ابرة. إن هذا النص والنصوص الجديدة الاخرى هي محاولة طال انتظار المجتمع المصري لها لغسيل دماغه من تراكمات ومورثات عصور القنص والصيد والغزو والتعامل مع المرأة معاملة الجواري والسبايا.. هي محاولة متأخرة لتصحيح الخلل في العلاقة الاساسية ــ التي يقوم عليها المجتمع ــ بين الرجل والمرأة.. فيعود اليها الحب الذي هو التعويض العادل الوحيد عن كل ما في العالم من بشاعة وحماقة.. ويعود اليها المودة التي هي المرهم الذي يخفف الحروق الملتهبة بسبب قسوة الواقع وحماقاته وجرائمه.. ويعود اليها الرحمة التي تجعلنا نتقبل ما حولنا من حياة لا نشعر بها احياناً وكأنها حياة خردة. ولو كان القانون يطبق على كل الناس فإن الذين يضعونه هم بعض من الناس سلمهم المجتمع الامانة والقى عليهم بالمسؤولية.. واشهد ان الذين وضعوا هذا القانون بكل ما فيه من تعديلات تصحح عمودنا الفقري المنحني قد ادوا الامانة وتحملوا المسؤولية.. وهم ليسوا فقط رجال قانون وانما رجال دين نفذوا شرع الله بما يرضي الله.. واعادوا للأزهر الشريف الذي ينتمون اليه والذي كان يراجع هذه النصوص واحدا وراء الآخر ويقيسها على القرآن والسنة ويشارك في صياغتها ويدقق فيها ما كان معظم الناس يفتقدونه فيه.. منارة العقل.. وسعة الافق مع عدم الاخلال بحكم واحد من احكام الله.. والتقريب بين الاسلام والمسلمين.. والوصول الى اقرب التفاسير لروح الدين بعيدا عن التعصب وضيق الافق والمصالح الدنيوية المجردة باسم السماء.. وقد دفع المجتمع ثمن ذلك غالياً.. ولا تزال آثار الحروق قائمة.. لكن نحمد الله ان في الازهر رجالاً قد اعادوا الحقوق المهضومة الى اصحابها. والمعروف انه لا تناقض بين اغلى نصوص قانون الاحوال الشخصية والشريعة الاسلامية.. خاصة في الامور الوارد فيها نص.. اما النصوص التي لم يرد بها نص.. فقد كان القانون يأخذ بأرجح الاقوال في المذهب الحنفي.. وقد فتح علماء الدين الافاضل في الازهر الشريف الباب اكثر في القانون الجديد.. الذي اصبح متوافقاً فيما لم يرد به نص مع (ارجح الاقوال في الفقه الاسلامي) حسب المادة الثانية. وقد حدث ان جاءت امرأة للرسول عليه الصلاة والسلام وطلبت منه ان يطلقها من زوجها.. لانها كارهة له.. فسألها الرسول عما وهبه لها زوجها.. فقالت: مزرعة.. فسألها ان ترد اليه ما وهبه لها.. وتفتدي نفسها.. وهو ما يعرف في الشريعة الاسلامية بالفداء.. او الخلع وهو غير الطلاق مقابل مال. وفي القانون الجديد هذه الاضافة الجديدة المستوفاة من السنة النبوية ففي المادة 20:(اذا افتدت الزوجة نفسها وخالعت زوجها بالتنازل عن جميع حقوقها المالية الشرعية وردت عليه الصداق (المهر) الذي دفعه لها حكمت المحكمة بتطليقها منه طلقة بائنة.. ويكون الحكم الصادر بالتطليق في هذه الحالة غير قابل للطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن. وقد كنت اول من طالب بصندوق اجتماعي يدفع للمرأة ما تستحقه من نفقة ويحصل عليها الصندوق فيما بعد بالطرق القانونية (انظر مقالي في الاهرام بعنوان (علاقة زوجية ام علاقة ايجارية) في 4 ابريل 1998) وذلك حماية للمطلقة من تهرب الزوج وربما لصعوبة الوصول اليه في بعض الاعمال المتغيرة.. حتى لا يكون طلاقاً وخراب ديار.. وتدمير اشخاص.. وقد كان بنك ناصر يقوم بهذه المهمة متطوعاً.. وفي حدود ميزانية محدودة.. ربما لا تزيد عن مليون جنيه سنوياً.. وكانت هذه المهمة تنتهي بنهاية المبلغ.. وهو مبلغ لا يكفي سوى نسبة ضئيلة جداً من المطلقات الفقيرات.. وقد تجاوز القانون الجديد هذا التقصير ونص صراحة (في المواد من 72 الى 81) على انشاء (نظام تأميني للاسرة يهدف الى ضمان تنفيذ الاحكام الصادرة بتقرير نفقة للزوجة او المطلقة او الاولاد او الاقارب يتولى الاشراف عليها بنك ناصر الاجتماعي) .. ويحدد هذا النظام قرار من وزير العدل بعد موافقة وزير (أو في الغالب وزيرة) التأمينات والشؤون الاجتماعية. و(على بنك ناصر الاجتماعي اداء النفقات والاجور وما في حكمها مما يحكم به للزوجة او المطلقة او الاولاد او الوالدين) حسب النظام السابق الاشارة اليه.. وعلى الوزارات والمصالح الحكومية المختلفة والنقابات المهنية وغيرها خصم مبلغ الاحكام وايداعها في البنوك فوراً بدون الحاجة الى اجراء آخر. واعتبر القانون الجديد نفقة المطلقة والزوجة والاولاد هو دين له اولوية السداد بالنسبة للرجل .. ورفع نسبة الخصم من دخله بما يحقق العدالة للجميع. ان هذا القانون هو اول شيء اقنعني بأننا يمكن ان ندخل القرن المقبل بثقة تدعو للتفاؤل .. وقد كنت اخشى في ظل القانون القديم ان ندخل القرن الماضي.