لم يتردد الرئيس الأمريكي هذا الشهر في فرض جمارك بنسبة تصل إلى 100% على سلع أوروبية من بينها الكشمير والبسكويت والبطاريات والأحبار والشموع والشنط وبطاقات المعايدة وغيرها, مما أثار هلع أوروبا وسخطها, ومعها منظمة التجارة العالمية , خاصة أن كلينتون هدد بمزيد من العقوبات على سلع أخرى أيضا, إذا لم تتراجع أوروبا عن قرارها بإلغاء القيود على استيراد الموز. وكلينتون لا يحتاج إلى تحريض لكي يفرض عقوبات تجارية أو اقتصادية أو سياسية, فهو أكثر رئيس أمريكي اتخذ قرارات بعقوبات حتى الآن, مما يجعل قراره الأخير ضد سلع أوروبية, ومن أجل خاطر الموز, في السياق نفسه لسياسات إدارته, لولا أنه هذه المرة شن حرب عقوبات على من يفترض أنهم حلفاء, لا أعداء كالعراق أو ليبيا أو إيران أو غيرها من دول. غير أن التجارة لا تعرف حليفاً دائماً, بل مصلحة دائمة, لذلك ردت أمريكا بقوة على قرار حلفائها بفرض قيود على الموز الأمريكي, لكي تحمي بذلك واردات مستعمراتها السابقة التي تعيش على تصدير الموز وتحصل منه على العملات الصعبة, ما اعتبره الأمريكيون ضربة لصادراتهم ومخالفة لقوانين تحرير التجارة, فيجعل الحرب بين الحلفاء على أشدها وإن كانت جذورها تعود إلى العام 1993, مروراً بمد وجزر, ومعارك ومواقع, وصولاً إلى حرب اليوم. ومن المفارقات في حرب الحلفاء هذه, أنه لا أمريكا ولا أوروبا تزرعان الموز وتنتجانه, فالأولى تحمي مصالح ثلاث شركات رئيسية تسيطر على زراعة الموز وتصديره في أمريكا الوسطى فيما يعرف بجمهوريات الموز, والثانية تحمي مصالح مستعمراتها السابقة, في صورة شديدة السواد للهيمنة الغربية على اقتصاد العالم, وعلى اقتصاديات دول بعينها, ما يعيد الاستعمار بنمط آخر, ومن النافذة الاقتصادية هذه المرة. فهناك اليوم مثلا (يونايتد براندز) التي تنتج موز (تشيكيتا) ومعها (كاستل أند كوك) و(ديل مونت) تسيطر جميعها على 90% من الموز في السوق الأمريكي و40% من الموز في أسواق العالم, فكيف يمكن للإدارة الأمريكية أن تسكت عند تهديد مصالح هذه الشركات العملاقة في أي مكان في العالم, ولو كان ذلك من حلفاء وأصدقاء كأوروبا؟ وبما أن أمام الاتحاد الأوروبي مهلة إلى الثالث عشر من مايو المقبل لكي يتراجع عن القيود على موز الشركات الأمريكية, وهناك اجتماع للجنة فض المنازعات التابعة لمنظمة التجارة العالمية في الثالث عشر من ابريل المقبل لحسم الخلاف, فإن الموز يهدد عملياً منظمة التجارة العالمية كلها في حال فشلت هذه في حسم الخلاف, خاصة أن هناك انقساماً بين أعضائها الــ 134 حول الحواجز الجمركية, ما يجعل المراقبين يعتقدون أن المنظمة قد تتزحلق فعلياً هذه المرة بقشرة موز. ونقول إن معظم النار من مستصغر الشرر, وهو ما يمكن أن يكون إصبع موز أو قشرته, غير أننا في الحرب ما بين موز أوروبا وموز أمريكا لا نخشى شيئاً, فأولاً الموز لا ينقطع عنا وإن غاب تشيكيتا واخوانه فعندنا موز الهند والباطنة وغيرهما, ثم ان حرب الموز لا تهدد مصالحنا إلا إذا زاد سعر الموز على أسعار البترول, فيصبح استيراده مكلفاً للميزانية العامة, لنكتفي عندها بعود الموز وصفاً لمن نحب, لا بالموز نفسه!