بعد اعلان نتائج انتخاب الرئيس الجزائري اليمين زروال في نوفمبر 1996 عجت شوارع مدينة الجزائر العاصمة بجموع من المواطنين تهتف وتضغط على المنبهات معبرة في ذلك عن أمل لطي صفحة اخرى. طي صفحة العنف وفتح صفحة الاستقرار والمصالحة .. غير ان هذا الأمل الذي جسدته انتخابات الرئيس زروال تعرض لهزة بعد مقتل بنحمودة رئيس أكبر نقابة جزائرية ثم لشرخ كبير بعد الاحداث الدموية التي تعرضت لها قرى في غرب الجزائر في بنطلحة وسيدي سوس وغليزان في صيف 1997. كانت تلك المذابح تؤشر الى تراجع عمليات العنف مما يسمى مثلث الموت: الجزائر سوق أحراس باتنة, الى قرية منعزلة.. لكن تلك الاحداث عرضت المؤسسة العسكرية لانتقادات شديدة من قبل الرأي العام لخلافات داخلية عرضت تماسكها للاهتزاز.. وما فتىء شرخ المؤسسة العسكرية ان طفا على السطح, معرضا من جهة ما سمي بالانفصاليين مقابل دعاة الحوار, ورغم محاولة رأب الصدع وتدخل أطراف خارجية للحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية فإن الخلاف استشرى الى الحد الذي تعرض فيه الجنرال بتشين لحملة اعلامية واسعة اضطر معها الى تقديم استقالته: وبلغ الخلاف ذروته حينما أعلن الرئيس زروال في اكتوبر 1998 استقالته وتنظيم انتخابات رئاسية سابقة لأوانها في 15 ابريل من السنة الحالية. ويعتبر المراقبون الانتخابات المقبلة ليس لاختيار من يمسك بزمام الامر في الجزائر فحسب, بل انتخابات حول دور المؤسسة العسكرية, انه ينظر اليه الى أول تحول في مسار العمل السياسي بالجزائر منذ اندلاع حرب التحرير في نوفمبر 1954. كانت حرب التحرير تعبيرا عن غلبة الخيار العسكري في مقابل الخيار السياسي الذي كانت تنادي به فرحات عباس أو جمعية علماء المسلمين. ولئن كانت أرضية جبهة التحرير التي تم التعبير عنها في أول مؤتمر لجبهة التحرير بالصومال سياسية تقر بالتعددية فإن هذا المنحى بالبث ان تم تجاوزه بعد مقتل عبان رمضان. ويؤثر مقتل عبان الى صعود ما كان يسمى بجيش الحدود وهيمنة البعد الاحادي العروبي.. أما رئيس ما كان يسمى بالحكومة المؤقتة فرحات عباس فقد تم الاستغناء عنه بمجرد استقلال الجزائر.. ومنذ ذلك التاريخ اضطلع الجيش بدور سياسي.. وتعزز دوره بالنظر الى الخلافات الداخلية والتي عرفت أوجها مع انتفاضة منطقة القبائل سنة ,1963 وكذلك الخلافات الحدودية وبخاصة مع المغرب سنة 1963 وقد تمخض عن هذا الدور المتنامي عزل احمد بن بلة سنة 1965 وتولى رئيس الاركان العسكرية ووزير الدفاع رئاسة الدولة هواري بومدين وهو اسمه الحركي الذي طغى على اسمه الفعلي (محمد بوخروبة).. كان بومدين من خلال دور فاعل للحين يروم تحديث البلاد وتصنيعها والارتفاع بالعالم القروي: ولئن استطاع الرئيس بومدين ان يضبط المؤسسة العسكرية لفائدة القرار السياسي فإنه لم يستطع التحلل منها كلية ولا ان يحد من ممارسات استغلال النفوذ مما حدا به الى ان يبحث عن شرعية شعبية تكون رديفا أو تشكل ثقلا مضادا للمؤسسة العسكرية من خلال تبني الميثاق الوطني لسنة 1976.. لكن الموت المفاجىء لهواري بومدين سنة 1979 أوقف هذا التطور للنظام من الداخل وأعاد للمؤسسة العسكرية نفوذها وهيمنتها.. ولم يكن اختيار أقدم ضابط في أعلى درجة العقيد الشاذلي بن جديد الا ترسيخا لدور المؤسسة العسكرية. عرفت القيادة العسكرية في ظل بن جديد تغييرات لم تمس جوهر المؤسسة أو دورها.. عرفت صعود عناصر جديدة رقاها الشاذلي بن جديد لدرجة لواء أمثال العربي بلخير وخالد نزار. أظهرت أحداث اكتوبر 1988 ان المؤسسة العسكرية فاعل أساسي, وعلى رغم المد الديمقراطي المتسارع الممتد من الفترة 23 فبراير 1989 التي تصادف تبني دستور جديد يقر بالتعددية السياسية الى 26 ديسمبر 1991 تاريخ تنظيم الدور الأول للانتخابات التشريعية فإن الجيش تدخل بقوة في 11 يناير 1992 لايقاف المسلسل الانتخابي بدعوى الحفاظ على تماسك الأمة وسلامتها. ظل الجيش فاعلا في عهد محمد بوضياف.. كان هذا الأخير يروم اجراء تعديلات جوهرية ويسعى الى خلق تجمع وطني يشكل ثقلا مضادا لثقل المؤسسة العسكرية لكن مقتله أجهض في المهد هذا المشروع.. ورغم ان الرئيس زروال ينتمي للمؤسسة العسكرية, فإن هامش حركيته ظل مرتبطا بثقل المؤسسة العسكرية ودعاة الاستئصال فيها ولم يستطع ان يجسد دعوته الى التصالح والى الحوار. هل معنى هذا ان الجيش سيظل فاعلا مؤثرا أو ما يسميه المحلل الجزائري لهواري عدي بحزب مهيمن فعلي؟ سبع سنوات من حرب أهلية خلفت جراحات عميقة داخل المجتمع الجزائري وتغييرات في المؤسسة العسكرية انعكست على تماسكها.. فليس هناك مرشح من الجيش وإن كان هناك مرشحون قريبون منه. ومن شأن هذا المعطى ان يؤثر على دوره وهو ما عبر عنه الرئيس اليمين زروال في 12 فبراير بضرورة حياد الجيش وصد كل محاولة تغيير الانتخابات من مجراها, بل ان محمد لعماري رئيس الاركان الحربية عبر عن ذات الشيء في مجلة الجيش في مقال موقع من طرفه يقول فيه بأن الانتخابات الرئاسية ليست مسألة الجيش وإنما تهم بالدرجة الأولى الاحزاب. لقد استطاع الجيش ان يستأصل الحركات المسلحة ويحد من العنف, لكن هذا المكسب على الأرض ينطوي على فقد بريق الجيش المستمد من شرعيته التاريخية.. لم تعد الشرعية التاريخية تكفي والمعول في هذا التحول الذي تؤشر له انتخابات 15 ابريل هو الشرعية الشعبية.. ان الانتخابات المقبلة تغلق القوس الذي فتحته هيمنة جيش الحدود منذ سنة 1958 وايديولوجية الاحادية, فالمرشحون ذوو الوزن الثقيل يرمزون الى ابعاد الجزائر. بوتفليقة يرمز الى البعد القومي, الطالب الابراهيمي الى البعد العربي الاسلامي, آيت أحمد الى البعد الامازيغي, مولود حمروش يرمز الى المعادلة التكنوقراطية لحل الأزمة, ومن شأن رئيس الجزائر المقبل ان يصهر هذه الأبعاد المكونة للهوية الجزائرية دون ان يغفل المقاربة التكنوقراطية لمعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية. مدير مركز طارق بن زياد للدراسات والابحاث ــ المغرب