توقفت في المقال السابق عند طبيعة ازمة العلاقات العامة في الوطن العربي والى اي مدى يمكن فهمها في ضوء متغيرات مجتمعية كلية اكثر من كونها مؤثرات نابعة من البيئة الداخلية للمنظمات فالعلاقات العامة وليدة التفاعل بين المتغيرات الآتية : 1 ـ تاريخ الممارسة اذ يصعب مقارنة مستوى الاداء والاحتراف لمهنة العلاقات العامة في مجتمعات بدأت ممارسة المهنة منذ 10 سنوات او 20 سنة بمجتمعات اخرى وصلت الى درجة النضج والاستقرار المهني نتيجة للعمق الزمني, فالاعتراف بالمهنة والعاملين بها مرتبط الى حد كبير بكفاح انصار المهنة من اجل اثبات ذاتهم, وهنا يرى البعض بأن العلاقات العامة ولدت في الولايات المتحدة الامريكية وانها مرتبطة بالقيم والنظم الامريكية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفقا لهذا التصور قد نجد تفسيرا لازمة العلاقات العامة في الوطن العربي, في الوقت نفسه فإن هذا البعد الزمني يبعث على التفاؤل والامل لامكانية تطور هذه المهنة في المستقبل القريب. 2 ـ السياق السياسي والقانوني: فالعلاقات العامة انعكاس طبيعي للنظام السياسي والقانوني السائد في المجتمع فحيث تسود الحريات السياسية تزدهر المهنة وتستقر ففي الولايات المتحدة تأثرت العلاقات العامة في ممارساتها بقيم الحرية التي تبنتها الصحافة ومنحها اياها الدستور منذ عام 1913 وفي اليابان ترتبط العلاقات العامة بالاقتصاد اكثر من ارتباطها بالحكومة وفي العالم العربي بدأت العلاقات العامة مرتبطة بالاجهزة الحكومية ولعل هذا يفسر الطابع الدعائي للمهنة, فالحكومات نظرت الى العلاقات العامة كأداة للدعاية لسياستها وافكارها بين الجماهير وهذا في حد ذاته ليس شرا كله ولكن وجه الضرر فيه هو الابتعاد عن الصدق والصراحة في التعامل مع الجماهير الامر الذي انعكس على مستوى الثقة في المهنة. 3 ـ اتجاه الادارة العليا وفلسفتها في العمل الاداري: ولنا ان تستطلع نتائج بعض الدراسات العلمية في هذا المجال لتؤكد لنا ان الاغلبية الساحقة من العاملين في الادارة العليا في العالم العربي ينظرون الى العلاقات العامة باعتبارها من الاعمال التكميلية غير الاصلية, بعبارة اوضح لايجدون مبررا حقيقيا لوجودها داخل دائرة صنع القرار في المنظمة, بل ان البعض قد ينظر اليها باعتبارها احد المعوقات الادارية. 4 ــ الرؤية الاستراتيجية في التعامل مع الجماهير فبناء جسور الثقة والتفاهم المتبادل بين المنظمات وجماهيرها لا يتحققان بين يوم وليلة كما انهما انعكاس للافعال بدرجة أعلى من ارتباطها بعالم الاقوال, العلاقات العامة على هذا النحو ليست إلا تطبيقا عمليا للمسؤولية الاجتماعية للمنظمة التي تنتمي اليها فالمنظمة في التحليل الاخير ليست إلا مواطن مسؤول تجاه المجتمع وفق ثلاثة مستويات من الاداء الاول هو تقديم منتج او خدمة عالية الجودة تشبع الاحتياجات الحقيقية والمستوى الثاني هو مواجهة الآثار السلبية الناتجة عن مباشرة عمليات الانتاج والتسويق والمستوى الثالث هو المساهمة في الارتقاء بمستوى الحياة الاجتماعية عموما, والعلاقات العامة هي الآلية التي تساعد المنظمة لمباشرة مسؤولياتها الاجتماعية في هذه المستويات الثلاث. 5 ـ اخلاقيات ممارسة المهنة ويبدو ان قضية الاخلاقيات ذات بعد عالمي اكثر منه عربي الطابع لدرجة ان جمعية العلاقات العامة الامريكية PRSA وهي اكبر جمعية تضم المهنيين في العلاقات العامة في العالم منزعجة من تدني مستوى الاخلاق في ممارسة هذه المهنة مما جعلها تجري بحثا لاستقصاء اسباب الانحراف عن الاداء الاخلاقي والمهني في ممارسة العلاقات العامة منذ بداية هذا الشهر وفيه تحاول التعرف على مدى الالتزام الاخلاقي لدى رجال العلاقات العامة ومرجعية هذا الالتزام وهو هاجس عالمي عربي في نفس الوقت وربما كان من المناسب ان اتوجه للعاملين في العلاقات العامة بالتساؤلات الآتية: ! ما هو موقفك في حالة تعارض مصلحة العمل مع حق الجماهير في المعرفة؟ * ما هو موقفك ازاء نشر الحقائق التي يمكن ان تؤثر على مستقبلك الوظيفي؟ *ما هو موقفك في حالة تعمد الادارة العليا تضليل جماهيرها؟ * ما موقفك اذا اكتشفت انك نشرت معلومات خطأ.. هل تراجع نفسك؟ * ما الفئة التي تشعر نحوها بالالتزام الاخلاقي اكثر من غيرها؟ الادارة العليا, المهنة المستهلكين ام الحكومة؟ * ما نوع العلاقة السائدة بينك وبين الصحفي الذي تتعامل معه تعاون, صراع, مناورة, صدق, كذب؟ * هل تشعر بالفخر بانتمائك لهذه المهنة؟ العلاقات العامة والعولمة: ان اكثر ما يلفت الانتباه من ظواهر العولمة المدى الذي بلغته الثقافة الشعبية الامريكية من الانتشار والسيطرة على اذواق الناس في العالم فعلى الرغم من ان الثقافة تنمو لتلبي احتياجات محلية إلا انه في ظل العولمة ذهبت الولايات المتحدة لتسويق انتاجها عبر وسائل الاعلام الالكترونية لمجتمعات العالم قاطبة, ومنها عالمنا العربي الذي يبدو انه لم يميز كثيرا بين الجانب المادي والمعنوي للثقافة ان خلاصة القول هو ان الاستقرار الاجتماعي وثيق الصلة بهذا الزحف الثقافي الغريب على اصول وثوابت هذا المجتمع خاصة بين قطاعات الشباب مما يحتم استخدام وتوظيف العلاقات العامة لمواجهة التأثيرات السلبية للثقافة المتدنية على مستوى الاسرة والفرد والجماعة والاخلاق.. الخ. لقد كان الاستعمار التقليدي قديما يستفز المجتمعات المغلوبة على امرها لمقاومته اما الاستعمار الثقافي الجارف للعولمة فهو لا يستثير الشعوب لمقاومته كما ان الدول ذاتها تمارس دور المساعد لهذا التغلغل الثقافي وقد لا يدرك الكثير ان مشكلات التفكيك الاسري والتحلل الاخلاقي واندثار القيم الاجتماعية الاصيلة وسيادة قيم الاستهلاك والاتكال والفوضى ليست إلا نتائج على الاقل جزئيا لهذا الجانب من العولمة, وفي ظل هذا التغير الثقافي والاجتماعي تمثل العلاقات العامة ضرورة لا غنى عنها لتشخيص هذه الظواهر والتنبؤ بآثارها على المدى القصير والطويل, وتصميم برامج اتصالية الهدف منها خلق القناعة لدى مجتمعاتنا بضرورة التمسك بالذات والمحافظة على الهوية ونبذ كل ما هو غريب من ثقافات الشعوب الاخرى والاهم هو احداث التكيف والتفاهم المشترك بين قطاعات اصبحت الفجوة بينها ثقافيا تكاد تهدد استقرار مجتمعاتنا. تسويق الافكار: لعل احد مداخل تفسير ازمة العلاقات العامة في الوطن العربي هو استخدامها لتسويق المنتجات والخدمات ومن ثم جاء انتماؤها الى ادارة الاعلان او التسويق في المنظمات, الواقع ان مهمة العلاقات العامة اكبر واعقد من ذلك, انها تسويق الافكار سواء كانت سياسية او اجتماعية او اقتصادية او فلسفية وهي تعمل لخلق بيئة مناسبة وعلاقات سوية بين المنظمة وجماهيرها, ان تدشين فكرة النظام الدولي الجديد جاء من خلال ممارسات علاقات عامة دولية من قبل الولايات المتحدة الامريكية ولكن الفكرة لا تزال تلقى مقاومة وعدم اعتراف حقيقي من جانب المجتمع الدولي لانها تعكس تصورا امريكيا لمستقبل العالم, ونفس الشىء ينطبق على المحاولات المتتالية التي تمهد لضربات الولايات المتحدة للعراق لتسويق فكرة المحافظة على السلم والامن الدوليين. ما اود ان انتهى اليه ان العلاقات العامة لا تتعامل مع عالم الاشياء ولكن مع عالم الافكار المهم ان يمثل رجال العلاقات العامة كلا الطرفين صاحب الفكرة والجماهير المستهدفة منها تمثيلا صادقا. استاذ بقسم الاتصال الجماهيري جامعة الامارات