من يراقب التطورات السياسية الأخيرة على الساحة الاوروبية, سواء على مستوى الحكومات المحلية في كل دولة على حدة من دول الاتحاد الاوروبي, أو على مستوى الحكومة الاوروبية المركزية التي يطلقون عليها اسم (اللجنة الاوروبية) يرى العجب العجاب , فقد توقفت عجلة العمل خلال الأشهر الأخيرة في تلك اللجنة تحت ادعاء ان أعضاءها فاسدون ومرتشون وينشرون هذا الفساد على المستوى الأوروبي جميعه, ولابد من التخلص من بعض أعضائها, وتم تحديد عدد من الأعضاء البارزين في اللجنة الأوروبية وعلى رأسهم الاسباني مانويل مارين الذي يتولى منصب نائب الرئيس عن المجموعة الاشتراكية في البرلمان الاتحادي, والعضوة الفرنسية أديث جريسون المسؤولة عن التعليم. الزوبعة التي تابعت التحقيقات التي جرت في فساد أعضاء تلك اللجنة كانت كافية لاسقاط أية حكومة, واستقالة هذه اللجنة احتجاجا على اتهامها بالفساد, ولكن يبدو ان الذين يتهمون تلك اللجنة بالفساد كانوا يفعلون ذلك على استحياء, لأن الاستقالة جاءت متأخرة لتؤكد ان قضايا الفساد والرشوة لم تعد تخلو منها أية دائرة قضائية في أي بلد أوروبي من الدول الأعضاء في الاتحاد, بل والدول التي تنتظر الانضمام الى عضوية هذا الاتحاد, حتى أصبح القضاة مشغولين بقضايا فساد الحكومة والمعارضة والاحزاب أكثر من انشغالهم بقضايا الناس من العامة. وربما كان هذا هو الدافع الى ان تقوم بعض الحكومات اليمينية مثلا بالدفاع عن أعضاء اشتراكيين في اللجنة الأوروبية, وتحاول ان تعلن براءة ساحتهم حتى قبل ان يتم اعلان الاتهام في عريضة رسمية ضدهم, وهذا حدث في اسبانيا, حيث قامت حكومة رئيس الوزراء اليميني خوسيه ماريا أزنار بالدفاع عن نائب رئيس اللجنة الاوروبية مانويل مارين الاشتراكي, وراء هذا الدفاع غير المسبوق من جانب اليمين الاسباني كانت هناك مصالح خاصة بأسبانيا نفسها كدولة. حزب رئيس الوزراء خوسيه ماريا أزنار غارق الآن حتى أذنيه في العديد من قضايا الفساد, بعضها قديم قدم نشأة الديمقراطية الاسبانية نفسها قبل عشرين عاما, وبعضها الآخر نتج عن ممارسة الحكم الذي وصل اليه الحزب قبل سنوات ثلاث فقط, وكان الفساد والرشوة من طبيعة الحكم, وهذه هي المأساة الحقيقية, وليست مأساة ان يتم اكتشاف فساد في اللجنة الأوروبية. الفساد أصبح من طبيعة الحكم الديمقراطي في أوروبا, الحزب اليميني الحاكم في اسبانيا وصل الى الحكم قبل ثلاث سنوات على العديد من جثث الفساد في الحزب الاشتراكي الذي حكم لفترة تزيد على ثلاث عشرة سنة كاملة, خلف فيها العديد من قضايا الفساد, حتى أصبح الناخب اليساري حائرا ما بين التصويت لصالح اليمين, الذي يرى فيه وجه الماضي الدكتاتوري الذي عاشه في ظل الجنرال فرانكو لما يقرب من أربعين عاما, كانت خلالها اسبانيا في المرتبة السفلى في أوروبا, وما بين حزب اشتراكي ليس فيه من مبادىء الاشتراكية سوى الاسم. لكن ثلاث سنوات كانت كافية ليكتشف الناخب الاسباني انه أمام سرطان اسمه (فساد الديمقراطية) , وان هذا السرطان مرض ديمقراطي لا علاقة له بألوان الاحزاب, لأن الحزب اليميني الذي وصل الحكم تحت راية رئيس الوزراء خوسيه ماريا وقف في البرلمان يرد على سؤال حول القضايا التي يعالجها القضاء, ومتهم فيها عدد كبير من أعضاء حزبه بعضهم أعضاء في الحكومة التي يرأسها, فاذا به يقول ان الفساد في حزبه وحكومته لم يصل بعد الى مستوى الفساد الذي كان في الحكومة الاشتراكية السابقة, وانه سيعمل على ألا يتخطى مستوى الفساد في حكومته مستوى الفساد الذي أسقط الحكومة الاشتراكية لتحل حكومته محلها (؟!) أما المصالح العامة التي كانت وراء دفاع الحكومة الاسبانية اليمينية عن عضو المجلس الاوروبي الاشتراكي تكمن في الخلافات التي جرت خلال الأشهر الاخيرة حول المساعدات الأوروبية لبعض قطاعات الانتاج الزراعي كالزيت واللبن, لأنه في رأيها وجود نائب الرئيس مانويل مارين ضمانة لحصول اسبانيا على نصيبها الذي تطالب به, لأنه عند التصويت على الاموال لن يصوت استجابة لأيديولوجيته الاشتراكية في مواجهة مطالب لحكومة يمينية, بل سيكون تصويته تأدية لواجب وطني, فالرابح في النهاية بلاده اسبانيا بغض النظر عن الحزب الحاكم, بل محافظة وطنية بحتة. لذلك فإن الحديث عن فساد اللجنة الاوروبية التي تعتبر الحكومة المركزية للاتحاد الأوروبي أمر غريب من جانب حكومات تمارس الفساد على مستوى الحكم في بلادها, بل ان فسادها لم يعد قاصرا على ادارة دفة الحكم محليا في بلادها فقط, وتعداه في ادارة الاموال الاتحادية التي تحصل عليها تلك الحكومات من جانب الاتحاد الاوروبي, وهي أموال ضخمة مقارنة بحجم الاموال التي يشرف عليها أعضاء المجلس الأوروبي المتهم بالفساد. بل ان حجم الاموال التي يتصرف فيها أعضاء اللجنة الاوروبية لا يكاد يساوي 15% من مجموع ميزانية الاتحاد, بينما تشرف الحكومات المختلفة على صرف 85% من تلك الميزانية. وتبين ايضا ان للجنة التحقيق التي تبحث في فساد أعضاء المجلس الأوروبي ان عدد قضايا الفساد التي ارتكبها هؤلاء لا تكاد تساوي 09.0% من حجم الفساد الذي تمارسه الحكومات المختلفة في ادارتها لباقي ميزانية الاتحاد الاوروبي. بلغ عدد قضايا الفساد المتهم فيها أعضاء من المجلس الأوروبي 27 قضية فقط, يبلغ حجم الاموال التي تحركها عن بضعة عشرات الملايين من العملة الأوروبية (اليورو) , وفي تحديد أكثر يقول تقرير لجنة التحقيق ان الفساد يتعلق بما لا يزيد على 200 مليون يورو, مقابل 1315 قضية فساد متهم فيها أعضاء من حكومات الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي, وبعض تلك القضايا يتعلق بانفاق مبالغ ضخمة مخصصة لنواحي معينة من المساعدات مثل المساعدات الزراعية التي يصل حجمها الى حوالي ثلاثة آلاف مليون يورو. هناك من يشير الى ان الفساد ليس السبب الرئيسي وراء محاولات اقصاء بعض أعضاء مجلس الاتحاد الاتحاد الأوروبي, بل هناك أسباب سياسية غير معلنة تحاول اقصاء المجلس بكامله وليس الأعضاء الذين شملهم التحقيق, ويمكن تبين تلك الاسباب الحقيقية لو عدنا الى الوراء قليلا لوجدنا ان هناك بعض الشخصيات التي ترى ان الدور السياسي العالمي للاتحاد الاوروبي لا يساوي حجمه الحقيقي, ويطالبون بدور أوروبي أكبر في السياسة الدولية وبشكل خاص في بعض القضايا المهمة التي تكاد تكون قضايا حيوية بالنسبة لكل أعضاء الاتحاد, وعلى رأس قضايا السلام في البوسنة وكوسوفو الشرق الأوسط. من أبرز هؤلاء الأعضاء الاشتراكي مانويل مارين نائب رئيس المجلس الأوروبي, الذي أطلق في الصيف الماضي تصريحات نارية ضد الدور الأمريكي في هذه القضايا, وبشكل خاص ضد الطريقة التي تعالج بها الولايات المتحدة قضية الشرق الأوسط, ووصفها بأنها بانحيازها الكامل لاسرائيل تعتبر طرفا لا تصلح للقيام بدور الوساطة في حل هذه القضية الملحة, وطالب الاتحاد الاوروبي بممارسة ضغوط أكبر لحماية مصالحه في الدول العربية بدلا من السير في ركاب العم سام. وربما كانت هذه التصريحات بداية الحديث عن فساد بعض أعضاء المجلس الأوروبي, وكثيرا ما كانت الاتهامات يتم توجيهها فقط الى مانويل مارين, الذي أعلن أكثر من مرة انه على استعداد للاستقالة من منصبه, ولكنه كان يطالب دائما باجراء تحقيق كامل شامل يشمل جميع قضايا الفساد في المجلس الأوروبي, وان تكون استقالته جزءا من استقالة اللجنة بكاملها وهو ما حصل عليه, وايضا براءته من الاتهامات الموجهة له. فقد تضمن التقرير النهائي للجنة التحقيق ان المسؤول الوحيد في المجلس الاوروبي الذي استطاع ان يقضي على الفساد في أعمال مستشاريه هو مانويل مارين, وان ملفات قضايا الفساد لم تصل الى يديه الا بعد فترة من اكتشافها بسبب تقاعس زميلته عضو المجلس (انيتا جرادين) المسؤولة عن مكافحة الفساد في أعمال المجلس الأوروبي (!), لذلك يدور التساؤل حاليا عن أسباب الاتهامات بالفساد, وهل هي حقيقة أم مجرد اثارة للشكوك لاجبار من كشف العجز السياسي لأوروبا في معالجة بعض القضايا الدولية تاركة الأمر كله للولايات المتحدة. كاتب مصري مقيم في اسبانيا