علق كثيرون على مفهوم النخبة كمنصة انطلاق لفهم معطيات الواقع السياسي والاجتماعي العربي. بينما يرفضه كثيرون لانه يحجب الرؤية عن المجال الفسيح وشديد الثراء للعلاقات والفعاليات الاجتماعية. ثم انهم يرفضون ثانية لان الانطلاق منه لفهم واستطلاع مفاتيح المستقبل ينطوي على قبول ضمني لنظرية العالم الايطالي موسكا الذي صاغ ما يسميه بالقانون الحديدي للنخبة. وتقول هذه النظرية ان الحكم والسلطة يمارسان في نهاية المطاف, حتى في اشد المجتمعات ديمقراطية, عن طريق جماعة محدودة العدد من الناس, هم الذين يملكون مهارات السياسة ومعارف الثقافة ومداخل الاقتصاد, ويحكمون سيطرتهم عليها جميعا بغض النظر عن الانتخابات. هذا المنطق يقبله ايضا كثيرون, ويعكفون على استعماله للوصول الى حكم على كل شيء في المجتمع والدولة, لانه يفسر لديهم استمرارية السياسات رغم تغير الحكومات, ولانهم يعتقدون ان النخب هي التي تسيطر على المجتمع وتحدد مساره, وان نجاح الامم او فشلها يمكن تفسيره بطبيعة وافكار النخبة وتوجهاتها ومواهبها او افتقارها للمواهب. دور النخب والواقع اننا نستطيع بالفعل ان نستنبط بعض قوانين الواقع الحاضر وان نستقرىء بعض اتجاهات المستقبل ببحث ورصد طبيعة النخب السائدة فيه, اذا حرصنا على تجنب المبالغات على جانبي المناظرة حول دور النخبة في الحياة السياسية والاجتماعية عامة. فالنخب السياسية والثقافية والاقتصادية تقوم بالفعل بدور جوهري في تقرير مصير الامم, ولكنها تعكس هي ذاتها ميراث هذه الامم في مختلف الميادين, كما تلخص خصائص التكوين الطبقي, والهيكل السياسي والمعطيات الكبرى للوضع والمكانة الاقتصادية للمجتمع في السياق العالمي. وبوسعنا ايضا ان نحرر انفسنا من ذهنية الحتميات التي يمثل قانون (موسكا) الشهير احد تجلياتها. ففي مقابل نخبة السلطة القائمة قد تكون هناك نخبة مضادة, تطرح افكارا وتوجهات قد تؤدي الى اقتلاع النخبة القائمة وتصفية سلطتها ووراثة ادوارها. وفيما بين النخبة والنخبة المضادة, هناك المجتمع المدني الواسع, وهو جدير بالاستطلاع والتعرف عليه عن كثب, وفوق ذلك كله, جدير بالقارىء ان يعود نفسه على تقييم كل استنتاج كفكرة نسبية, وكقراءة ممكنة جائزة بدرجة وقد تكون مقيدة بدرجات. وانه ليس هناك حقيقة مطلقة او نظرية او حكم صائب كلية. فليس بيد احد - حتى اعظم المفكرين قاطبة - مفاتيح فك الغاز التاريخ ولا العبور في الانفاق التحتية للواقع ولا تبسيط التباساته في حكم قطعي او قراءة نهائية, حتى لو كانت الانطباعات العامة غير ذلك. وحيث اننا طرحنا قضية الانطباعات العامة, فلاشك انها فاعلة جدا عندما نأتي لقراءة الواقع الاجتماعي والسياسي العربي. اذ تكاد الانطباعات العامة بين المثقفين والمواطنين العرب على السواء تصل بنا الى حافة اليأس من الواقع والمستقبل على السواء. وقد نلخص تلك الانطباعات في حكم يصرح به او يضمره اكثرية الناس, وهو ان النخب العربية قد فشلت في قيادة الامة لتحقيق آمالها الكبيرة وترجمة اشواقها العارمة, واهدافها الجوهرية, وان هذا الفشل قد انتهى الى (اصطلاح ومصالحة مع العجز) يقبل بالامر الواقع, ويترك للاقدار وللقوى الكبرى والتيارات العاصفة في السياسة الكوكبية تقدير مصيرنا العربي. لقد انتهى عصر الاحلام الكبيرة, واخذت النخب العربية في التعاطي مع واقعنا ومستقبلنا من منظور واقعية سوقية تعتزم امكاناتنا, وتحبس قدراتنا بين (ممكن هزيل) وواقع عليل. الواقع الاقتصادي قد لايحتاج الامر الى الاكثار في بسط الادلة على فشل النخبة في قيادة الامة الى اهدافها الكبرى, اذ ان تلك الاهداف محبطة بل ووصل الواقع العربي الى محطات معاكسة لهذه الاهداف, فبدلا من تحقيق شعار الوحدة العربية, لم نكتف بالانقسام بل ذهبنا الى ماهو ابعد من ذلك اذ نجد انفسنا مشاركين في تدمير دولة عربية بعد الاخرى بأيدينا المتشابكة مع ايدي خصومنا التاريخيين, وبدلا من شعار (تحرير فلسطين من النهر الى البحر) نجد انفسنا وقد حصدنا آمالنا في النضال من اجل دولة قزمية محكوم عليها بالعيش في ظل هيمنة اسرائيل, وحتى هذا لم نطله بعد. وبدلا من التحرر الاقتصادي كضمان للتحرر السياسي القطري والقومي الجماعي, اهدونا مواردنا لتغذية دولاب التبعية, ولتنمية اقتصادات الاغنياء الذين يستثمرون تخلفنا وربما يضاعفونه ويتحالفون مع خصومنا. وفي الطريق الى تعميق وشائج التبعية, خسرنا حلفاءنا التاريخيين في الخريطة العالمية واضطررنا لقبول اطر دولية اقتصادية مجحفة بل ان من سخريات موقعنا الراهن ان يطلب منا الضباع في النظام الدولي ان نتكتل معا لكي نفاوضهم في شراكة اقتصادية, فنفشل حتى في ذلك. واذا استطلعنا واقعنا الاقتصادي فسنجد انكماشا في متحصلاتنا من الصادرات بسبب انهيار اسعار النفط الذي بالغنا في الاعتماد عليه فاضمحلت قدراتنا التنافسية في مجال الصناعة والخدمات الحديثة, وبالتالي صرنا اسرى اقتصاد ريعي لم يعد يضمن لنا حاجاتنا الاستيرادية التي تضاعفت هي الاخرى بسبب قيام صناعاتنا واقتصادنا كله على الاستيراد وفي النهاية اصبحنا نعاني من فجوة غذائية هائلة ومتزايدة ومن عجز مستديم في الموازين التجارية, وضعف شديد في معدلات الادخار المحلي, وارتهان مستقبلنا الاقتصادي بالتالي على نمو الاستثمارات الاجنبية, وزيادة المتاح من الموارد الخارجية. وكحصيلة لذلك كله افقدنا ـ كعرب فرادى ومجتمعين قدرتنا وحقنا في تقرير مصيرنا الاقتصادي, واصبحنا نرسم سياساتنا الاقتصادية وفقا لتعليمات المؤسسات الاقتصادية الدولية التي تأخذ اوامرها بدورها من المراكز المهيمنة على النظام العالمي, صحيح ادت (الاصلاحات الاقتصادية) التي تمت في عقد التسعينات في الغالبية الساحقة من الاقطار العربية الى تحسن جزئي في الوضع الاقتصادي, اذ استأنفت عدة دول عربية النمو بعد فترة طويلة من الانكماش او الركود, وهدأت موجة التضخم التي عصفت باقتصاداتنا في السبعينات والثمانينات واستردت بعض الدول العربية سلامتها المالية, واستقرت العملات العربية الكبيرة التي كانت تتآكل بسرعة في العقدين الماضيين ولكن هذه المظاهر كلها ليست دليلا سوى على تحسن سطحي لايصحح الاختلالات الاقتصادية الكبرى. ولذلك كله فإن العالم العربي كله كان اقل مناطق العالم نموا في العقد الحالي, باستثناء افريقيا جنوب الصحراء والاهم هو ان (الاصلاح الاقتصادي) قد اخذ يطعن في اهم مقومات النمو والانطلاق لدى اي مجتمع وهو قوته البشرية فقد تم تصحيح الاختلالات المالية والنقدية عن طريق دفع ضريبة تتمثل في اختلالات اشد في الهيكل المهاري لقدرة العمل, ومعدلات نمو التعليم والتدريب والخدمات الصحية والثقافية الى جانب تصفية قطاع لابأس به من الصناعة والخدمات. تحقيق الانطلاق ان المستقبل الاقتصادي يمكن تلخيصه في امكانية او استحالة تحقيق ما يسميه الاقتصاديون بالانطلاق الذي يؤدي الى الخروج من فلك التخلف, والانطلاق يتطلب معدل نمو يصل الى 7% سنويا على الاقل لفترة عقد كامل او اكثر من الزمن, وليست هناك دولة عربية واحدة قادرة على تحقيق هذا المعدل في المستقبل المنظور بامكانياتها الذاتية ويعني ذلك ان التخلف سيتواصل في بلادنا لفترة من الزمن, دون امل موضوعي في القطيعة النهائية معه, في الامد القريب. هل هناك ماهو اصدق من هذه المؤشرات الموضوعية والتي نستطيع ان نضيف اليها الكثير في المجالين الاجتماعي والثقافي لفشل النخب في الوطن العربي؟ أليس جديرا بنا ان نبحث في خصائص النخب هذه لكي نعرف اسباب الفشل, بدلا من طرح سؤال يعطينا شيئا من الامل في التطويق مع التخلف, دون اساس مما هو متاح لدينا من مؤشرات. النخب العربية الماثلة الان بدأت بطموحات كبيرة, واذا اخذنا فقط بتلك النخب التي جاءت من رحم الطبقة الوسطى وامتطت صهوة السلطة في مقتبل الخمسينات او بعدها بقليل, لكان من الواضح ان ثوراتها وانقلاباتها كانت تنطوي على نقد مرير للواقع, وان رغبتها في وراثة سلطة الاستعمار كانت مدفوعة بمشروع نهضوي عملاق, وفي لحظة ما ربما نعزوها الى هزيمة عام 1967 فقدت هذه النخب شجاعتها وخسرت احلامها ومرغت مشروعها النهضوي في الوحل وغسلت ايديها منه, واخذت في تبني فكر وآراء خصومها السابقين الى درجة تقمص ثقافتهم وتبني ايديولوجياتهم. وبالمقارنة بغيرها من النخب في مناطق أخرى من العالم, فالنخب العربية لا تملك مهارة التواصل مع شعوبها مثل زميلاتها في الدول الديمقراطية الغربية, ولا مهارة تأسيس وإدارة الدول مثل زميلاتها في عديد من دول العالم الجديد, ولا مهارة بناء وتنمية وإدارة الاقتصاد مثل زميلاتها في دول جنود شرق آسيا. تسليم مؤقت لقد سلمنا بتلك الاحكام المطلقة وربما الظالمة, فقط بصورة مؤقته حتى نبسط أمام القارىء المقولات الاساسية للمنظور النقدي الراديكالي. والان جاء أوان التأكيد على أن كل تلك الأحكام فيها الكثير من الاجحاف, ويجب ان نوضح حدود مصداقيتها بكشف نسبيتها التاريخية. فالخمسون عاما الماضية لم تكن كلها فشلاً ومظالم ومثالب وخيبة رجاء وهزائم. فنصف قرن هو برهة قصيرة في التاريخ الممتد, وقد تحقق الكثير في غضون هذه الفترة. لقد انتقلت بلاد عربية بأسرها من البداوة الاقتصادية الى حافة الحداثة, وتطورت هياكل الدولة حيثما كانت بسيطة التكوين الى درجة البدائية في عديد من الأفكار, وفي حالات معينة, نجد هذه الهياكل تزخر بالمواهب والخبرات الحديثة التي تلقت تعليما رفيعا والتي تطبق بعض أفضل إنجازات العلم الحديث في إدارة شؤون البلاد. وبينما كان الاقتصاد يدار بصورة جزافية, ودون أدنى دراية بأصوله وقواعده, تكونت شرعية لا بأس بها من المهنيين أخذت في علاج عشوائية الماضي وآثارها خلال المرحلة الماضية, وربما تنجح في المراحل التالية من الاصلاح والتطوير. ورغم أن الخدمات التعليمية والصحية أخذت في التراضي في عديد من الدول, فإن المؤشرات النهائية للخدمة الصحية والتعليمية في تحسن مطرد, في جميع الدول العربية تقريبا. وكان عقدا السبعينات والثمانينات قد شهدا انفجارا وتوسعا ملحوظا في مستويات الاستيعاب في المدارس وإدخال التقنيات الحديثة للوقاية والعلاج. ورغم إنهيار الدخل النفطي منذ عام ,1986 فثمة تحسن ملحوظ في مستويات الانتاجية, ويتحقق قدر ملحوظ من النمو الاقتصادي عن طريق نمو الإنتاجية الكلية بالمقارنة مع دور الاستثمارات الجديدة, وهو ما يعكس كفاءة اكبر في الادارة الاقتصادية. مواجهة التحديات وعلى المستوى الخارجي, فقد عانى العرب من هزائم متواصلة, غير أنه يجب أن ننظر لهذه الحقيقة في منظورها التاريخي, فقد حارب العرب أو ناضلوا ضد قوى أكثر حداثة وأشد بأساً تستند على نفوذ وموارد وقدرات الدولة الأعظم, والتي صارت القطب الوحيد في العالم. ثم إنه رغم تلك الهزائم, فلم تنطفىء شعلة المقاومة, ولم يصبنا الإنهيار الذي وقع لأمم أخرى في ظروف هزائم مشابهة, أو حتى ــ مثلما حدث للاتحاد السوفييتي السابق ــ دون هزائم عسكرية أصلا. فلا يمكن الحكم على أداء, وبالتالي على خصائص وخصال النخب العربية, انطلاقا من تصورات مثالية وتجريدية. فقد واجهت هذه النخب ظروفا غاية في الصعوبة, لم تكن من صنعها, وكان لابد وأن تتكيف معها, وأن تمارس مسؤولياتها على ضوئها. وعلى سبيل المثال, فإنه يجب الاعتراف بأن النخب الحاكمة العربية كانت قد أوشكت على الاعتراف بحتمية التحول الى النظام الديمقرطي, قبل أن يحدث هذا الاعتراف في الاتحاد السوفييتي, على يد جورباتشوف. وإذا كان التحول الديمقراطي قد أجهض أو اصبح مغلولا بأصفاد القيود, فقد يعود ذلك الى التحديات الملموسة التي كان من المحتمل أن تؤدي ببعض الدول العربية الى الانهيار مثلما حدث للاتحاد السوفييتي نفسه. واذا كانت النخب العربية قد فشلت في تحقيق الآمال الكبرى للأمة, فإن جانبا من هذا الفشل يجب أن يعزى لقرون من الركود والتخلف, هذا ان لم نضع في الصورة ايضا ما يتراوح بين ثلاثين عاما ومائة عام من الاستعمار الغربي الحديث. وإذا اعترفنا بأن النخب العربية قد انطبعت بكافة التشوهات الهيكلية الناشئة عن التخلف الممتد, والوقوع في براثن الهيمنة الغربية, فإنها بالمعايير النسبية لم تكن الأسوأ في الساحة العالمية, وان لم تكن بالقطع من بين النخب الافضل تكوينا من النواحي الثقافية والسياسية والمهنية. وبهذا المعنى, فإن الجانب الأساسي من التغير الذي لحق تكوين النخب العربية عبر الخمسين عاما الماضية لا يجب أن يعزى الى عيوب التكوين, بقدر ما يجب تفسيره بالاختيارات السيئة وما تقود اليه بالضرورة من ركود وتشوهات. وبالتالي, فإن المفتاح الحقيقي لبعث الحيوية في النخب العربية يتمثل في التحول الى الديمقراطية, إذ في ظل الديمقراطية, يمكن للشعوب العربية أن تتسائل وتحاسب نخبها, وتضطر هذه النخب ذاتها للتنافس للحصول على رضى المجتمع, وهو ما يدفعها للتثقف والتعلم, ويطور مهاراتها ويكسبها الحيوية والرصانة. * نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية