أغنية حب لصندوق من خشب، بقلم: د. احمد القديدي

أغنيتي لا أغنيها اليوم لصندوق النقد الدولي ولا لصندوق التنمية ولا لصندوق التعاون ولا لصندوق البريد.. بل لصندوق صغير من الخشب, صندوق وديع, طيب, رأيته يوم الاثنين الماضي الثامن من مارس 1999 في مكاتب الانتخاب وهو يستقبل وريقات الناخبين , الحرة, الكريمة, المعافاة. أغنيتي لك يا صندوق الانتخاب حتى ولو كان الانتخاب يهم البلدية مبدئيا. فأنت الذي ستحكم أيها الصندوق الخشبي المتواضع وأنت الذي ستفصح عن اسم المرشح الفائز بثقة أغلبية الناس. يا صندوق الخير والبركة والتحدي.. والمستقبل والسلام.. كم فقدناك في ليلنا البهيم فلم نر الا الهزائم والنكسات والمصائب. زلزل العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين ــ أكاد أقول القرن الماضي ــ مرتين كبيرتين: زلزل يوم الخامس من يونيو عام 1967 لأنهم أعلنوا حربا ضد عدوهم ولم يستعدوا لها, وكنت أيها الصندوق غائبا.. بل كانت الصناديق حينئذ لاتزال تحمل جثمان المرحوم سيد قطب وأصحابه وكان المستشار علي جريشة (راجع كتابه في الزنزانة) يزحف زحفا على ركبتيه وكوعيه على سلالم السجن الحربي, دامي الاطراف تلهبه سياط حمزة البسيوني وكانت السيدة الطاهرة زينب الغزالي مصفدة مقيدة يغطسون رأسها في المياه العفنة. كانت صناديق الزبالة في السجن الحربي تزخر بأظافر المعذبين وأجزاء من أجسادهم نهشتها كلاب الجلادين, ولم يكن الصندوق الخشبي الصغير معروفا لدينا, فانهزمنا ودكت طائرات العدو طائراتنا ومطاراتنا ومصانعنا وأكبادنا وأرزاقنا وكبرياءنا. والمرة الثانية حين احتل حكام العراق الكويت, فتحت أمام العرب أبواب جحيم لانزال نصطلي بناره..وأحد أسباب الجحيم هو غياب ذلك الصندوق, وتعويضه بالصور والرسوم للقائد الملهم تملأ الساحات والشوارع والمكاتب والمخازن والمطابع والشاشات. أما أعداؤنا وخصومنا والمتربصون بنا, فلم يتخلوا عن الصندوق الخشبي الرائع, هم بالعكس يزينون لنا الاستبداد ويمارسون الحريات, يبنون في بلدانهم المدارس ويساعدوننا على بناء السجون, يكرمون علماءهم ويحضوننا على تشريد عقولنا, يفتحون أبواب التعبير الحر على مصراعيها لديهم ويصفقون لنا اذا حجرنا على الفكر وصادرنا الحق وقمعنا الحرية. عاش محمد مهدي الجواهري أكبر شاعر عربي في هذا العصر بعيدا عن وطنه, وتوفاه الله بعيدا عن وطنه.. يا له من خزي! وأمثال الجواهري كثيرون.. عبدالوهاب البياتي ومئات أمثاله, رأيتهم في عواصم أوروبا وعلى أرصفتها الباردة وفي مقاهيها المكتظة يتحدثون بحماس المغتربين وبخوف الهاربين من حتمية الصندوق السحري يعم أوطاننا من المحيط الى الخليج, ويحتل المساحة التي تشغلها القيود والسكاكين والارهاب والعنف والصمت والهمس والتصفيق والتلفيق والنعيق والنقيق.. والتضييق. رأيتهم يحلمون ويهيمون, وقد تحول بعضهم الى بائع خضار وبعضهم الى عامل في حظيرة بناء وبعضهم الى نزيل مستشفى على حساب صندوق التضامن والرحمة التابع للصليب الاحمر! ما كان أروعك أيها الصندوق الخشبي يوم الاثنين الماضي, وما كان أروعك حين حرر الطلبة اللبنانيون أرنون بفضلك أنت. لأنك وحدك سمحت لشعب لبنان بأن يصوت ويعبر, فأفرز مجاهدين ومقاومين أجبروا المحتل الغاشم على التراجع والاعتراف بالهزيمة. فأنت أيها الصندوق وراء تحرير أرنون وتحرير العقول وتنوير الضمائر وشحذ العزائم وصنع التاريخ. فبوركت يد صنعتك ووفرتك وكرمت بني آدم من خلالك وبورك شعب يستشار في أمره ويشرك في اقرار مصيره تنفيذا لارادة الله سبحانه وهو أعلم بخلقه. أيها الصندوق الخشبي الجميل البسيط, لم يبالغ العالم الاجتماعي (باول كيندي) حين قال عنك انك أخطر وأقوى سلاح لو اهتدى اليك العرب لعثروا على مفتاح القوة والتقدم.. وتحرير الأرض والوحدة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات