ولا عيب في ان نجلس في مقاعد المتعلم،نثقف ابداعات العصر وعلومه. بل العيب،ان يكتفي البعض منا بالجلوس في مقاعد،القرود.. يقلدون بغير وعي ..!! لاننا نعيش في عالم القطب الواحد.. ولان هذا القطب الواحد اسمه أمريكا.. ولان ثقافة هذا القطب الامريكي أو فلنقل اساليب حياته وانماط تفكيره, ومنتوجات مجتمعه باتت بالسلب أو الايجاب مؤثرة, غاية التأثير على اساليب حياتنا وانماط تفكيرنا ـ فلا مناص من مداومة الرصد والانشغال بما يدور بين طيات وتلافيف هذا القطب الامريكي, فضلا عن محاولة استيضاح الوجوه المتعددة التي تطل بها امريكا على عالمها ونبادر الى القول بان التنميط في مثل هذه الاطلالة امر مرفوض موضوعيا وعلميا بمعنى صّب الشأن الامريكي في قالب نمطي جاهز ومتكرر فالشعوب ليست قوالب مرصوصة والمجتمعات لاتستقر على صورة نمطية واحدة, لاسيما اذا كانت مثل مجتمع الولايات المتحدة مائجة بالاضطراب وفوارة بالمتغيرات وماعليك الا ان تتأمل, من المنظور التاريخي المعاصر مثلا كيف تحولت امريكا, شخصيا, من كيان ضخم يعرف الناس انه موجود.. هناك ولكن لايكاد يحس بتأثيره احد, وكان ذلك بعد الحرب العظمى الأولى, وظل الامر كذلك حتى اواخر الثلاثينات, وبعدها ـ مع بدايات الاربعينات ـ دخلت امريكا ـ روزفلت ـ في بؤرة الاهتمام وفي دائرة الضوء ـ وخرجت امريكا ترومان مع مطلع الخمسينات محورا جوهريا في محالفة الغرب, بل كانت القطب الأول في معدالة العالم الثنائي القطبين الاشتراكي والرأسمالي, ولم تمض سوى عقود أربعة, وهي لمحات خاطفة في عمر كوكبنا, حتى تحولت امريكا وبصرف النظر عن رأينا في هذا التحول, وعن مصالحنا من خلاله, لتصبح هي القطب الاوحد في هذه المرحلة التي نعيشها من غروب القرن العشرين. واذا رفضنا منطق القولبة والتنميط, وهو ما تطالب امريكا نفسها باتباعه وهي تطل على قضايانا وعلى ابعاد شخصيتنا وهوياتنا في الشرق الاوسط, جاز لنا ان نقول بوجوه متعددة وجوانب شتى في هذا الشأن الامريكي قد نلخصها في جانبين اساسيين: هناك امريكا الروك والبوب والجينز والهامبورجر والراب والصخب الشديد ومايكل جاكسون وشعار لا شيء يهم.. وهذه هي امريكا التي لا تلزم لنا ولا نحتاجها لا من حيث مخططات التنمية ولامن حيث تطور الوعي وترقية المعرفة وهي من الزم ما يكون لشعوبنا بقدر ما ان هناك على الضفة الاخرى من الظاهرة جانب اكثر اضاءة واجدى فائدة هو امريكا الابداع والاستثمار الطائل في اكتشاف المجهول في دنيا العلاج وعالم الطب واجواز الفضاء ومكافحة ادواء البيئة الى غير ذلك مما ينفع الناس ويجهد كي يوفر لكوكبنا قدرا من عافية وصحة وامن وسلامة. هناك اعلام امريكا القائم على الاثارة وغير المتورع عن اجتياز كل الخطوط الحمراء الى حيث لعبة الجنس واسترخاص عرض الجسد البشري وطرح المرأة سلعة في سوق نخاسة مستحدثة ومزوقة بألوان الطيف وتجاهل ما فرضته نواميس الاخلاق والتعاليم السماوية كانت ارقى وضعية من احترام وتكريس مؤسسة الاسرة والوالدية وكرامة الانسان من حيث هو انسان. اعلام مسؤول وهناك في الجانب المقابل اعلام امريكي مسؤول ولا شك يعرف ــ الى حد كبير ــ كيف يضطلع برسالة التنوير والتثقيف والتوعية والترفيه ويسهر على عملية التدفق الحر للمعلومات ومن هذا النهر المعلوماتي الثري الفياض, لا نملك نحن في العالم الثالث الا ان نستفيد متسلحين بالضرورة بنظرة نقدية تفرز قبل ان تختار وتدرك بوعي الصادق المسبق ان كل نظام اعلامي, في اي بلد ومهما بلغ من شأو الحرفية العالية او في مضمار الموضوعية المهنية فهو انما يحقق مصالح ذلك البلد الذي يعمل فيه بالدرجة الأولى. هذه الازدواجية ولقد يبلغ تقارب هذين الجانبين في الحياة الامريكية المعاصرة مبلغ الازدواجية بمعنى ان يتواجدا معا في الظاهرة الواحدة او في القضية الواحدة بل وفي الشخص الواحد في بعض الاحيان. الا ترى مثلا الى رجل مثل الرئيس الامريكي بيل كلينتون.. فيه جانب السياسي المثقف خريج اعرق مدارس القانون في بلده (جامعة بيل) وهذا الجانب العارف المتعلم يدفع الرجل الى طرح جداول عمل امام الكونجرس فيها قدر لاسبيل الى تجاهله, بل وهو جدير بالاحترام والتقدير, من الانتصاف لبسطاء الناس في المجتمع الامريكي, وهم الذين قد يصدق عليهم صفة (المستضعفون في الارض الامريكية) ومنهم مثلا ارباب المعاشات والطاعنون في السن (وازمتهم ستواجه امريكا والغرب بعامة مع استهلاك القرن الوشيك) والمرضى الفقراء والأم العاملة واطفال المراحل الاولى من التعليم وابناء الاقليات المعرضة للتهميش من ملونين امريكيين ومتأنسبين مهاجرين.. اضافة الى ساكني العشوائيات وابناء الاحياء الفقيرة او هي (المدن الداخلية) كما يقول المصطلح الامريكي المعروف؟ الرئىس الامريكي ذاته, وليس غيره فيه الجانب الآخر (الجانب المظلم من كاميلوت) مدينة النور يوتوبيا الفاضلة على حد تعبير الكاتب الامريكي الكبير (سيمور هيرش) وقد وصف به الرئيس الاسبق (جون كيندي) وهو من أعلام رؤساء امريكا المحدثين ومن اقربهم الى الوجدان العام للشعب الامريكي وهو ايضا المثل الاعلى الذي يقتدي به الرئىس الحالي.. بيل كلينتون. ويتمثل هذا الجانب المظلم عند (بيل) فيما وصفه ستيفانو بولوس صديقه القديم ومستشاره الاعلامي الاثير, او الذي كان كذلك في مذكراته الوشيكة الصدور, بأنه السلوك الكذوب الذي لا يراعي ولا يحسب للامور حسابا ولا يقدر لها عواقبها يخطىء بغير عذر, ويزل بغير ضمير ويخاطر بغير تدبر ويركز على اهواء الذات وعلى لحظات المتعة.. فاذا به يخرق القانون وينتهك الاخلاق ويسيء ايما اساءة الى المنصب السامي الذي اختار الناس ان يضعوه فيه.. الخ بين المحاق والبدر نعم.. امريكا بلد الازدواجية المريعة ان صح التعبير.. فأنت تقلب منتوجات الاعلام الامريكي والغربي الرصينة المحترمة بالدرجة الاولى فاذا بك وقد طالعتك هذه الصورة ذات الشقين اللذين يصلان حد التعارض ان لم يكن التناقص الشديد في بعض الاحيان.. شق يتعلق مثلا بالسيدة مونيكا لوينسكي التي خرجت مؤخرا عن صمتها, لا لكي تكفر عما ارتكبت من شائن السلوكيات ولا لتعتذر عما سببته حماقاتها الاخلاقية من ندوب ما برحت غائرة في النفسية العامة وفي سلم الاخلاقيات الشامل, وفي منظومة السلوك بالولايات المتحدة, ولكن المرأة المذكورة عمدت الى اذاعة فضائحها من اجل ان تكسب وتتحول الى مليونيرة ويتم استخدامها لصالح مؤسسة اعلاميات الاثارة الرخيصة واستغلالها لاستكمال اخبث ثالوث ميكروبي يصيب النظم الاعلامية وهو المؤلف من: جنس وسلطة وجريمة او انحراف.. ولدرجة ان تطلق صحيفة صنداى تايمز على الفتاة لوينسكي الصفة التالية (اكثر نساء العالم مذلة ومهانة) . بنفس المقياس, ولو على نحو معكوس, فان ثمة وجها اخر للقمر هو وجه البدر واذا كانت مخلوقات على شاكلة الفتاة مونيكا او من طراز المخلوق الملياري النفس مايكل جونسون تمثل في رأينا, وجه المحاق من القمر فان لدى امريكا ــ والشهادة لله ــ وجها اخر هو وجه الابداع.. والاختراع والعلم وتوخي مصلحة البشر من اجل ترقية معيشتهم والنهوض بمعارفهم وتوفير ما يمكن توفيره ــ بالجهد والعلم والمثابرة والتنافس الشريف ــ من اجل نهضة البشرية ورفع مستوى الحياة فوق الكوكب الذي نعيش فيه. اهل الابتكار والتجديد ها هي مجلة (نيوز اوف ذى وورلد) تطالعنا بموضوع رأينا ان نشرك قارئنا العزيز في مادته وقد اختارت له عنوانا واضح الدلالة هو (المجددون) او المبتكرون. وميزة الموضوع, كما تراه, انه يكلف في صبر وشفف وفي هدوء واناة مسار الافكار التجديدية التي يطرحها اصحابها وكثير منهم مازالوا اشبه بالرهبان العاكفين او الجنود المجهولين, او فلنقل لم يبلغوا مرائي النجومية ــ الزائفة في بعض الاحيان, التي يبلغها البعض من محترفي الرقص او الصراخ المسمى بالغناء الحديث او بعض العاب الرياضة ومنهم من يحقق ثروات بالبلاسيين ومعظمهم يعدون بمثابة (الدور ــ القدوة) , كما يقول التعبير الامريكي, بالنسبة لاجيال الناشئة وتبدأ المجلة التي ذكرناها من مقولة نرى فيها قدراً لابأس به من الاعتداد بالنفس حتى لانقول الغرور, حين تستفتح موضوعها بقولها: ان روح الابتكار والتجديد كانت دائما قوة دافعة في الثقافة الامريكية, وكي لاتتهم بالغرور فهي تتبع هذه المقولة بالاشارة الى اختراع السيارة وما ادى اليه هذا الاختراع من تغيير في حياة البشر عند بزوغ فجر هذا القرن العشرين: تغيرت انماط الحراك عند الناس.. وتغيرت اشكال تنمية المدن والحواضر.. بل وصل الامر الى حد تغيير انماط الغزل والعلاقات الحميمة بين الرجل والمرأة من اقتراب وخطبة وزواج او طلاق وعندما تم اختراع جهاز التكييف اصبح الطقس الطف وارق في ولايات الجنوب الامريكية التي تسودها الرطوبة والسخانة كما يقول السودانيون.. فكان الجهاز العجيب مفتاح تطور الجنوب الامريكي بل وانبعاثه فاعلا ومزدهرا من جديد ــ ثم قل الشيء نفسه عن اختراعات وابتكارات, وعن تجديدات واكتشافات, وايا كان الرأي في سلبياتها او ايجابياتها, الا انها كانت مثل نقلة لاعب الشطرنج الماهر بحكم ما افضت اليه من تحولات في حياة البلاد والعباد.. ومنها مثلا الطائرة والبث الاذاعي اللاسلكي والحاسوب الالكتروني وحتى الاتصالات الفضائية بل وحبوب منع الحمل حتى لا نأتي على ذكر الفياجرا. دلائل عافية تلك كلها مؤشرات ترى فيها المجلة الامريكية دلالات على استمرار عافية مجتمع يجد بين ظهرانيه وبين صفوف مواطنيه اذهانا تقدح شرارة الابتكار وترنو بالتوق وبسلاح العلم الى التجديد ومعظمها فيما نعلم يود لو يجمع بين تحقيق طائل الثروات من ابتكاراته او اختراعه او اكتشافه, وذلك امر مفهوم ومشروع, وبين ان يجعل حياة الناس, في قرن مقبل مؤذن بالحلول, افضل او ايسر او ارقى او اقل مرضا وادنى سلامة.. وهذا اضعف الايمان في هذا الاطار باتت الاتصالات الحاسوبية الالكترونية (عن طريق الانترنت وما في حكمها) تلعب دورا فاعلا بل حاكما.. وعندما اخرج الممثل الشهير (توم هانكس) فيلمه الاخير منذ عدة اشهر بعنوانه المعروف: ــ (لديك بريد) لم تتوقف جماهير المساهمين او المتابعين عند معنى البريد.. اللهم الا عند امثالنا من ابناء الاجيال المخضرمة.. بل فهم الناس في الاغلب العام, ان المقصود هو البريد الالكتروني.. ولم ترتسم في اذهانهم بالقطع صورة ساعي البريد التقليدية يحمل زكيبته ويرتدي حلته الصفراء ذات الازرار النحاسية ناهيك عن صورة (صاحب البريد) في الوجدان الكلاسيكي ومنها صورة (النجاب) الذي احسن القوم تصويره في احد افلام الكوميديان القديم اسماعيل ياسين.. وهو يقوم بتوصيل البريد الى اهل القرى فوق ظهر .. حمار. ان فيلم توم هانكس ادار قصته حول بريد عصرنا الجديد, الالكتروني الذي يقطع خطوط الطول والعرض فوق الكوكب في كسور الثواني ان لم يكن بصورة متزامنة, او شبه متزامنة بين الارسال والاستقبال, وفي هذا الاطار جرى ما نسميه تخليق شبكة التواصل بين اصحاب الابتكارات يتبادلون الافكار في حذر شديد فكم من فكرة يحرص صاحبها عليها اذ من المحتمل ان تدر عليه الملايين, ثم يتبادلون التواصل ايضا مع مؤسسات تسجيل الاختراعات والبراءات لدى الحكومة الاتحادية, ومن ثم التواصل مع الشركات التي يمكن, من خلال امكاناتها المالية والتقنية ان تضع هذا الاختراع او ذلك الاكتشاف موضع التنفيذ العملي ليجد طريقه وسط حملات الاعلام, والاعلام الى اسواق الترويج والاستهلاك. منظومة التطور تلك هي المنظومة القائمة على الابتكار, على استثمار اثمن ما اودعه الخالق, جل وعلا, في فطرة الانسان وهو العقل ــ المخ والذكاء البشري. وقد تذهب الى القول بان هذه المنظومة هي التي تستخدمها امريكا, بوعي او بعفوية, من اجل التكفير عما تصيب به عالمها من رذاذ الاثارة وما تسبب فيه من انحرافات السلوك او صدمات المخالفة لما تواضع عليه البشر, وما جادت به السماء من قوانين وقواعد وشرائع ونواميس, وهي نفس المنظومة التي تكفل لها التفوق في العصر الذي نعيش فيه.. وعلينا في العالم الثالث النامي ان نتوقف عندها وان نتسلم دروسها المستفادة, وان نعمل على التواصل معها باكثر من سبب ولا عيب في ان نجلس في مقاعد المتعلم نثقف ابداعات العصر وعلومه بل العيب ان يكتفي البعض للاسف, بالجلوس في مقاعد القرود.. يقلدون بغير وعي.. ويتصدون الى السهل التافه السائغ والمبتذل ويحاكونه.. ثم يتولون عن العلم والابتكار وعن المعرفة المتطورة والتجديد فتلك امور صعبة والتعاطي معها من اشق ما يكون.. وهي قد لاتكفل الكسب السريع والصيت الرخيص والنجومية التي لا تودي ولا تجيب.. لكن تشاء حكمة الله, انها, وليس غيرها هي التي تبني الامم وتطور حياة الشعوب وتعلي من قدر الانسان.. وهذا حديث موصول.