يكتنف الحديث عن المجتمع المدني في أوساط المثقفين العرب كثير من الغموض حول التفصيلات, حيث يكتفي بالاشارة الى انه يعني عموما نشوء وتزايد دور المنظمات الاهلية, ولا ينطوي الحديث على ذكر احد ابرز جوانب هذا المفهوم الا وهو طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع والتي تشكل جوهر المفهوم وعموده الفقري والتي ان غابت عن معطيات هذا المفهوم فقد معناه والغاية المنشودة من قيامه . لكن هذا القصور لا ينبغي ان يكون معيبا, ذلك ان المفهوم ذاته ليس من نتاج الثقافة العربية, بل انه وليد التطور الفكري والسياسي الغربي. وهو محاولة لتكريس مرحلة متطورة من مراحل الديمقراطية الغربية حيث وصل المجتمع الى صيغة محددة في علاقته بالدولة, وبات من الممكن للمفكرين في تلك المجتمعات التحرك خطوة الى الامام لاعادة الامر او العلاقة بين الدولة والمجتمع الى الوضع الطبيعي الذي كان قائما قبل نشوء الدولة وازدياد دورها واتساع نفوذها وهيمنتها, والتي تحولت في بعض الاحيان الى سلطة قسرية اخضعت المجتمع لسطوتها مما استدعى التفكير في اعادة صياغة العلاقة معها. ومن الواضح اذن ان موقع العلاقة بين الدولة والمجتمع مهم و ضروري في فهم تطور مفهوم المجتمع المدني. فالفرضية الاساسية تقوم على تطور البشرية قد بدأ بنشوء المجتمعات التي سبقت ظهور الدول, وان تطور حاجات المجتمع في ادارة شؤونه ادى الى بروز فكرة تركيز السلطة في يد جهة معينة تقوم بحماية مصالح الافراد الذين كانوا يحمون مصالحهم بذاتهم, ودون الاخلال بحرية الافراد في الحركة والتبادل والتعاقد. وادى ذلك عمليا الى تنازل افراد المجتمع ومن بعدهم المجتمع ذاته عن جزء من صلاحياته الى سلطة موحدة عرفت تدريجيا بالدولة. وحيث ان هذه الصيغة لم تستمر طويلا وفق ما كان متوقعا لها, حيث غلب طبع الاستبداد على سلوك الدولة وغابت المشاركة وتحولت سلطة الدولة الى شبه نفي لسلطة المجتمع والافراد المكونين لها الذين تنازلوا عن سلطاتهم ابان فترة (الحالة الطبيعية) state of nature برضاهم لسلطة الدولة. اعادة الصياغة من هنا نلاحظ ان مفهوم المجتمع المدني الذي نشأ في مجتمعات ديمقراطية غيرت فعليا صيغة العلاقة بين الدولة والمجتمع, انما هو تعبير عن الاتجاه النهائي لصيغة العلاقة بين هذين المكونين, وصولا الى تحرير المجتمع عبر تحرير افراده وفقا لمواصفات قريبة من مواصفات الافراد ابان (الحالة الطبيعية) . وتجدر الاشارة الى ان مفهوم الحالة الطبيعية التي تحدث عنها جميع المفكرين الغربيين هي حالة افتراضية تستخدم لاغراض التحليل والقياس, وهي ليست هدفا في ذاتها, لكن المواصفات التي كان الافراد يتصفون بها في علاقاتهم ببعضهم, من حيث توازن المصالح والحرية والمحددات التي كانت تفرض نفسها على العلاقات الاجتماعية هي المعنية بالاخذ في الحسبان. من جانب آخر فان الدعوة لاعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع لا تنطوي على عداء للدولة لذاتها, وانما تهدف الى اعادة وضع الدولة في وضعها الطبيعي ازاء المجتمع واعادة الامور الى نصابها بالكيفية التي كانت عليها قبل اقدام المجتمع على انشاء الدولة بمحض ارادته ولاهداف وغايات تتصل بالحفاظ عليه وليس استبعاده. من هنا فان الحديث عن مفهوم المجتمع المدني بحسبانه مجتمعا للمنظمات الاهلية يغفل الى حد بعيد حقيقة ان هذه المنظمات لا تكون المجتمع برمته وانما هي جزء منظم منه فقط, لكن المجتمع بكامله قد يكون خارج هذه المنظمات ولا تنضوي تحت الويتها الا نسبة محدودة من افراده وبناء على ذلك فان صياغة المفهوم على اساس دور المنظمات الأهلية من حيث علاقتها بالدولة ودورها لا ينطبق بالضرورة على علاقة الدولة بالمجتمع على اطلاقه, ولا يحدد دور الافراد ومصالحهم وحرياتهم ازاء الدولة. والعلاقة بين الدولة والمجتمع لا تنصب فقط على حرية الحركة بالنسبة للافراد والمنظمات والجماعات, بل ترتكز على اسس التصرف في الموارد الاقتصادية التي تقوم الدولة بادارتها نيابة عن المجتمع. وفي هذا الاطار فان اعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع ترتكز على حرية الافراد في الوصول الى الموارد الاقتصادية بحرية تشبه ما كانت عليه اوضاعهم خلال فترة (الحالة الطبيعية) والتي لم يكن يحول دونها الا قدرات الفرد الجسمية وقوته البدنية وجلده وصبره وقدرته على المنافسة. ولم يكن يحول دونه والموارد الاقتصادية مصالح الاخرين او قدرتهم على منعه, فقد كان قادرا على حماية مصالحة من خلال تمتعه بالحرية الكافية للتعامل والتعاقد والتحالف. ومن الضروري ادراك ان الدعوة للمجتمع المدني لا تعني العودة للحالة الطبيعية على ما كان فيها من قسوة وتنافس وانفلات, لكن المقصود هو اعادة حرية الافراد اليهم للتعبير عن مصالحهم دونما تدخل قسري من الدولة. يندرج ايضا تحت هذه المسألة اعادة تحرير الدولة من سطوة المصالح التي تحتمي بسلطة الدولة وتجيزها لصالحها على التناقض او التعارض مع مصالح الافراد او جماعات اخرى. تحرير الارادة ان الغرض الرئيسي هو اعادة حيادية الدولة الى وضعها المفترض وتخليصها من الشوائب المصلحية المحدودة التي علقت بها خلال مراحل تطورها اللاحقة منذ الحالة الطبيعية, دون اخلال بالمهارات الاساسية التي اقامها المجتمع من أجلها ومنحها سلطاته للقيام بها. وفي هذا الاطار يمكن ملاحظة بعض التناقض في دعوة الذين يرعون الدولة الى زيادة دعمها المادي للمنظمات الاهلية من اجل مساعدتها على انجاز مهامها وتحقيق اغراضها في المجتمع, ويغفلون عن الحاجة لتقليص هيمنة الدولة المالية على هذه المنظمات من خلال الدعوة لتحرير عملية التمويل الذاتي لهذه المنظمات الاهلية عبر تحرير ارادتها من خلال اعادة صياغة علاقتها بالدولة واسباغ حرية اكبر على حركة المنظمات الاهلية, وان كان هذا لا يعني من ناحية اخرى ضرورة توجيه الموارد الاقتصادية للمجتمع والتي تسيطر عليها الدولة. وفي هذا الصدد فان من المقترحات الضرورية لقيام مجتمع اقرب الى المجتمع المدني هو اعادة صياغة العلاقات القانونية التي تربط الافراد والمنظمات الاهلية بالدولة, فباستثناء متطلبات التسجيل الروتينية يستدعي مفهوم المجتمع المدني الا تكون للدولة سلطة على المنظمات الاهلية والافراد ليمارسوا نشاطهم في اطار القانون الذي اسسه المجتمع اصلا لتنظيم علاقات افراده. وبالطبع فان مفهوم المجتمع المدني هو مفهوم يستند الى ان الافراد في المجتمع هم اساسه دون النظر الى هوياتهم العائلية والاثنية والفعلية وما الى ذلك من تصنيفات.. وما يراد هنا انما هو العودة بمفهوم الفرد, الى عضو المجتمع, الى قيمته ككائن بشري فقط, اي بقيمته المدنية, دون اخذ للاعتبارات الاخرى التي نجمت من مستوى تطور الفكر البشري او تقسيماته الطبقية او الدينية والفرد في المجتمع المدني له قيمته كونه فردا في المجتمع ولا يقلل منها اي صيغة اخرى, وتقوم على هذا الاساس مفاهيم حقوقية واضحة لا جدال فيها. ان هذا الاساس الفكري في النظر الى قيمة الفرد دون اية اضافات هو ما يمهد الارضية لقيام الثقافة المدنية التي تحدث عنها العديد من المفكرين الغربيين المعاصرين والتي تشكل احد الاسس والمقدمات الضرورية ليقام المجتمع المدني. * كاتب من البحرين