أبجديات:بقلم-عائشة ابراهيم سلطان

معروف عن الغربيين شغفهم بالشرق وحضارته وفلسفته, ومعروف عن هذا الشرق اغراقه في الحكمة القائمة على الفلسفة إلى حد كبير . واتذكر جيدا ذلك الاستاذ الأمريكي الذي كان يدرس أصول علم النفس والتربية في واحدة من أشهر الجامعات الأمريكية وكيف قرر بشكل مفاجئ ان يهجر كل شيء ويتجه صوب الشرق. لقد سأل هذا الاستاذ مرة طلابه في الفصل: إذا ما اشتعلت النيران في المبنى الذي تقطنون فيه فأي شيء ستحاولون انقاذه أو الالتفات إليه أولا؟ وكم كانت صدمته حين سمع اجاباتهم! لم تكن صدمته بطلابه فقط, لقد كانت الصدمة نتيجة هذا الاكتشاف المفاجئ لأساس الحضارة التي يعيشون تحت ظلالها مطمئنين متفاخرين بينما هم في الحقيقة يعيشون فوق برميل من البارود أو فوهة بركان يبدو في ظاهره خامدا بينما الحقيقة عكس ذلك تماما. لقد قال له أحد الطلاب سأجري خارجا بعد أن أحمل كلبي معي! وقالت طالبة: سأفتش سريعا عن مجموعة طوابع البريد الثمينة التي احتفظ بها؟ وقالت أخرى: سأحمل معي وبسرعة تلك اللوحة النادرة التي اقتنيتها من أحد المزادات بسعر باهظ, وقال آخر شيئا مشابها. تذكر استاذ التربية ان أحدا من هؤلاء لم يقل شيئا عن عائلته أو اخوته أو جيرانه الذين يشاركونه سُكنى المبنى, ما يعني سقوطا ذريعا في الفردية والأنانية وبشكل مخيف وصارم أيضا. وعاد يسأل نفسه: لماذا ألومهم أنا نفسي سأفعل شيئا من هذا القبيل!! عندها وجد نفسه يكتشف وكأنها المرة الأولى التي يفتح فيها عينيه على واقع مجتمع يعيش فيه منذ عشرات السنين, انه يعيش لنفسه ومع نفسه, وسط حضارة فارغة خالية من أي مضمون للحكمة والانسانية, عندها قرر ان يغادر امريكا إلى الشرق. ذهب إلى حضارات الهند والصين وبورما, واكتشف هناك ان الانسان لا يعيش لنفسه, ولا يجيد فن الحياة الفردية, وان الحكمة الشرقية والصينية تحديدا تسير على قاعدة: ان المثقف هو من يحول ثقافته إلى واقع عملي ومفيد للآخرين, ومثل المثقف أي انسان عادي آخر. مشكلتنا اليوم أننا وبرغم كوننا جزء من هذا الشرق, إلا ان فلسفة أخرى تغزونا وتحولنا إلى شظايا متفردة لا علاقة لها بما حولها ما يعني أننا نعاني أزمة فردية قاتلة تحتاج إلى تفكير عميق لمعالجتها قبل ان تتحول إلى واقع نهائي غير قابل للتغيير إلا بالهجرة كما فعل الاستاذ الجامعي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات