لم يعد الزمن الذي يفصلنا عن الرابع من مايو طويلا وهو الموعد الذي قررت القيادة الفلسطينية فيه اعلان الدولة الفلسطينية مع انتهاء الفترة الانتقالية التي نصت عليها اتفاقات اوسلو . ولان اعلان الدولة حدث غير عادي في مسيرة الشعب الفلسطيني فلا يصح التعامل معها بهذا الغموض الذي تتعامل معه القيادة الفلسطينية فبعد اعلانها عن ان موعد الرابع من مايو موعد مقدس اخذت القيادات الفلسطينية تردد التصريحات التي توحي بالتأجيل حتى بات مؤكدا ان اعلان الدولة الفلسطينية لن يكون في موعده, وان القيادة الفلسطينية اذعنت للضغوط التي تطالب بتأجيل اعلان الدولة الفلسطينية وانها تنتظر الوقت المناسب لاعلان هذا التأجيل المتوقع ان يعلن عنه خلال لقاء الرئيس ياسر عرفات مع الرئيس الامريكي بيل كلينتون في الثالث والعشرين من الشهر الجاري واذا كان التحرك الفلسطيني يهدف الى بيع موقف تأجيل اعلان الدولة الفلسطينية الى الادارة الامريكية من اجل الحصول على تقارب مع الادارة الامريكية فإن هذا التكتيك مكشوف واصبح يعرفه المراقبون الاقل ذكاء للاوضاع الفلسطينية. ولاشك بأن الاوضاع الفلسطينية ـ الاسرائيلية تمر بظروف صعبة وهذا ما يتطلب التدقيق في الخطوة الفلسطينية المتعلقة بإعلان الدولة, فالظروف الفلسطينية تاريخيا لم تجد لحظة راحة, وكانت دائما تمر في ظروف استثنائية ولاشك ايضا ان خطوة اعلان الدولة الفلسطينية لن تمر بسهولة فهي ليست خطوة عادية او تجاوز عادي لاتفاقات اوسلو, ولذلك لا يجب التعامل مع اعلان الدولة او عدم اعلانه كخطوة تكتيكية لخدمة مصالح هنا او هناك فعلى مدى قرن مضى كان الحلم الفلسطيني والنضال الفلسطيني متعلقا اصلا بحق هذا الشعب اسوة بكل شعوب الارض بتقرير مصيره في دولة مستقلة, لذلك لا يطالب الفلسطينيون بمنة من احد, عندما يطالبون بحقهم الطبيعي الذي تضمنته شرعة الامم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان. عندما ذهبت السلطة الفلسطينية بعيدا في خيار اوسلو نصت الاتفاقات الانتقالية على ان مدتها خمسة اعوام تقام خلالها سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية على ان يتخلل هذه الفترة مفاوضات فلسطينية ـ اسرائيلية على قضايا الحل النهائي التي تشمل الحدود والمستوطنات واللاجئين والقدس.. الخ بحيث تكون هذه المفاوضات قد انتهت مع انتهاء الفترة الانتقالية, إلا ان هذه المواعيد قد ذهبت ادراج الريح , ليس بحسب مواعيد نتانياهو بل وحتى حسب ما كان يقوله رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق اسحاق رابين بأنه (ليس هناك مواعيد مقدسة) وبذلك علقت المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية في القضايا الانتقالية ففي الرابع من مايو تنتهي الفترة الانتقالية ولم يتم الاتفاق على قضايا الحل الانتقالي, عدا عن ان مفاوضات الحل النهائي وهي القضايا الاعقد في المفاوضات لم تبدأ بعد, مما وضع السلطة الفلسطينية في مأزق لا تحسد عليه بعد الاحاديث المطولة عن امكانية رفع سقف اوسلو لتلبية الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني, في الوقت الذي كان هذا السقف ينخفض ليسحق المطالب الوطنية الفلسطينية مع صعود الليكود الى السلطة في اسرائيل في العام 1996. والآن علق اعلان الدولة مع موعد الانتخابات الاسرائيلية وتنصح المعارضة الاسرائيلية بلسان شمعون بيريز ويوسي بيلين بتأجيل اعلان الدولة الفلسطينية حتى لا يستفيد نتانياهو من هذا الاعلان ويقوم بحملة تحريض يحرض خلالها الناخب الاسرائيلي للتصويت لليمين الاسراىلي وقد قدم الاوروبيون نصيحة مماثلة بتأجيل الاعلان كما جاءت على لسان الرئيس المصري حسني مبارك وعلى لسان مسؤولين اردنيين مما يعني ان هناك ضغوطا متباينة تطالب بهذا التأجيل ولاسباب مختلفة مما يظهر ان الخطوة الفلسطينية تحمل العديد من المخاطر. بالتأكيد ان هذه الخطوة تحمل العديد من المخاطر لكن فكرة التأجيل اذا كانت تقوم على اساس ان هذه الخطوة من الممكن تمريرها من خلال موافقة اسرائيلية اذا نجح حزب العمل في الانتخابات الاسرائيلية فإن هذا التقدير تقدير خاطىء, فلا يمكن الوصول الى اتفاق مع حكومة حزب العمل اذا نجحت في الانتخابات الاسرائيلية وهذا احتمال متعادل على الاقل مع امكانية فوز الليكود ـ خلال فترة قصيرة تسمح بتأجيل الاعلان عدة اشهر او عدة اسابيع لان حزب العمل والليكود يتفقان على قضايا الحل النهائي خاصة القدس والمستوطنات واللاجئين, ومن هنا فإن التأجيل على هذا الاساس هو مضيعة للوقت يجب عدم الوقوع فيها والمراهنة على اوهام لن تتحقق. صباح الرابع من مايو يكون الاسرائيليين قد اخلوا بالاتفاقات الفلسطينية ـ الاسرائيلية وهي بالتأكيد ليست المرة الاولى التي يخل فيها الاسرائيليون بالاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين ولكن هذا الاخلال يخلق فراغ قانوني على خلاف المرات السابقة, وهذا الفراغ بحاجة الى ملء ولا يمكن ملء هذا الفراغ بتمديد العمل بالاتفاقات الانتقالية لان ذلك يرسخ سابقة البقاء في الفترة الانتقالية الى ما لا نهاية او حتى يقرر الاسرائيليون من جانب واحد الخروج من هذه الاتفاقات وهذا مستبعد ولا حل لملء هذا الفراغ القانوني إلا باعلان الدولة الفلسطينية في موعدها المحدد, وهي الفرصة التاريخية لطي صفحة اتفاقات اوسلو المجحفة بحق الشعب الفلسطيني.