ماذا يراد باليمن في ظرفه التاريخي الصعب, مشكلات مدلهمة في الداخل, ومؤامرات خطيرة تتربص به من الداخل, والعلاقة جد عفوية بين قيادة الصراع من الخارج وعناصر التنفيذ في الداخل, والهدف واضح ومحدد, ان يجثو اليمن نائبا نائبا عما اقترفه من توجهات وخيارات وطنية وقومية , وعرقلة مسيرته الشاقة والمضنية صوت التقدم واللحاق بالعصر, عبر توطيد أركان الوحدة الوطنية والديمقراطية والاستقرار والتنمية, لكنه واثق من ان ما يتعرض له اليوم من التحديات سبق وان تعرض لمثيلاتها مرارا بالأمس, وخرج ظافرا دوما من عنق الزجاجة أكثر قوة وارادة على مواصلة الطريق. وليس من شك ان اندلاع الثورة في مواجهة حكم أئمة بيت حميد الدين الكهنوتي في الشمال وهيمنة الاستعمار البريطاني في الجنوب, وتتويج نضالات الشعب اليمني باعلان النظام الجمهوري في صنعاء وعدن, حدث في حد ذاته شديد الوطأة على خصوم اليمن التقليديين وغيرهم من قوى الاحتكارات العالمية, ومن هنا كانت ضراوة الثورة المضادة التي تحشدت بقضها وقضيضها لاجهاض عملية انعتاق الشعب اليمني من أسر التخلف والعزلة, وانطلاقه لبناء الذات الوطنية واستعادة سابق حضاراته ودوره القومي الغائب. على ان الثورة اليمنية بقواها الذاتية تمكنت في النهاية عبر دعم ثورة 23 يوليو المصرية بزعامة جمال عبدالناصر, ان تثبت للعالم قدرتها على الصمود والحفاظ على استقلاليتها وحرية ارادتها, ورغم التضحيات البشرية والمادية الجسيمة التي تكبدها الشعب اليمني, إلا ان نضالاته ظلت مستمرة بالرغم من اشكالية الحروب الأهلية المشبوهة بين عدن وصنعاء وحتى نجح كما لم يتوقع أحد من أصدقائه أو أعدائه في انجاز المفاجأة القومية والاستراتيجية الكبرى, عبر إعلان الوحدة الاندماجية بين الشطرين, وان يتواصل النضال والصمود لدحر المؤامرة الانفصالية المبيتة ضد الوحدة اليمنية. لكن على ما تبدو عليه الشواهد انه آن الأوان لجولة جديدة من معارك العداء والانتقام من اليمن, لا بسبب نجاح ثورته وانجاز وحدته والدفاع عنها فحسب, وإنما لتجريده من تجربته الديمقراطية وخياره للتعددية السياسية من جهة, ورفضه الانسياق إلى حظيرة التطبيع مع اسرائيل من جهة أخرى. صحيح ان اليمن نجح في اجراء انتخابات نيابية مرتين, شهد لها المراقبون بمجاراتها لأرقى الانتخابات الديمقراطية النزيهة في أوروبا, وأنها لم تشهد تجاوزات غيرها من الانتخابات في الدول النامية, ولا سقط خلالها قتيل واحد رغم مختلف أنواع وكم السلاح المباح والمتاح لليمنيين, والصحيح كذلك انه لولا الاستقرار الذي ساد ربوع اليمن, لما أقدمت أكثر من عشرين شركة أمريكية وأوروبية وعربية على المخاطرة باستثماراتها الضخمة في عمليات اكتشاف البترول والغاز اليمني وتصديره إلى الخارج تباعا! وكانت شركة هنت الأمريكية قد تحوطت للنزاعات الحدودية بين اليمن وجيرانه, وأعلنت انها تبحث عن البترول وفقا لخرائط البنتاجون المعتمدة للمنطقة, لكن الرئيس علي عبد الله صالح بادر إلى حسم النزاعات الحدودية جذريا حتى لا تؤثر سلبياتها على معدلات التنمية بشكل عام وقطاع البترول بوجه خاص, فكانت اتفاقية اعادة ترسيم الحدود مع سلطنة عمان بالتزامن والوفاق عبر تبادل الأراضي والمنافع, في الوقت الذي شرعت اليمن والسعودية الى تشكيل اللجان الفنية الخاصة برسم الحدود المشتركة على هدى اتفاقية الطائف المعقودة بين البلدين عام ,1934 وكذا الخطوط الحدودية التاريخية الموروثة مثل خط حمزة والخط الادريسي, وحل الخلاف اليمني الاريتري حول السيادة على جزيرة حنيش الكبرى حضاريا عبر التحكيم الدولي! جدير بالذكر ان اليمن سعى الى طمأنة جيرانه والغرب كذلك الى نواياه السلمية, وان الوحدة اليمنية عامل سلام واستقرار في المنطقة, عندما قرر تخفيض قواته المسلحة وأوقف صفقات جلب السلاح, والتقدم بطلب عضويته في مجلس التعاون الخليجي ومنظومة الكمنولث البريطانية. ومن هنا تأتي تساؤلات الساعة الملحة: لماذا مسلسل التخريب والتفجيرات والاغتيالات التي تطل برأسها بين حين وآخر في اليمن؟ والى من تشير أصابع الاتهام بالتدبير والتمويل؟ ولماذا يعقد الحزب الاشتراكي المعارض مؤتمره الرابع, وتتحدى قراراته الشرعية الوطنية والدستورية عبر اعادة العضوية الى قياداته التي شملها الاتهام بمسؤوليتها عن الانفصال؟ من الذي يحرض القبائل على اختطاف السياح وتشويه سمعة اليمن؟ ومن الذي يقدم لها المال والسلاح؟ ومن المسؤول عن قتل ثلاثة من السياح البريطانيين وسائح استرالي مؤخرا في اليمن؟ ومن غير أبوحمزة المصري امام مسجد (فينبوري بارك) وزعيم ما يسمى بجماعة (انصار الشريعة) الذي ظل على اتصال بالمجموعة الارهابية التي قامت بعملية الاختطاف والقتل من لندن عبر الاقمار الصناعية؟ ولماذا كان تدريب المجموعة على ممارسة العمليات الارهابية في بريطانيا على يد ضباط بريطانيين سابقين على حد اعترافه, وولده الذي تم القبض عليه في اليمن اثر ارتكاب الحادث, ورغم ذلك لايزال أبو حمزة حرا طليقا تحت مظلة الجنسية والحماية البريطانية التي تؤمن غطاء نشاطاته الارهابية ضد اليمن دون مساءلة, رغم ان فريق المحققين البريطانيين الذي وصل اليمن تأكد من ضلوعه في الحادث؟ أليس قرار بريطانيا وأمريكا واستراليا وألمانيا سحب رعاياهم من اليمن وبينهم خبراء التنمية والاستكشافات البترولية, سوى النتيجة المطلوبة وأحد أهداف التآمر الخارجي على اليمن؟ وأخيرا لماذا محاولة الزج المتعمد باليمن في عملية التطبيع مع اسرائيل, في الوقت الذي نفت الحكومة اليمنية تلك المزاعم من أساسها مرارا دون ان تقدم اسرائيل دليلا يؤكد العكس. والأدهى والأمر ان يشدد صندوق النقد الدولي ضغوطه على اليمن, والزامه بتنفيذ المرحلة الرابعة من برنامج الاصلاح الاقتصادي, كي يثور الشعب الذي يعاني ويلات البطالة ضد حكومته التي تواجه تدني أسعار البترول برفع الدعم عن السلع الضرورية! قلبي مع اليمن.. لكن ثقتي بلا حدود في الشعب اليمني الباسل الذي عودنا دوما على اجتياز المآزق والمصاعب بنجاح مضطرد دون ان يفقد ثقته في المستقبل الأفضل.. واذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر!