بينما كان عدد من المستعمرين الصهاينة يستولون على أحد تلال بلدة الظاهرية قرب الخليل, ويقيمون فيها المساكن المتنقلة, ويشقون طريقا فرعية تربط بين المستعمرة الجديدة ومستعمرة (تني عمريم) , وذلك استجابة لدعوة ارييل شارون اليهود الى سرقة ما يستطيعون سرقته من الأرض الفلسطينية (لأن ما تأخذونه اليوم سيبقى لكم الى الأبد) , وذلك بعد التوقيع على اتفاقية واي ريفر .. كان مجلس الحكم الذاتي, يعلن عن بدء دورة (برلمانية) تستمر سنة كاملة, وذلك في اشارة واضحة الى احتمال تمديد الفترة الانتقالية لاتفاقية أوسلو التي تنتهي في الرابع من مايو المقبل وارجاء الاعلان عن قيام دولة فلسطينية. وقال السيد احمد قريع (أبوعلاء) الذي جدد المجلس ثقته به في تبرير هذه الخطوة (ان انتهاء ولاية المجلس والمؤسسات الفلسطينية الاخرى التي انبثقت عن اتفاق الحكم الذاتي دون الاعلان عن دولة في الرابع من مايو يمكن ان يضع الفلسطينيين في فجوة سياسية وقانونية.. وان هذا التمديد للمجلس لا يجحف ولا يؤثر على انتهاء المرحلة الانتقالية) . وكلام (أبوعلاء) صحيح لسببين, نتطوع نيابة عنه بسردهما, ونعرف انه الآن وهو يقرأهما يضحك في سره اقرارا بهما وان كان لا يستطيع الجهر بذلك. السبب الأول, ان مجلسه المشار اليه, لا يتمتع بصلاحيات ما سمى نفسه به, أي (مجلس تشريعي) . فهو ليس سوى تركيبة يفترض بها تشريع الامور الثانوية, وان القرار السياسي المصيري مازال بيد ما يسمى بــ (القيادة الفلسطينية) , الاسم الحركي للسيد ياسر عرفات, والمؤلفة من هجين مشترك ممن يسمون أنفسهم بأعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وممن يسمون وزراء السلطة, وممن يصدف حضورهم في ديوان الرئاسة أثناء انعقاد الجلسة. والسبب الثاني, لأنه لا هذا المجلس ولا القيادة الفلسطينية المذكورة معا, باتا يملكان القدرة على اتخاذ القرار السياسي المصيري, من طراز اعلان أو عدم اعلان قيام دولة فلسطينية, لأن اتفاقية اوسلو تفترض, وعبر التفاوض, الوصول الى أي قرارات تتعلق بالحل النهائي لقضية فلسطين. قد يكون باستطاعة اسرائيل ان تتجاوز هذا الالزام وكل الاتفاقية اذا أرادت, بحكم موازين القوى, ولكن الجانب الفلسطيني لا يملك ذلك. والدليل على ذلك ان السيد ياسر عرفات, بعد ان أعلن عن عزمه على الاعلان عن قيام الدولة واعتبار الرابع من مايو يوما فلسطينيا مقدسا, عاد وتراجع عن هذا العزم وحول قراره الى مناورة سياسية يمكنه خلالها ان يملأ فراغ انتظاره الى السابع عشر من مايو موعد الانتخابات الاسرائيلية دون ان تهمله واشنطن والعواصم الاوروبية وغيرها من العواصم المعنية بالأزمة القائمة, دون ان ننسى وسائل الاعلام. واني لأشهد لــ (أبوعلاء) بالقدرة والكفاءة التي قاد فيها هذا المجلس طيلة هذه السنوات, وبخاصة في الاستمرار والتواجد وبذل بعض النشاطات, لولا بعض الهنات الهينات, كالفشل مثلا في تأمين القانون الأساسي (الدستور المؤقت) لهذا المجلس الذي لايزال مرميا على مائدة الرئيس لدراسته, والفشل في الدفاع عن تقريره حول الفساد, بل والتواطؤ مع السلطة على بلعه بمنح الثقة للفاسدين والمفسدين وتوسيع رقعة تمثيلهم. وفي اطار هذه الهنات الهينات لا يمكننا ان ننسى ما أصاب بعض أعضاء هذا المجلس على أيدي بعض رجال المخابرات, وفشله التام في الوقوف الى جانب الشعب في دعاوى المئات من أبنائه الموقوفين في سجون السلطة دون أية محاكمة. لقد كان على (أبوعلاء) وهيئة رئاسة مجلسه بدلا من الاحتفال بيوم الديمقراطية باشعال شعلتها في باحة المجلس, ان يتوجه ليشعلها أمام أحد السجون التي يقف المئات وراء قضبانها ومن بينهم من لا يعرفون أسرار توقيفهم. مع ذلك.. ولكي ننصف الرجل, فلقد أشار (أبوعلاء) في خطاب التمديد لمجلسه الى عدد من القضايا الهامة, ومنها ممارسات اسرائيل في مجال مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات وشق الطرق الالتفافية وتهويد القدس وهدم المنازل وسحب الهويات (من المقدسيين) وسياسة العقاب الجماعي وعزل المناطق والمدن الفلسطينية بعضها عن بعض. كما اعترف بأن معظم أجزاء الوطن الفلسطيني لاتزال خاضعة للاحتلال الاسرائيلي واجراءاته التعسفية. ولكن ما لم يوضحه لنا (أبوعلاء) هو قوله بأن المجلس قد تصدى لهذا كله, لم يقل لنا (كيف) و(متى) , اللهم الا اذا كان يعتبر ترداد ما يقوله ابن الشارع الفلسطيني هو غاية ما يستطيعه (المجلس التشريعي) ! كذلك من قبيل الانصاف للرجل, فان (ابوعلاء) قد وصف علاقة المجلس بالسلطة التنفيذية بانها (صعبة) وابرز ما فيها من صعوبات حسب قوله: عدم تقديم الموازنة في موعدها, والمصادقة (يقصد عدم المصادقة) على القوانين والاستجابة لقرارات المجلس) . هذا صحيح ومعروف, ولكن ما لا نعرفه وكنا نتمنى على (ابوعلاء) ان يعرفنا عليه هو (اسباب) هذه الصعوبة, أو كيفية مواصلة الجهود للتغلب عليها, كما دعا هو في نهاية كلامه, خصوصا وانه يعترف ان هناك (سبعة قوانين اقرها المجلس وتنتظر مصادقة الرئيس عليها (من بينها الدستور المؤقت) وقانون الأحوال المدنية وغيرها) . وبعد... أنا لست من اسكندنافيا, ولا من كوكب آخر, وبالتالي فإني على علم أكيد بما يشكو منه مجتمعنا السياسي الفلسطيني ولا سيما فيما يتعلق بالموضوعية التي أشعل لها (أبوعلاء) شعلة في ساحة مجلسه, أي الديمقراطية. كما أعرف الكثير عن نوعية العلاقات بين التنظيمات المختلفة, موالية كانت أم معارضة, ولكني مع ذلك ما زلت حائرا في فهم بعض ممارساتنا السياسية. فليس سرا, مثلا, ان الاكثرية الساحقة في المجلس هم من ابناء فتح أو انصارها (وهؤلاء عادة يكونون أكثر ولاء), والقيادة الفلسطينية ورئيسها هي فتحاوية في الفرز النهائي, فلماذا اذن هذا التناقض أو هذه الصعاب في العلاقات بين الطرفين؟ ومما لا أفهمه كذلك, هو هذا الاصرار في الربط بين ماهو سياسي وما هو اداري؟ فرغم وعيي بصعوبة الفصل بين الاثنين فإني أعتقد ان العملية ليست مستحيلة. فلماذا اذن, كل هذا الفساد في الادارة, وكل هذا الهدر, وكل هذه المخالفات الرهيبة في اداء السلطة لواجباتها الادارية, ويكفي للتدليل على ذلك ما صرحت به السيدة سهى, أقرب الناس في الدنيا للسيد ياسر عرفات, عما يحيط بالسلطة وقائدها من فاسدين ومرتشين و... ما لا نستطيع تكراره هنا! ومما لا أفهمه كذلك, هو هذا التعسف المفروض على حرية النقد وحق الآخرين بقول ما يشاؤون حول مصيرهم؟ ماذا يضير هذه السلطة ان يمارس الفلسطيني حقه في المطالبة بفلسطين من (النهر حتى البحر) والاصرار على ان القدس كانت (ايلياء) عندما فتحها عمر وليست (أورشليم) ! كيف تقبل السلطة على نفسها ان تصنف شعبها دون تصنيف اسرائيل للاسرائيليين اليهود, فترى انهم لا يستحقون التعبير عما في صدورهم وعقولهم امام مزاعم الصهاينة وادعاءاتهم, بل وممارستهم بأن فلسطين كل فلسطين يهودية ولليهود فقط؟ ومما لا أفهمه, وهو سر جهلي كله, لماذا لم يشر رئيس السلطة الفلسطينية, أو رئيس المجلس المذكور, يوما, بأن الكلمة في نهاية المطاف هي لشعب فلسطين, لا لرئيسه ولا لقيادته ولا لمجلسه الذاتي! لماذا؟ ما من رئيس أو مسؤول اسرائيلي الا وردد هذه المقولة عشرات المرات, وبخصوص قضايا ثانوية أين منها قضية المصير؟ وبعد... فإن السؤال المركزي الذي نرغب في توجيهه الى رئيس المجلس, هو: الى متى يستطيع مجلسه الاستمرار في شرعيته خلال مرحلة (الفجوة السياسية والقانونية) التي اشار اليها؟ نحن نعرف ألا نصوص في اتفاقية أوسلو حول مثل هذا الوضع, والحديث عن مرجعية تحكيمية هو كلام هباء لأن اسرائيل لن ترضى بأية مرجعية. كما نسأل (أبوعلاء) ان كان قد جال بخاطره شيء كان يسمى بــ (منظمة التحرير الفلسطينية) التي تم توقيع الاتفاقية المذكورة باسمها. هذه المنظمة, هل بقي لها من دور, وإن كان الامر كذلك, فأين مجلسها الوطني ــ سلطة القرار فيها ــ بل أين رئيس هذا المجلس الذي رأيناه آخر مرة في همروجة استقبال كلينتون اثناء جلسة الغاء ميثاق هذه المنظمة!! هل من مشروع فكرة للعودة الى احترام الناس واشراكهم في تقرير مصيرهم, أم ان النفوس ما زالت على ما ضمرت من تنكر لمسيرة الثلاثين سنة الأخيرة من نضال شعبنا؟ وإلى ان نغير ما في أنفسنا لن تغير اسرائيل سياستها وممارستها, ومن لا يصدق, فليقرأ اسطورة (الجنوب اللبناني) من كتاب مقاومة الاحتلال الصهيوني.