عندما نلاحظ اليوم انه اصبح من المستعصي عقد قمة عربية منذ سنوات, وذلك رغم تجدد ظروف تدعو الى انعقادها ورغم بذل جهود من اجل جمع القادة العرب لمناقشة المشاكل المطروحة عليهم, فإننا لا نرى في هذا الامر الا ظاهراً يخفي وراءه واقعاً أعمق هو الذي يفسر وجوده , ونرى ان الواقع العميق الذي يعوق البلدان العربية عن الاجتماع في مستوى قادتها للتشاور هو ما يمكن ان ندعوه بضعف النظام العربي ضمن النظام العالمي الحالي. نود, اذن, ان نضع صعوبات القمة العربية في اطارها الاوسع وان نبحث في مظاهر ما سميناه بالنظام العربي الذي نراه الآن ضعيفاً بالقياس الى الدور الذي يطمح العرب الى ان يلعبوه في العالم المعاصر والى المكانة التي يتصورنها لانفسهم في هذا العالم, علماً بأنهم يستندون الى قيمة يستمدونها من تاريخهم ومن مساهمتهم الحضارية في التاريخ الانساني بصفة عامة, ومن القوة التي كانوا يظهرون بها في العالم في زمن حضارتهم. لا يستطيع العرب اليوم ان يجتمعوا لتبادل الرأي واتخاذ الموقف اللازم ازاء ما يعرض على منطقتهم من اشكالات, مع انهم خارج عدم قدرتهم هذه ينطلقون من تصور مثالي عن امكانية لوحدتهم, هناك, اذن, تناقض لا بد من الوقوف عند مظاهره التي تمثل جملة من العوائق التي تعوق تأسيس نظام عربي يجعل المنطقة العربية تأخذ المكانة اللائقة بها ضمن نظام العالم الراهن. لا بد لمعالجة هذا الامر من البداية بالواقع الماثل لكل ملاحظة, وليس بالرغبات المعبر عنها او بالآمال المعقودة على قيام نظام عربي موحد تستطيع البلاد العربية بفضله ان تلعب دورها الذي تريده وتأخذ مكانتها التي تتصورها لنفسها, والواقع الماثل للملاحظة هو وجود دول عربية متعددة لكل منها كيانها المستقل على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري, وعلى صعيد العلاقات خارج المنطقة, بل احياناً الولاءات لبعض سياسات الدول الكبرى ذات النفوذ على الصعيد العالمي. وجود منظمة تهدف الى تنسيق عمل البلدان العربية ينبغي ان يفهم في هذا الاطار, فالجامعة العربية منطلقة في اساسها من القرار بوجود دول عربية يمثل كل منها كياناً مستقلاً يعامل ويتعامل على هذا الاساس, وبقدر ما استجاب قيام الجامعة العربية لهذا الواقع عمل ايضاً على دعمه, وكل ما صدر عن الجامعة العربية من مواثيق ومعاهدات كان يهدف الى دعم التعاون بين هذه البلدان, ولم يكن يعكس رغبة في الوحدة الاندماجية المثال التي حركت كثيراً من الحركات السياسية والشعبية داخل البلدان العربية, بتعبير آخر وجود الجامعة العربية سير في طريق آخر غير طريق الوحدة الاندماجية, واذا ما اردنا ان ننظر الى تلك الجامعة بوصفها اساساً لنظام عربي موحد, فإن هذا النظام سيكون وحدة في العمل من اجل تشكيل نظام جهوي تكون بلدانه مستقلة كل بذاتها, وذلك على شاكلة الانظمة الجهوية الاخرى التي اصبحت تشكل مظهراً من مظاهر عالمنا المعاصر. من المنظور الذي حددناه للنظام العربي الممكن ننظر الى ما هو مشترك بين البلاد العربية من تاريخ ولغة وثقافة وعقيدة بوصفه اساساً موضوعياً لتعاون مطلوب من تلك البلدان في الوقت الحاضر, حتى تتمكن من تشكيل نظام جهوي, علماً بأن تشكيل هذا النظام هو الطريق الى اتخاذ مكانة ضمن النظام العالمي الراهن. تقصد البلاد العربية ان تأخذ مكانتها ضمن عالم معاصر له خصائصه ومعاييره, ويمكن ان نقول ان المعيار الاساسي في هذا العالم هو القوة, علماً بأننا لا نقصد بذلك القوة العسكرية وحدها, بل ايضاً القوة الاقتصادية والمالية والصناعية والتجارية والعلمية والتقنية, كما تعني القوة ايضاً تماسك النظام السياسي وتكامل ادوار مؤسساته ومن الواضح ان اي بلد عربي بمفرده غير قادر على الاستجابة بفضل سياسة منفردة على الاستجابة لذلك المعيار المميز للعالم المعاصر. فالقوة لا توجد اليوم بكل مظاهرها سالفة الذكر الا لدى البلدان التي هي في حد ذاتها وحدة كبرى, او لدى ما تشكل في العالم من مجموعات متكاملة من البلدان المتقاربة جغرافياً والتي تجمعها عوامل مشتركة متعددة, مثل الوحدة الاوروبية. اذا نظرنا الى النظام العربي المأمول وفق هذا المنظور, ورأينا ان المعيار الذي يضمن المكانة ضمن النظام العالمي غير متوفر, فإن التراث الحضاري المشترك بين البلاد العربية سيغدو اقل قيمة وصلاحية, كما ان المفهوم المثالي عن الوحدة الاندماجية سيظل مفارقاً للواقع ان لم يتجسد في سياسات واجراءات تهدف الى تحقيقه. يبدو ان الفكر العربي اليوم مدعو الى المساهمة في رفع التناقض في الواقع العربي بين الفكرة المثالية عن الوحدة الاندماجية وبين ضعف التنسيق الذي يشكل من المنطقة العربية نظاماً جهوياً. فالدراسات التي انجزت حول التكامل متعدد المستويات بين البلاد العربية قليلة لا تكفي لمعرفة العوائق التي تقف في سبيل قيامه وتطوره ولا غنى عن قيام دراسات جديدة تعطينا نظرة عن العوامل البعيدة او القريبة في الزمن والتي اثرت في سيرورة الواقع في المنطقة العربية, ولا تقل دراسة عوائق التكامل, في نظرنا, من حيث قيمتها في معرفة الواقع عن دراسة العوامل المساعدة على تطوره. من مظاهر الاختلال في النظام العربي المأمول ان البلاد العربية سعت في احيان كثيرة الى طرح مشكلاتها خارج اطار المنظمات المنسقة بينها, واهمها الجامعة العربية, فأدمجت هذه المشكلات ضمن اطر قد تكون اوسع, ولكنها تفرض على التفكير في المشكلات وحلها معايير جديدة قد تكون معارضة لتلك التي يمكن التفكير بها في نفس المشكلات لو انها طرحت على الصعيد العربي. لا ننكر من جهة اخرى ان السعة الجغرافية للمنطقة العربية جعلت بعض بلدانها ذات انتماء افريقي, وبعض البلدان الاخرى ذات انتماء آسيوي, ولا ننكر كذلك ان يكون لهذه الانتماءات التي تتقاطع مع الانتماء العربي لدى كل دولة وتتزاوج معه أثر في سياسات البلدان العربية وفي تشكل المعايير التي تنظر منها الى مشكلاتها, لا شك في ان طرح بعض مشكلات البلدان العربية ضمن اطر هذه الانتماءات الاخرى يكون طبيعياً اذا ما كانت تلك المشكلات قائمة بين بلد عربي وبين بلد آخر غير عربي له نفس الانتماء الجغرافي, ولكن الامر يخرج, في نظرنا عن طبيعته, حين يكون بين بلدان عربية ويقع التفضيل مع ذلك لطرحه ضمن منظمات جهوية اخرى. فإن من شأن ذلك ان يعوق قيام النظام العربي المأمول له ان يلعب دوراً ايجابياً في النظام العالمي, فالنظام العربي يساهم بذلك في اضعاف ذاته عكس ما هو مطلوب منه. ينبغي, اذن, البحث في الشروط الذاتية التي تجعل البلدان العربية لا تطرح مشكلاتها وفقاً لمعاييرها, وتخضع هذه المشكلات لمعايير نظم اخرى غير نظامها الجهوي, هذا من الاسئلة التي تطرح على الفكر العربي اليوم.