في مقال الاسبوع الماضي استعرضت العديد من القضايا التي نغرس من خلالها في الجيل القادم روح (الأنا) أو الذاتية أو العزلة فتحدث المقال عن العزف المنفرد... واستعرضنا بعد ذلك بعض الآليات التربوية في الاسرة التي تؤكد على التمحور حول الذات خلال قصة آمنة التي ارادت امها ان تكون نسخة منها, ودفعنا النمو البشري الى استعراض ما تقوم به المدرسة في هذا الاطار خلال اساليب التربية المقصودة او غيرها وشاهدنا كيف تربى حميد ليكون نسخة من استاذه من الابتدائية حتى حصل على الدرجة الجامعية الاولى التي اكدت له ان النجاح انما يكون بنقش ما يكتبه المعلم في الذاكرة ومن ثم نسخ ذلك الى ورقة الامتحان, وفي نهاية المقال كان السؤال للقارىء الكريم يدور حول خطورة هذه الاساليب التربوية, وهانحن معا لمحاولة الاجابة على هذا التساؤل ومن ثم البحث عن نموذج افضل عندما استعرضنا لقصة حياة آمنة وحميد نرصد العديد من السلبيات من ذلك: ندرة الرابحين: في اسلوب التربية الذي يدور حول نجاح ذات الفرد دون الانتباه الى الآخرين أدى الى ندرة المتفوقين والبارزين في المدرسة او المجتمع, فمن المعروف ان مهارة العزف المنفرد في الحياة هبة من الخالق سبحانه لايجيدها الا القليل والعكس صحيح, فخلال العزف في الفرقة بامكاننا ان ندرب اعدادا كبيرة من الناس على ذلك والمقصود بهذا التشبيه النجاح في الحياة. التنافس المرضي: التنافس مفهوم ايجابي متي ما كان يدفع الناس الى النجاح ولكنه في تربيتنا دفع كثيرا من الناس الى الاعتقاد ان نجاحهم لا يكون او لن كون الا اذا فشل الغير وهذا التناحر ولا شك ادى الى وجود شروخ في المجتمع قد لا تلتئم, لان هذه التربية اوجدت نفس الفكرة في مؤسسات المجتمع. وهنا ادعوك يا من تقرأ هذه العبارة ان تبحث في موقع عملك عن امثال هؤلاء الناس لانهم عينة نتجت من هذا النوع من التربية. بيئة النجاح ان تربية الانسان ليكون فردا دونما جماعة جعلت البيئة تشجع على الفشل بدلا من النجاح, مما دفع اعدادا ليست بسيطة من الناس الى الهجرة الى العالم الاخر حيث برزت شخصياتهم وانتشر عملهم وابداعهم. نسخ غير اصلية هذا النوع من التربية اوجد عندنا نماذج عن اصول, وفي غالب الامر لا تكون النسخة بجودة الاصل, وبالذات اذا كانت النسخة قد سحبت خلال آله ضعيفة فيتراكم الضعف ويكون كل جيل اسوء ممن كان قبله. المسايرة الى الهاوية في تربية يسودها جو الخوف من الكبير (الاهل او المعلم او المدير) يتدافع الناس الى المسايرة لكي يعدوا من الناجحين هذه المسايرة جعلت الضعاف هم البارزين على حساب المبدعين الذين تأبى عليهم عقولهم الخنوع مما قطع امامهم سبل النجاح في عالمنا, وكان لذلك نتائج سالبة على المجتمع حيث اصبح واقفا في زمن الحراك. لو اردنا الاستمرار في سرد سلبيات هذا النوع من التربية لما كفتنا صحائف الجريدة كلها ولكني على ثقة في عقول من يتابع هذه الزاوية, دعونا ننتقل الى تجربة جديدة للتربية داخل الاسرة او المدرسة. سلمى هي فتاة اختارت امها هذا الاسهم لانه يحمل اسم احدى كرام النساء اللائي كان لهن دور كبير في الفتح الاسلامي, في هذه العائلة الصورة عكست ماهو عليه الامر في اسرة علياء, فقد كان قرار الزوجين مرسوما من زمن وهو يعطي الامر صلاحية اختيار اسم المولود الانثى للام والعكس صحيح لذلك. احترمت الاسرة الممتدة هذا الاسم بدأت سلمى سلالم التربية بالحب الذي يحيطها به اهلها, وهنا نؤكد على ان الحب هو افضل طرائق التربية وهو لا يعني الدلال او (الدلع) في اسرة سلمى. نجد ان سرير نومها الصغير مدرسة كبيرة فهو غني بالالوان والاصوات فكلما التفتت جانبا منه رأت رسمة جميلة او سمعت كلاما رائعا, وهاهي تنمو الصغيرة سلمى لترى ان هناك كتبا جميلة صنعت من مادة لا تتلف بسبب الماء او اللعب تقلب سلمى هذه الالعاب والكتب كلما تحركت تأخذها على صدر والدها المليء بالحب والحنان فكثيرا ما دخلت عليه وهو منهمك في القراءة او التعامل مع الحاسب الآلي الموجود في صالة المنزل فلا يتمالك براءة اغراء سلمى الصغيرة فيعانقها ويقبلها ويلعب معها. وتشارك سلمى الاسرة في معظم الانشطة من طعام ونزهة بل انها بدأت تحضر معهم الاجتماعات التي تعقدها الاسرة لتخطيط البرامج والانشطة, انها اسرة تؤمن بالتربية خلال المتعة وليس الدمعة. وبدأت سلمى تعبث بالحاسب الآلي بعد بلوغها العامين حيث اشترت لها امها اشرطة مناسبة لعمرها, وبدأت شخصية سلمى في البروز المتقلب مع تقدمها في العمر حيث تعطيها امها فرص لممارسة اتخاذ القرارات الشخصية مع وجود الرقابة البعيدة, فهي تقضي الساعات معها في محلات الالعاب الى ان تقرر سلمى شراء اللعبة المناسبة لها, وتعيش معها نفس الوقت لاختيار الملابس او بعض الكماليات وحتى نقشة الحناء! بدأت سلمى تتجه الى ذوق ينافس امها وكل ذلك في جو من السعادة لان الأم الناجحة هي التي تسمح بالنمو الطبيعي لبنتها بعد ان تحدد لها القواعد العامة التي لا ينبغي تجاوزها شرعا او عرفا, وما كان داخل هذه الاطر فالخيار واسع لسلمى لذلك بدأت الفتاة الصغيرة تنافس امها جمالا وثقافة كيف لا وقد حظيت بفرص لم تكن متاحة لوالدتها! هذا الامر لم يدفع الام الى الغيرة ولا سلمى للتطاول على من ربتها بل هي تدين بكل ذلك لحبيبتها الوالدة, وهاهي سلمى تبلغ العاشرة لتقيم لها الاسرة حفلة جميلة حضرها العشرات من الاصدقاء, حيث اعلنت سلمى من هذا اليوم المحافظة على الصلاة المكتوبة والتي تعودت عليها من صغرها. ومرت الايام سريعا وبدأت تتعلم هذه الفتاة فقه المرأة المسلمة بتوجيه من الوالدة عبر قنوات كثيرة فهي تذهب الى الجمعية النسائية في حيها لتشارك من هم في عمرها ميادين العلم والترفيه, ودخلت في احد النوادي الرياضية المخصصة للنساء لتحافظ على رشاقتها حيث تعلمت العديد من الرياضات ولكنها احبت السباحة. وبلغت سلمى مرحلة كانت مهيأة لها وهاهي الطلبات تتابع على امها فما دخلت سيدة المنزل إلا وتمنت سلمى لولدها (والقرار عند البنت) هذا ما تقوله ام سلمى حيث تخرجت من الجامعة وفرزت الطلبات التي وصلتها خلال الام لتوافق على زوج المستقبل الذي بارك الوالد اختياره فهو مكافىء لفتاته خلقا وثقافة وادبا واذا بسلمى تتعلم من امها فنون الحفاظ على قلب الزوج وتربية الابناء... هكذا كانت سلمى اصيلة في فكرها وسلوكها تعودت على ان القرار لا يكون إلا بعد تفكير ولا تفكير إلا بدراسة وهذه لا تكون إلا بقلم يجري على ورق يتشارك الناس في اتخاذ قراراتهم فلا يوجد اسوأ من ان يعيش الانسان فردا وهو وسط جماعة... ان البيئة الآمنة التي هيئتها الاسرة لسلمى لم تجعلها تتطرف او تشذ بل سمحت هذه البيئة لقدراتها واستعداداتها للنمو الطبيعي مما هيأ للمجتمع نواة صالحة لاسرة المستقبل ولبنة قوية في بناء الدولة. ومرت الايام وهاهي سلمى تدخل على اهلها تحمل مولودها الاول (خليفة) ذلك الاسم الذي سماه اياه ابوه ليكون خليفة خير في هذه الاسرة فيحمل والد سلمى خليفة ويضعه على صدره وهنا تتسرب دموع من عيني سلمى وهي تتذكر ماحفظها والدها: طفح السرور بي حتى أنني من عظم ما قد سرني أبكاني تذكرت سلمى هذا الصدر الذي طالما لعبت عليه, وقالت بارك الله فيكم على تربيتكم وأسأل الله العون على تربية خليفة فهو سيعيش زمانا غير زماننا لذا هو بحاجة الى تربية جديدة. عيسى هذا الشاب هو اخو سلمى الشقيق, وحياته ستكون موضوع حلقتنا القادمة, وقبل ان نستعرض حياته دعوني انقل لكم هذه القصة من اليابان كما وردت في احدى جرائد الدولة انها قصة الفتى (كازيوكي ناكانو) خلال حصة الارشاد والتوجيه التي تعقد بصورة دورية في المدرسة الثانوية اليابانية, سأل الاستاذ (تاميلويوشي) تلميذه (كازيوكي ناكانو) : ما المهنة التي ترغب في الحصول عليها يا (كازيوكي) ؟ وجاء جواب (كازيوكي) على الفور: ما ارغب فيه ليس الحصول على عمل, بل خلق فرص عمل للآخرين! ضج التلامذة بالضحك, وحتى الاستاذ لم يتمالك نفسه عن الابتسام... لكن (كازيوكي) لم يكن مازحا في جوابه على الاطلاق. كان في الثامنة عشرة من عمره, وكان يسكن مع اهله في بلدة (فونباشي) القرية من طوكيو, وبموافقة والده ومساعدته المالية اسس (كازيوكي) في احدى غرف المنزل الامامية شركة خاصة لخطوط الانترنت وشبكات المعلوماتية المحلية. اطلق (كازيوكي) على شركته اسم (ستاني) ومساعدة والده اقتصرت على الناحية المالية فقط, فيما اهتم هو شخصيا بكافة مسائل الشركة, الادارية والتقنية! (كازيوكي) اصبح في العشرين من عمره الآن, وشركته اصبح عمرها عامين, والاعمال مزدهرة تماما بحيث انه يخطط للشروع في توسيعها قريبا جدا. وكيل كلية التربية