في يناير الماضي اصدرت مجموعة من المثقفين المصريين نداء اطلقت عليه اسم نداء القاهرة, ونشرت نصه بعض من الصحف العربية, كان آخرها جريدة (السفير) البيروتية في العاشر من الشهر الجاري - وكان جوهر النداء يتركز على كونه مشروعا عربيا لانهاء (الحصار) على بغداد واقامة حكم ديمقراطي في العراق. وفي الاسبوع الماضي طاف وزير الدفاع الامريكي وليام كوهين عدة دول عربية في الخليج وخارج الخليج للحديث عن الوضع في العراق, فأكد للصحافة ضرورة احداث تغيير للحكم في بغداد, كما شددت مسؤولة الشؤون العراقية في وزارة الخارجية الامريكية امام احدى لجان الكونجرس ان الجهود السياسية التي تبذل بما فيها التنسيق مع المعارضة العراقية قد ادت في الآونة الاخيرة الى نتائج مشجعة, كما اكدت ان تغيير النظام السياسي في العراق هو الهدف الذي تعمل الحكومة الامريكية من اجله, بل ونقل عنها قولها ان هذه الجهود قد تحقق التغيير في بغداد قبل انتهاء ولاية الرئيس كلينتون سنة الفين. وأنا هنا لا احاكم النوايا, لا بالنسبة لمن اطلق النداء في القاهرة, وبينهم اصدقاء اعزاء اعرف انهم يقصدون الخير ويسعون الى تحقيق المصلحة العربية العليا, كما انني غير قادر على التحقق مما اطلقه وزير الدفاع الامريكي في اكثر من محطة عربية توقف بها او تصريحات المسؤولة عن الملف العراقي في الخارجية الامريكية. ما استطيع ان اجزم به ان الملف العراقي لكثرة مافيه من اوراق واستطرادات وازمات متلاحقة, قد اضنى العديد من الدول والمفكرين كل من جانبه, وان بقاء الحال على ماهو عليه هو زيادة في تعذيب الشعب العراقي لايجوز السكوت عنها. ولعلني اذكر هنا كلمة المسرحي الالماني الشهير برتولد برخت التي يقول فيها: (لان الامور صارت الى ماهي عليه, فلن تبقى الامور على ماهي عليه) اي ان التغيير حادث حادث سواء اكان ذلك من خلال النوايا ام باتخاذ الفعل. في مشروع البرنامج الذي وقعه في القاهرة مجموعة من المثقفين تغلب على سطوره الحسرة على مايحدث في العراق, ولكن المنهج الذي يراد تحقيقه - حسب ماذهب اليه الموقعون - هو منهج يقفز من مكان الى آخر في حيرة ظاهرة, فهو لايجزم مثلا ان سياسة الولايات المتحدة ترمي الى تقسيم العراق, ولكنه يقول: (ان البعض يرى ذلك) في حين ان البعض يجزم ان سياسة الولايات المتحدة لاتتعارض مع بقاء العراق موحدا. فهي ليست على استعداد لان تعطي لايران نقاطا مجانية تزيد من قوتها, ولا ان تسبب لحليفتها تركيا مشاكل تزيد من متاعبها, والعارفون بالامور ومنهم الاكر اد في المعارضة العراقية, يؤكدون انه في كل لقاء مع مسؤولين امريكيين يشدد هؤلاء على ان تقسيم العراق هو الخط الاحمر الذي يجب عدم الاقتراب منه, فقد ثبت لكل ذي بصيرة ان هذا التقسيم هو اولا في صلب استراتيجية النظام العراقي التي يلوح بها دائما لتخويف البعض, كما انه غير وارد لا للقوى المعارضة داخل العراق ولا للقوى المؤيدة لهذه المعارضة, والارجح ان النظام العراقي هو المستفيد الوحيد من طرح امر التقسيم لانه من خلال ذلك يقدم الرئيس العراقي بوصفه الشخص الاساس والضامن الوحيد ضد هذا التقسيم. والمنهج الملتبس في البيان ايضا هو توصياته, فقد جاءت التوصية الاولى تقول مانصه: (دعوة صدام حسين للتنحي عن رئاسة الجمهورية واعتزال الحياة السياسية من اجل العراق والامة العربية مع تأمين حياته وحياة اسرته وقيادات حزب البعث, وتشكيل لجنة مؤقتة من شخصيات عراقية مستقلة تقوم بالاشراف على عملية التحول الديمقراطي) . وكما قلت فانني لا اشك في نوايا الزملاء الموقعين على هذه الوثيقة او الدوافع التي جعلتهم يوقعون عليها ويسعون الى نشرها الى الكافة, الا ان الشك يداخلني في مدى عمق فهم هذه النخبة من الكتاب للنظام العراقي القائم, بل في مدى فهمهم لطبيعة وشكل الحكم في بلاد مابين الخليج والاطلسي, بل واسلوب الحكم في العالم الثالث عامة, اتراه احد الاحلام الطوباوية التي تنتاب المثقفين احيانا والتي تجعلهم يتصورون ان في الامكان استبدال القوة بالحكمة والسلاح بالكلمة, والاستبداد بحكم العقل ام انهم يتكلمون عن واقع آخر ورؤى اخرى لاتعرف عنها شيئا؟ لقد تحدث البيان ايضا عن (الازدواجية والكيل بمكيالين) ولا اجد ازدواجية في الفهم لطبيعة الامور اكثر من مطالبة صدام حسين لاعتزال الحياة السياسية من اجل (العراق والامة العربية) دون ان يدركوا ان كل ماحدث كان السبب الرئيسي فيه هو ان يظل هذا الرئيس على سدة السلطة مهما كان الثمن ومهما حدث من نتائج. أهم ما يلفت النظر في البيان عدم فهمه للمدى الذي سار فيه النظام لتخريب العراق, فقد راح جيل من شباب الشعب العراقي ضحية الحرب مع إيران التي دامت ثماني سنوات, وفي الوقت نفسه سقطت الطبقة العراقية المتوسطة, بكل تقاليدها, في فقر مدقع, وحال القمع المتوحش والحرمان الاقتصادي من قيام معارضة تتسم بتقاليد ديمقراطية أو حتى شبه ديمقراطية, لم يحطم صدام حسين الشعب العراقي, بل وأيضا قضى على كل إمكانات إدخال تغيير سياسي في البلد, مجموعة من الموالين الخائفين ورعية لاتعرف لها اتجاها ظاهراً, لقد قال لي أحد العاملين داخل مؤسسة النظام العراقي حتى الان في إحدى الندوات العربية: (إن المصيبة الحقيقية ليست في الخراب الذي أصاب المؤسسات العراقية, ولكنها في الخراب الذي أصاب العقل العراقي والروح العراقية, وهما المجالان اللذان عمل النظام على تخريبهما مع سبق الإصرار والترصد) . أما الموقف الأمريكي والتصريحات التي تحدد موعدا ثابتا أو شبه ثابت للإطاحة بالنظام العراقي, فإني أراها في أقلها تصريحات غير ناضجة. لقد ثبت الآن بعد العديد من التجارب القاسية, أن استخدام لجان الأمم المتحدة للرقابة على النشاط التسليحي العراقي تحوطه المخاطر في الاستمرار, ومليء بالثغرات عند التطبيق, ويستطيع النظام العراقي ــ كما حدث بالفعل ــ أن يتخلى عن عمل هذه اللجان والقرارات التي تدعمها بجرة قلم, فلم يعد تطبيق قرارات مجلس الأمن قادرا على احتوائه, كما أن القصف العشوائي المستمر قد لا يحقق الأهداف المطلوبة منه. على العكس من ذلك فإن الاستراتيجية التي أصبح النظام العراقي يتبناها الان هو أن يستدرج الولايات المتحدة الى الاشتباك, وهو يدرك جيداً من تجاربه السابقة أنه اشتباك محدود, كما أنه يبقي القضية العراقية على جدول أعمال العالم في كل وقت, عن طريق الاستفزاز والتصريحات الحادة. بقاء الحال على ما هو عليه في نفس الوقت يعرض أمن المنطقة وسلامتها الى الخطر, كما يواجه إقليم الخليج عدم استقرار قد تتضاعف نتائجه السلبية في ضوء الوضع الاقتصادي والديمجرافي شديد التغيير. المشكلة التي تواجه إقليمنا أن هناك قوة إقليمية لا يمكن النظر الى تصرفها السياسي على أنها سوية لافي الداخل ولا في الخارج. التصرف السياسي للنظام العراق غير ممكن التنبؤ به في الجوار, كما أن مطالبه الإقليمية متغيرة ومتبدلة, والنظام العراقي لا يريد أن يخرج من دائرة العنف الداخلي ولا الخارجي, وهو مازال يشن حربه المتواصلة ضد رموز المواطنة عنده وآخرها في اغتيال أحد أعلام الشيعة حين تنامى الى علمه أنه ينوي السير ليفك الحصار الذي فرضه هذا النظام على مدينة كربلاء, وبالتالي يتعذر أن نتوقع استقرارا في داخله, وفاقد الشيء لا يعطيه, فالوصول الى تعاون إقليمي مطلوب عقلا ومصلحة للكثيرين في الخليج, لا يمكن أن يتوافر في الوقت الحالي والنظام العراقي الحالي قائم, مفهومه القاصر للتعاون ظهر بوضوح بمد احتلاله الكويت (وهذا مثل فقط) فقد قرر على طريقته الصبيانية في الرابع عشر من أغسطس سنة 1990 أن يوافق على كل طلبات إيران تحت قرار الأمم المتحدة رقم 598 والخاص بالحرب العراقية ــ الإيرانية, فقد وافق على تنصيف شط العرب حسب معاهدة ,1975 وشط العرب هو جوهر الصراع الطويل بين العراق وإيران, كما وافق على انسحاب جميع القوات العراقية الى المواقع التي كانت عندها في سبتمبر ,1980 ورجوع كل الأسرى الإيرانيين غير المشروط لبلادهم, ولكن إيران وجدت أن كل هذه (الموافقات) هي تنازلات وقتية للحصول على الجائزة الأكبر وهي احتلال الخليج والسيطرة عليه, وهي حادثة من أحداث تدل قطعا على صبيانية عراقية في العمل السياسي الخارجي غير مسؤولة. أحد المخارج المقترحة لهذا المأزق الذي طال كثيراً وسبب الكثير من العناء للعراقيين وجيرانهم, هو الموقف الإقليمي ــ خاصة دول الجوار ــ وقد بدا أن إيران التي وقفت موقف الشك لفترة طويلة بدأت في تفهم الموقف الشائك, ولن يصل هذا الفهم الى نتيجته الحتمية إلا من خلال موقف أمريكي متفهم أيضا للإيرانيين, فهي تشكل الآن قوة إقليمية تحت قيادة الرئيس خاتمي مستقرة وناضجة وقادرة على التغاير وفق منطق دولي مستقر, وتعاون الإيرانيين في المستقبل يمكن أن يشكل حجر الزاوية لمساعدة قطاعات واسعة في المعارضة الداخلية ويمكن أن يضمن الاستقرار في المستقبل لهذه المنطقة, وكذلك من جهة أخرى سوريا, فتعاونها لإيجاد مخرج معقول في العراق هو أساسي لتفريج هذه الكربة, ولكن ذلك التعاون لن يأتي بالتمني, فسوريا لها أيضا أجندتها الخاصة من الولايات المتحدة مثلها مثل إيران, لذا فإن العمل من خلال دول الجوار هو الذي يسرع في تفريج هم المواطن العراقي. ذلك هو الفارق بين العمل السياسي الخاضع لحسابات المنطق وبين حدس العرافات التي تفتح الودع لترى إن كان النظام العراقي سينتهي بعد نقطتين أو مائتي نقطة وبين تمنيات المثاليين في الطلب من صدام حسين التقاعد السياسي متجاهلين مدى شراسته في الدفاع عن نفسه وعن نظامه.