كان معروفا ان الانسان لا يترك وطنه ولا يهجر اهله إلا مضطرا, اليوم صارت الهجرة والدخول الابدي في التيه والغربة حلما للكثيرين من البشر في انحاء الكرة الارضية . اصبحت الهجرة اليوم هروبا من واقع بشع يشعر فيه الانسان بمصادرة تامة لحريته ولحقوقه ولانسانيته, فيراوده هاجس (الترك) أو الرحيل إلى حيث يعتقد بأنه سيسترد هذا الذي صدر منه, ومعه سيسترد انسانيته وقدرته على الحركة في كل الاتجاهات, من هنا نعرف ان السياسة والاقتصاد هما دائما دافعا الطرد من بيئة ما وهما ايضا عاملا الجذب لبيئة اخرى. ودائما ما اتوقف امام الاخبار التي تعرضها علينا شاشات التلفزة أو وكالات الانباء الصحفية عن اولئك (المساكين) الذين يفرون من جحيم ديكتاتوريات جزر المحيط الهادي مثل (تاهيتي وكوبا وغيرهما) أو انظمة امريكا الجنوبية سيئة السمعة إلى الولايات المتحدة, بلد الاحلام الاقرب والخيار الافضل بالنسبة لهم, وكم يدفع هؤلاء الفارون ثمنا لهذا الفرار؟ انهم ان لم يتمكنوا من الوصول والدخول بسلام إلى الاراضي الامريكية فهم معرضون لمجهولين كلاهما امر من الاخر. فالهجرة غير الشرعية إلى أي مكان أو بلاد في العالم مصيرها معروف قانونيا, واحكام السجن طويل الامد ماثلة في اذهان اولئك الحالمين بالهجرة والوطن البديل, ومع ذلك فان اصرارهم على الهجرة يكشف حالة الانتحار الثابت بيقين في نفوسهم حيث الواقع الذي يرزحون تحت بؤسه اشد بشاعة من هذا الانتحار في سجون بلاد الهجرة. المجهول الاخر والذي يطرح نفسه كحقيقة منذ خطوات الشروع الاولى في مسيرة التيه المحرم هو الموت غرقا في لجة المحيط الهادي بالنسبة لهؤلاء الذين يهاجرون من الجزر أو الموت بيد خفر الحدود أو ظروف الجغرافيا والمناخ الاخرى, ومع ذلك فحتى الموت لا يمنعهم من اتخاذ قرار الهجرة, انهم يفرون من الموت إلى الموت ومع ذلك يفرون اليه لانهم يرونه قرارهم الوحيد الذي امكنهم اتخاذه والاصرار عليه. لقد صار النازحون والمهاجرون والفارون والمدفوعون دفعا نحو الضياع والغربة أو المهجرون قسريا, كل هؤلاء صاروا جرحا مفتوحا نازفا في خاصرة العالم والانظمة التي تصر على انها تقدمية وديمقراطية وليبرالية, وانها تسعى دائما من اجل خدمة الوطن والمواطن, المشكلة ان هذا الجرح مفتوح امام جميع الاعين التي تتفرج عليه وكأنه قصة للتسلية أو فيلم صنع بدقة لاجل متفرجين ذوي مزاج لا انساني. وحينما ارادت الانظمة واراد العالم الحر الديمقراطي ان يريح ضميره من ارق التفكير في اوضاع هؤلاء انشأ لهم وكالة أو مفوضية تابعة لهيئة الامم المتحدة تحت مسمى (مفوضية شؤون اللاجئين) لاتفعل اكثر من تكريس واقعهم, وادماجهم حتى الابد في واقع التيه والتشرد وحياة الخيام واللا هوية, اما ان تفكر المنظمة العالمية في اصل مشكلاتهم وان تقرر حلها, فهذا ما لا يخطر على بال اصغر موظف بائس وربما مهاجر ايضا في اروقة الامم المتحدة.