تتصاعد الخلافات الاسرائيلية حول عملية التسوية مع الفلسطينيين بخاصة مع اقتراب عملية الانتخابات . وما يسترعي الانتباه ان هذه الخلافات تعزز لدى بعض الأوساط في الساحتين الفلسطينية والعربية المراهنة على طرف اسرائيلي ما, هو في هذه الحالة حزب العمال (ومعه حركة ميريتس), على أساس انه في حال نجاح (اليسار الاسرائيلي) فإن عملية التسوية المنشودة ستسير وفق ما يتمناه هؤلاء المراهنين!. بداية لابد من الاشارة إلى ان هذه المراهنة إنما تستند إلى رؤية مبسطة لواقع الحياة السياسية في اسرائيل ولطبيعة النظام السياسي فيها ورؤيتها لذاتها ولدورها في المنطقة. ففي الحقيقة فإن الخلافات المذكورة هي شيء طبيعي في الاطار الاسرائيلي, فهي تعبير عن حالة التنوع السياسي والفكري فيها, كما انها شكل ضروري لتنظيم التناقضات الاثنية والفكرية والسياسية والطبقية للحفاظ على الاستقرار وتوازن العلاقات في هذه الدولة المصطنعة. ومن ناحية ثانية فإن الخلافات بين مختلف الأطراف الاسرائيلية هو خلاف حقيقي ويزداد حدة يوما بعد يوم, وثمة فروق بين الأحزاب الاسرائيلية, في الموقف من عملية التسوية بين معتدلين ومتشددين, ولكن هذه الفروق تتعلق بهم, أكثر من كونها تتعلق بنا, فهذا الخلاف في الواقع إنما يدور في حقيقته حول تصور كل طرف لأفضل السبل التي تمكن اسرائيل من الاستقرار والتطور وتعزيز دورها ومكانتها على الصعيدين الاقليمي والدولي. وبهذا المعنى فإن الخلافات الاسرائيلية ليس لها علاقة بمدى استجابة هذا الطرف للحقوق الفلسطينية والعربية, وإن كانت تتضمنها. أيضا ثمة فرق بين وجود خلافات اسرائيلية في حالة عربية ضاغطة على اسرائيل, وبين وجودها في ظل حالة من الضعف والتمزق العربيين, ففي الحالة الأولى يمكن استثمار هذه الخلافات وتوظيفها بما يخدم الحقوق العربية, أما في الحالة الثانية فإن هذا الأمر يمكن لاسرائيل أن تتغلب عليه بحكم طبيعة النظام السياسي, وبحكم مستوى الديمقراطية في الحياة السياسية الاسرائيلية. أخيرا وبغض النظر عن كل ما تقدم فإن المراهنة على هذه الخلافات في هذه الأوضاع غير المواتية للعرب, هي مراهنة خاطئة بالنظر إلى التوافق بين التيارات الاسرائيلية الرئيسية حول القضايا المطروحة على جدول أعمال مفاوضات المرحلة الدائمة والتي تضم قضايا: اللاجئين, القدس, المستوطنات, الحدود, الترتيبات الأمنية, وهذا هو موضوع حديثنا هنا. المقاربة الاسرائيلية لمفاوضات الوضع الدائم يمكن تحديد ملامح المقاربة التفاوضية الاسرائيلية في مفاوضات الحل الدائم على الشكل التالي: 1 ــ الرفض المطلق, للانسحاب من كل الأراضي الفلسطينية المحتلة, والمطروح في هذا المجال الاحتفاظ بنحو 52% من هذه الأراضي بحسب مقاربة بعض جنرالات الجيش المقربين من الليكود, بينما تطرح بعض الأوساط الأكاديمية والأمنية والسياسية الاحتفاظ بنحو 27% من أراضي الضفة والقطاع, وثمة مقاربة أخرى تطرح الاحتفاظ بشريط على طول الخط الأخضر بعمق 10ــ15 كم داخل الضفة الغربية. وتطالب هذه المقاربات بضرورة الاحتفاظ بمناطق غور الأردن (في اطار سيادة أمنية أو سيادة كاملة), وبمنطقة القدس الكبرى نظرا إلى أهميتها لاسرائيل, وهي تشكل 20% من مساحة الضفة وتشطرها إلى قسمين, شمالي وجنوبي, وبمناطق المستوطنات الكثيفة السكان والقريبة من القدس, خصوصا مع الاحتفاظ بتواصل اقليمي بينها وبين اسرائيل, ثم سفوح جبال نابلس والخليل نظرا إلى أهمية هذه المناطق من النواحي الأمنية والمائية, وهنا أيضا يوجد خلاف على مدى السيادة (كاملة أم وفق ترتيبات معينة). 2 ــ الاحتفاظ بكتل المستوطنات في الضفة الفلسطينية خصوصا, انطلاقا من رفض اسرائيل الانسحاب الكامل, وانطلاقا من حق اليهود في الاستيطان في أرض اسرائيل الكاملة, بالاضافة إلى الأهمية الأمنية للمستوطنات. أما التمايزات في المواقف الاسرائيلية, فهي تنبثق من رؤية كل طرف لأهمية بعض المستوطنات, من الناحية الديمغرافية والأمنية ومن ناحية قربها من القدس. والتصورات الاسرائيلية تقترح ضم التجمعات الاستيطانية الرئيسية إلى السيادة الاسرائيلية, وخصوصا الكتل الاستيطانية المحيطة بالقدس, والمحاذية للخط الأخضر (بهدف توسيع خاصرة اسرائيل الضيقة في منطقتي طولكرم وقلقيلية). أما بالنسبة إلى التجمعات الاستيطانية المتناثرة فتقترح بعض التصورات امكان اجراء ترتيبات خاصة مع الفلسطينيين (حيث تبقى هذه المستوطنات في الاطار الاقليمي للكيان الفلسطيني) على أساس أن يحافظ الاسرائيليون على جنسيتهم الاسرائيلية, مع ضمانات أمنية يتفق عليها. 3 ــ وإذا كان يمكن الحديث عن مقاربات اسرائيلية لايجاد حلول وسط, لقضيتي الحدود والمستوطنات (من وجهة النظر الاسرائيلية) فإنه بالنسبة لقضية القدس تكاد تغيب أية مقاربة جدية تعطي الفلسطينيين بعضا من حقوقهم في القدس الشرقية. فاسرائيل بمختلف تياراتها تتمسك بالقدس موحدة عاصمة اسرائيل. وفي مقابل ذلك يجري اقتراح اقامة عاصمة للفلسطينيين, في أحياء أبو ديس التي تقع خارج حدود القدس في الخرائط الادارية الاسرائيلية, بينما تقع في لواء القدس بالنسبة إلى التقسيم الإداري في خرائط السلطة الفلسطينية, وثمة أيضا حديث عن إدارة فلسطينية للأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية. 4 ــ أما بالنسبة لقضية اللاجئين فهي القضية المستحيلة في ملف المفاوضات, وتبدو أكثر تعقيدا حتى من قضية القدس, وفي هذا المجال ترفض اسرائيل التعاطي مع أي حل على أساس حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي التي شردوا منها في العام ,1948 وهي تصر على البحث في هذا الموضوع في بعده الإنساني فقط, وباعتباره قضية اقليمية ودولية, وعلى أساس توطين اللاجئين واعادة تأهيلهم, بما في ذلك تصفية قضية اللاجئين ومخيماتهم في الضفة والقطاع وغزة. 5 ــ في موضوع السيادة والوضع القانوني للكيان الفلسطيني, وما يتعلق به من موضوعات: العلاقات الخارجية والترتيبات الأمنية والسيادة على الأرض والمياه والأجواء والمعابر والحدود, تبرز وجهات نظر لدى الأوساط الاسرائيلية تتراوح بين اعطاء الفلسطينيين حكما ذاتيا موسعا وايجاد صيغة وسط, أقل من دولة, أو منحهم الاستقلال في دولة, أو استقلال فلسطيني في اطار علاقات كونفدرالية مع الأردن و/أو اسرائيل. أما أصحاب صيغة منح الفلسطينيين دولة مستقلة, فهم ينطلقون من منطلق ان هذه الدولة ستقوم نتيجة للحكم الذاتي, ومن الأفضل الاقرار بهذا المسار والعمل على السيطرة عليه ووضع معايير معينة له بدلا من مقاومته. وأصحاب وجهة النظر هذه يتزايدون في الأوساط القيادية لحزب العمل, بعد أن ألغى هذا الحزب معارضته قيام دولة فلسطينية, من دون أن يعني ذلك انه سيؤديها أو سيعمل على قيامها. أما أصحاب صيغة الحل الوسط ــ الكونفيدرالي, فهم يعتبرون ان الصيغة التي يقدمونها ستحظى باجماع أو ستقرب بين وجهتي نظر: قيام الدولة أو رفضها, كما ان صيغتهم ستلبي احتياجات الطرفين المتفاوضين, أي حاجة الفلسطينيين للاستقلال في كيان خاص (أقل من دولة) وحاجة اسرائيل للاحتفاظ بسيادتها في الأمور الأساسية على الأراضي الفلسطينية. تلك هي بالاجمال المقاربة الاسرائيلية للقضايا المطروحة على مفاوضات الحل النهائي, وهي مقاربة لا تتجاوب مع الحد الأدنى للحقوق العربية. الوضع التفاوضي الاسرائيلي في كل الأحوال فإن الطرف الاسرائيلي يتعامل مع المفاوضات متسلحا بالعوامل الآتية: ــ وجود حالة من الاجماع الاسرائيلي بعد اتفاق الحد الأدنى بين الحزبين الرئيسيين العمل والليكود والمتمثل بوثيقة (بيلين ــ ايتان) والتي تم الاعلان عنها كصيغة غير رسمية (في مطلع العام 1997) للتوافق حول القضايا المطروحة في المفاوضات, وإذا كانت الساحة السياسية الاسرائيلية شهدت في المرحلة الماضية خلافات حول اتفاق الحكم الذاتي ــ الانتقالي للفلسطينيين, فإنه من المتوقع أن يحدث عكس ذلك في مفاوضات قضايا الحل النهائي. ــ تخوض اسرائيل عملية التسوية وهي في موقع أفضل بالنسبة إلى الطرف الفلسطيني قياسا إلى موازين القوى بينهما, وقياسا إلى الدعم الذي تتلقاه من الولايات المتحدة. وعلى رغم ان الطرف الفلسطيني أصبح في وضع تفاوضي أفضل بالقياس إلى السابق, وأصبح أكثر قدرة على الحركة بعدما عزز وضعه بشرعية عربية ودولية وبسبب تمتعه بسلطة على نطاق اقليمي, فإنه على رغم هذه المميزات المهمة في الاطار الصراعي ــ التفاوضي ــ السياسي لا يستطيع التحكم بشروط المفاوضات ولا بنتائجها. ــ وتستفيد اسرائيل أيضا, من موقف الأطراف الدوليين (عدا الولايات المتحدة) الذين فضلوا الاكتفاء بموقف المراقبة والحياد, والذين تركوا للطرفين المتفاوضين حرية التوصل إلى الصيغ التي يرغبون فيها, كما تركوا للولايات المتحدة (حليفة اسرائيل وضامنة أمنها وتفوقها النوعي) رعاية عملية المفاوضات, ــ كما تستفيد اسرائيل, من غياب شكل معين للاجماع العربي حول التسوية المفترضة مع الفلسطينيين في هذا الاطار من موازين القوى والشروط القائمة, يضاف إلى ذلك تعقيدات الساحة الفلسطينية وتداخلاتها, وضعف بناها المؤسسية وشكل العلاقات الداخلية التي تسودها, والتي تضعف الطرف الفلسطيني وتوضح الفارق البين في الاستعداد للمفاوضات بين الطرفين لمصلحة الطرف الاسرائيلي. تلك هي عموما وبايجاز سلة الطروحات التي تعتمدها اسرائيل في مفاوضات الحل النهائي, وهذه هي حال المركز التفاوضي الاسرائيلي. وهذا كله يؤكد لنا ان اسرائيل قادرة على التعايش مع خلافاتها, بل انها قادرة على ضبط هذه الخلافات وتوجيهها بما يخدم المصالح الاسرائيلية. وعليه فإن المراهنة على هذه الخلافات هي مراهنة في غير محلها, وهي تزيد الوضع العربي ضعفا, وتعزز من ارتباكه السياسي. وبدلا من المراهنة على ما يحدث في اسرائيل بانتظار نتائج صناديق الاقتراع الاسرائيلية, الأولى أن يراهن المراهنون على ما يحدث عندنا, وعلى ما يصنعونه وما لا يصنعونه لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية, والاسرائيلية أيضا, فهنا يكمن الرهان الحقيقي.