نظرية(التبريد): في الاستراتيجية الأمريكية:بقلم- رياض بوملحم

اذا صحت المعلومات القائلة ان المبعوث الأمريكي الى منطقة الشرق الاوسط مارتن انديك حاول, بالاضافة لمهماته الأخرى, الى تبريد (الأتون) اللبناني تحت اقدام قوات الاحتلال الاسرائيلي, فمعنى ذلك ان الادارة الامريكية تريد سحب ورقة اخرى ــ بعد ورقة اعلان الدولة الفلسطينية في 4 مايو المقبل ــ من بازار الانتخابات الاسرائيلية. فواشنطن تعتقد ان اجراء الانتخابات الاسرائيلية في أجواء هادئة ومريحة, ومن دون ممارسة أي ضغوط خارجية, يساعد على اسقاط بنيامين نتانياهو وانجاح ما لديه من الاستعداد لاستئناف مسيرة التسوية السلمية على مختلف المسارات المعطلة, لا سيما على المسار السوري. ولكن, الى جانب ان هذه النظرية غير مضمونة النجاح وقد يستفيد نتانياهو من اعتمادها لاثبات انه يستطيع تحقيق الأمن المطلق للاسرائيليين, حتى في أصعب الظروف, ودون ان يضطر الى تقديم اي تنازلات, فهي تصطدم بمبدأين رئيسيين: ــ المبدأ الأول, ان اعلان الدولة الفلسطينية المستقلة, كذلك ازالة الاحتلال الاسرائيلي من جنوب لبنان, ليس حالة ظرفية يمكن تكييفها وتحويلها الى نوع من المناورات السياسية المرتبطة بهذا الحدث أو ذاك. فالدولة الفلسطينية, وإن تكن, في ظروف نشوئها الراهنة, ثمرة لاتفاق أوسلو البائس, الا ان مصير الشعب الفلسطيني يرتبط بها, فضلا عن انها محصلة نضاله وتضحياته على مدى نصف القرن الماضي. كما ان الشعب اللبناني يخوض حربا لا هوادة فيها ضد الاحتلال الاسرائيلي منذ عام 1978, وقد استطاعت مقاومتة الوطنية ان تخرج هذا الاحتلال من بيروت في مرحلة اولى, تم ان تدفعه الى الخلف باستمرار وتدمر روحه المعنوية, وهي تكاد ان تحقق نصرا كاملا عليه باجباره على الرحيل تحت ضغط عملياتها الناجحة. فكيف يجوز اخضاع هذين الحدثين البارزين لمقتضيات اللعبة الانتخابية الاسرائيلية؟ ــ والمبدأ الثاني, ان الولايات المتحدة نفسها, لم تفعل شيئا لحمل الحكومة الاسرائيلية على تنفيذ التزاماتها تجاه الشعب الفلسطيني, سواء فيما يتعلق بتقرير مصيره, أو حتى بالانسحاب من بعض المناطق المحددة في الاتفاقات الموقعة, وهو أقل بكثير من ان يستجيب لتطلعات الشعب الفلسطيني وطموحاته. بل على العكس من ذلك فإن واشنطن ما زالت, حتى في معمعة الانتخابات العامة, تغدق المساعدات على الدولة العبرية ودعمها بجميع الوسائل الممكنة, مما يؤدي عمليا إلى تعزيز رصيد الحكومة الحالية وزيادة فرص فوز مرشحيها, وفي مقدمتهم بنيامين نتانياهو نفسه. وفيما يتعلق بلبنان, من المعروف ان الولايات المتحدة عمدت إلى تعطيل كل المحاولات الدولية الرامية إلى الضغط على الموقف الاسرائيلي عبر مجلس الأمن ومؤسسات الأمم المتحدة الأخرى, ولم تبذل الإدارة الأمريكية أي جهد لحمل الحكومة الاسرائيلية على اتخاذ قرار واضح بالانسحاب من لبنان, بل كانت تقف دائما إلى جانب الطروحات الاسرائيلية وتشكل الغطاء الدولي لها. التحرك الأمريكي الحالي ينبني على تهيئة المسرح السياسي لمرحلة ما بعد الانتخابات الاسرائيلية, على أساس استنئاف المفاوضات على المسار السوري ربما يؤدي عمليا إلى خلق العوامل المساعدة على تحقيق الانسحاب الاسرائيلي من لبنان. بيد ان هذا السيناريو لا يستقيم مع فوز بنيامين نتانياهو, وهو الرافض لخيار الدولة الفلسطينية, والرافض للانسحاب من مرتفعات الجولان السورية المحتلة, والرافض للانسحاب من الجنوب اللبناني إلا بشروطه الأمنية, التي زاد تشددها في أجواء الانتخابات الحالية. ولا يقتصر الأمر على نتانياهو وحده, بل إن موشي ارينز وزير الدفاع في الحكومة الحالية يبدو أكثر تشددا, إذ يرفض مبدأ المفاوضات مع سوريا لانها ستؤدي حتما إلى الانسحاب الكامل من هضبة الجولان, وهو لا يوافق على هذا أبدا, كما انه لا يزال يؤمن بامكانية البقاء في لبنان باخضاع الشعب اللبناني وتدمير المقاومة الوطنية وحمل الحكومة اللبنانية على الاستسلام! ومن الواضح ان هذه الصورة لغطرسة الهوة وروح الغلبة, التي عبر عنها نتانياهو وارينز وشارون.. وآخرون, لم تهتز إلا تحت تأثير ضربات المقاومة الوطنية اللبنانية, سواء بعد العمليات الأخيرة الناجحة التي أسفرت عن سقوط عدد من الضباط الاسرائيليين البارزين خلال أيام معدودة, أو عبر نضال السنوات الماضية. وقد كشفت وسائل الاعلام الاسرائيلية عن الانقسام الحاد داخل القيادة الاسرائيلية, وداخل المجتمع الاسرائيلي, وفي أعقاب العمليات الفدائية الأخيرة, إلى حد ان بعض كبار الضباط الاسرائيليين أصبحوا يجاهرون بالفشل الذي انتهوا إليه, كما يقارنون بين جنوب لبنان وكل من فيتنام والجزائر خلال ثورتها ضد الاستعمار الفرنسي, وتلخيص النتيجة التي يحتمها التطور التاريخي لنضال الشعوب. فهل ان تبريد جبهة الجنوب اللبناني, ورفع ضغط الدولة الفلسطينية عن الاسرائيليين, يخدم هدف الحد من التطرف الاسرائيلي وتقليص أدواته, أكثر مما يخدمه اذلال الجيش الاسرائيلي وضرب قواته المختارة.. ثم وضع الاسرائيليين أمام الحقيقة العارية. من المؤكد ان الجواب الصحيح على هذا التساؤل غير موجود في واشنطن, وإنما في مكان آخر يخشى الجنود الاسرائيليون الاقتراب منه الآن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات