السؤال اليومي يفرض نفسه على مستقبل (التسوية الراهنة) في ظل تداعياتها اليومية. هذا التساؤل يطل علينا كفلسطينيين وعرب من جميع الاوساط. وشخصيا يتكرر امامي من جميع الاوساط الدبلوماسية العربية والاجنبية واصحاب الرؤية والقلم ووسائل الاعلام, واستطيع أن اجزم واقول التالي : أولا ما يجري منذ مدريد حتى الآن لا يمت للسلام الحقيقي المتوازن سلام الشرعية الدولية بصلة, وكل ما يجري يقع تحت المفهوم الامريكي ـ الاسرائيلي للتسوية وفق الخطوة خطوة من اوسلو الى الواي بدون ترابط بين عناصر التسوية من بداية النفق حتى نهايته, خلافا لقرارات ومرجعية الشرعية الدولية. على هذا الاساس يبرز على السطح ما يجري الآن من استعصاءات هائلة بعملية التسوية على المسار الثنائي الفلسطيني ـ الاسرائيلي الصهيوني وزحف غول الاستيطان, وعلى المسارات المختلفة بل وحالة من الجمود المطبق على المسارين السوري والبناني ـ الاسرائيلي. نحن منذ البداية تحدثنا وقلنا لشعبنا والعرب والعالم بأن اي عملية تسوية حقيقية في الشرق الاوسط لن يكتب لها النجاح اذا راوحت تحت سقف المفهوم الامريكي ـ الاسرائيلي, لذا بادرنا ومازلنا نعمل ونطرح موقفا واقعيا بضرورة اعادة بناء كل العملية السياسية الجارية والعودة بها الى المرجعية الدولية وقرارات الامم المتحدة خاصة القرارات (,242 ,338 ,194 237) ومبدأ الارض مقابل السلام. الآن وبعد ست سنوات من اتفاقيات اوسلو الموقعة في حديقة بيت واشنطن (13/9/1993) نلمس مدى ما تحقق بسياسة الخطوة خطوة التي فاتها قطار الزمن بتعبير كيسنجر صانع هذه السياسة بعد حرب اكتوبر 1973 على الجبهتين المصرية والسورية, ونلمس ايضا هشاشة ما تم صنعه, فالاستيطان لم يتوقف ونهب الارض يتواصل وتهويد القدس يستمر كل لحظة, وحكومة رابين ــ بيريز ثم نتانياهو تعلن بأن لا شيء يمنع من الاستيطان, فاتفاقيات اوسلو تعتبر بأن الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 هي اراض (متنازع عليها) , فضلا عن الغياب الكامل لكل العناصر الرئيسية للقضية الوطنية الفلسطينية عند جدول اعمال المفاوضات الثنائية عملا بمبادئ اوسلو, وهنا ادعو شعبنا لكتاب نايف حواتمة (اوسلو والسلام الآخر المتوازن) . الذي كشف المستور بالاسرار والاسماء والوقائع والوثائق واوضح الكوارث القادمة بعد الواي وقدم البديل في الحلول الملموسة لتجاوز مظالم اوسلو/ الواي الذي ينتهي بسقف 4/5/99_G والانتقال بوحدة وطنية الى اعلان بسط سيادة دولة فلسطين حتى حدود 4 يونيو 67 بما فيه القدس والبدء بمفاوضات بين دولتين على أساس قرارات ومرجعية الشرعية الدولية ورعاية الدول الخمس الكبرى في مجلس الامن بدلا عن الانفراد الامريكي الذي لم ولن يأتي بالسلام الشامل المتوازن. ان التفسيرات والتأويلات لكل بند وكل كلمة في اتفاقيات اوسلو وتطبيقاتها وصولا الى اعلان الواي تخضع للمفهوم الاسرائيلي والمفهوم الامريكي فقير النزاهة والاقرب الى الدولة العبرية ومشاريعها التوسعية تحت اطار (حدود جديدة للدولة العبرية) لذا نشهد الفصول المستمرة من صراخ اهل اوسلو ودعواتهم المتكررة للطرف الاسرائيلي من اجل الالتزام بالاتفاقيات المتوقعة, ودعوات جميع الدول العربية باجتماعات مؤتمرات وزراء الخارجية العرب كما باجتماعات وزراء خارجية القمة الاسلامية دون ان ترفض او حتى تتحفظ أية عاصمة منها على هكذا بيانات خطرة ومرة, ويرد نتانياهو (بالتبادلية والامن) مع استمرار نهب الارض والتوسع الاستيطاني في القدس والضفة وجنوب قطاع غزة على مدى المواصي من خان يونس حتى رفح. وفق كل ما اوردته اعلاه استطيع ان اجزم بأن العملية السياسية الجارية لن تقودنا شعبا ووطنا الى بر الامان والى السلام الشامل المتوازن/ سلام الشرعية الدولية, ومع قدوم الموعد المحدد لانتهاء العمل بالمرحلة الانتقالية (4/5/1999) نقدم لشعبنا من جديد مبادرة الجبهة الديمقراطية لاعادة توحيد الوضع الفلسطيني واعلان بسط سيادة دولة فلسطين على جميع الاراضي المحتلة عام 1967 وبهذا الاعلان نترجم الشق الاخر من القرار 181 الخاص بانشاء دولة عربية فلسطينية ونصنع لحظة جديدة وممرا لتجاوز مظالم تسوية اوسلو وتداعياتها ونفتح الدروب لاشتباك جديد مع الاحتلال بأشكال انتفاضية متطورة لدفع كل قواته ومستوطنيه على الرحيل من اراضي دولة فلسطين. ان اعلان بسط السيادة يوفر فرصة ذهبية استثنائية يجب ان نلتقطها وبذات الوقت نعتقد بأن هذه الفرصة تحتاج الى العوامل الضرورية والتهيئة اللازمة. ان تأجيل اعلان بسط السيادة تحت ضغط واشنطن واملاءات نتانياهو ربح انتخابي صاف لليمين الاسرائيلي التوسعي ونتانياهو شخصيا, واستمرار لسياسة تكريس الانقسام في الصف الفلسطيني نزولا عند شروط اوسلو/ الواي وايغال مدمر بتآكل وتدهور الموقف الفلسطيني وتحلل الانظمة العربية من أي التزامات عملا بقرارات القمم العربية والشرعية الدولية وتحت اقوال (لن نكون فلسطينيين اكثر من الفلسطينيين) فأكثر من عاصمة عربية فكت ارتباطها بالقضية الفلسطينية وفق اسس مدريد, منذ ان فك اهل اوسلو ارتباطهم بين المسارات العربية واداروا الظهر لقرارات ومرجعية الشرعية الدولية. في الشق الآخر, استطيع ان اسجل بكل قناعة الملاحظات الصارخة على سوء الاداء التفاوضي الفلسطيني ليس من اوسلو فقط, بل من اللحظة التي شارك بها الطرف الفلسطيني بأعمال مدريد 1991 وصولا الى مفاوضات واشنطن التي كانت تدور شكليا بينما المفاوضات الأسوأ كانت تجري سرا بين اوسلو وتونس وبعض العواصم وعلى يد ثلاثة افراد وضعوا انفسهم مكان الشعب بملايينه السبعة في الداخل والشتات. ولنتذكر جميعا قول مجموعة تونس لفريق د. عبدالشافي يوم 19 اغسطس 1993 بعد التوقيع بالاحرف الاولى على اتفاق اوسلو لا يمكن تغيير حرف في الاتفاق (كتاب اوسلو والسلام الآخر المتوازن, شهادة حنان عشراوي جريدة الاتحاد الاماراتية 27 نوفمبر 1997). ان الاداء التفاوضي ينطق بنفسه حين يتم احلال الافراد مكان الشعب والمؤسسات, وحين يتم تهميش الهيئة القيادية المسؤولة عن كل شعبنا واعني بها منظمة التحرير وتركها تموت موتا سريريا بينما يفترض بها ان تكون باطارها الائتلافي على رأس اي عملية سياسية تمس مستقبل شعبنا, وعلى كل حال فان مسلسل الاستقالات منذ استقالة وفد مدريد ـ واشنطن الجماعية, ومسلسل تركيب واعادة تركيب الوفود المفاوضة ووضع وربط المفاوضات الى مفاوضات امنية اغلب الاحيان يعطي المؤشرات الواضحة على مدى حالة التردي والاداء التفاوضي من الجانب الفلسطيني. واكشف لشعبنا بصراحة ان جذور المشكلة هي في الاطار التفاوضي اولا, اي اتفاق اوسلو وسياسة الخطوة خطوة فكل نقطة فيه تحتاج الى اتفاق اخر ولا رابط بين نقطة واخرى, وهذا ما قاله لنا الاوروبيون, انتم اخترعتم اسلوبا جديدا في المفاوضات, فانتم وقعتم على اعلان مبادئ بلا مضمون ملموس ثم بدأتم المفاوضات على كل بند في الاعلان, انها بدعة وكل بدعة هي ضلال. وثانيا يأتي الاداء التفاوضي المحشور في عنق زجاجة تطبيقات اوسلو التي تركت الارض متنازعا عليها والقدس الى المجهول وكل القضايا الكبرى بلا حلول, فالمفاوضات لا مرجعية لها (قرارات ورعاية) بل فقط ما يتم عليه اتفاق الطرفين برعاية واشنطن, ومن هنا مسلسل التداعيات والتنازلات والتراجعات. والآن بعد ست سنوات على اوسلو مازال بيد الاحتلال 90% من الارض وسرطان الاستيطان يزحف. وامام ما قدمته من رؤية لمسائل التسوية الراهنة, نجد الآن عديد من الاصوات العربية والفلسطينية التي تنطلق نحو التعويل على نتائج الانتخابات الاسرائيلية المبكرة للكنيست الخامسة عشرة. واعتقد بأن الانتخابات الاسرائيلية في الجولة المقبلة للكنيست الخامسة عشرة تلامس بشكل كبير الموضوع الفلسطيني. فالخارطة الحزبية الاسرائيلية تعيش حالة حراك من اقصاها الى اقصاها تحت عناوين مَن مِن هذه الاحزاب والكتل يستطيع ان يحقق اعلى المكاسب ويعطي بالمقابل ادنى التنازلات للجانب الفلسطيني والعربي, وعليه فان المؤشرات العامة حتى الآن تعطي الانطباع الواقعي بأن الخارطة الاسرائيلية تنحو نحو اليمين واليمين المتطرف. والحجم المتواصل من التنازلات العربية والفلسطينية يجعل من الشهية التوسعية اليمينية واليمينية المتطرفة تزداد وتتفتح اكثر فأكثر. وعليه من الخطأ الجسيم ربط الوضع الفلسطيني والوضع العربي من زاوية التعويل على نتائج الانتخابات الاسرائيلية. واقول: يجب ان نعول اولا على دورنا في صفوف شعبنا وتحالفاتنا العربية والدولية, وثانيا على اعادة بناء الوحدة الوطنية الائتلافية, على اساس برنامج سياسي جديد يستند لقرارات الامم المتحدة والشرعية الدولية, وثالثا باستراتيجية تفاوضية جديدة بديلة لما هو راهن. من الجانب الآخر, لابد من الاشارة الى أهمية وحدة الشعب الفلسطيني في مناطق 1948 في سياق العملية الانتخابية للكنيست الخامسة عشرة, فوحدة الشعب الفلسطيني داخل مناطق 1948 بقائمة او بقائمتين يقلص عملية تشتيت الاصوات ويفتح المجال واسعا امام وصول اكثر من (15) نائبا عربيا فلسطينيا, فشعبنا في 48 يشكل 21% من السكان في الدولة العبرية وهذا الامر يسهم بشكل فعال في معركة شعبنا من اجل الحقوق القومية الكاملة والمساواة الوطنية (اي الحقوق المتساوية للسكان) بين الناس في مناطق 1948 لبناء خارطة جديدة تستند على الحقوق الجماعية القومية الثقافية والادارية والروحية وليس التحلل والتآكل القومي باتجاه الاندماج الفردي وضياع الحقوق القومية الوطنية الفلسطينية تحت عناوين سائدة حتى الآن بلا هوية وطنية مثل الوسط العربي, الاقلية غير اليهودية في اطار دولة يهودية, او التصنيف الطائفي مسلم, مسيحي, درزي, بدوي) , ومن العجيب ان هذا التصنيف المدمر للبنية والهوية الوطنية تقع فيه احزاب وجماعات اسلامية سياسية في غير قطر عربي, والنضال لوقف مصادرة الارض في النقب والجليل والساحل وتهويدها, فعام 48 كان بيد 170 الف عربي تمسكوا بالوطن 21% من ارض الوطن وبعد خمسين عاما بقي باليد 4% فقط وتم مصادرة 17% من الارض الوطنية وتهويدها, والنضال للمساواة في المواطنية لردم خمسين عاما من الفوارق الهائلة الاجتماعية والثقافية الناجمة عن التمييز العنصري, ففي عام 1998 شكل العرب 21% من السكان ولهم فقط 2% من الموازنة. كما في دعم صمود شعبنا وجهوده الوطنية للفوز ببناء الدولة المستقلة حتى خطوة 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس, وعودة اللاجئين والنازحين في اطار تسوية سياسية جديدة على اساس سلام الشرعية الدولية, السلام الشامل المتوازن بديلا عن سلام اللاتوازن ونهب الارض نتاج تسوية صفقات الخطوة خطوة التي فات زمانها من اوسلو الى الواي وتنتهي بكل تداخلاتها (الحكم الذاتي والحل النهائي) بسقف 4 مايو 1999.