القارئ الذي عرض 30 مليون جنيه استرليني ثمناً للفندق الذي اشتريته مؤخراً في لندن بـ 35 مليون جنيه, أي بخسارة خمسة ملايين, بحجة انخفاض أسعار العقارات في بريطانيا, أقول له: العب غيرها, أما القارئ الذي عرض عليّ ادارة الفندق من دون أي راتب شهري مكتفياً بنسبة من الايراد تصل الى 10% فأقول له: على هامان يا فرعون . طبعاً لو العقارات تنخفض أسعارها بين يوم وليلة, أو بين شمس وضحاها, أو بين زاوية صحفية وأخرى في اليوم التالي, بالمقدار الذي تصوره القارئ, فيريد ان يبيع الماء في حارة السقايين, لخربت الدنيا ودخل أغلب رجال الأعمال والمستثمرين المصحات العقلية, كما أن العقارات لو كانت تدار بنسبة كالتي تصورها القارئ الثاني, لانتقلنا من فورنا الى العمل لدى ملاك العقارات, لا كمديرين لهذه العقارات, بل حراساً, لأن نسبة 1% من الايرادات كفاية. القارئ الذي لم يأخذ الزاوية أمس بجد وعرف انها مزحة ارتاح وأراح, مقابل القارئ الذي تصور انه فهلوي يستطيع ان يمزح أكثر من صحفي قرأ اعلاناً في صحيفة فطار صوابه وطاش رأسه وحلق في الفضاء يحلم بشراء فندق, لمجرد ان هذا الاعلان يسأل القراء: هل ترغب في اقتناء فندق في لندن, فذهب بعيداً مع القارئ في الحلم, لأن هذا وحده بضاعة لا ثمن لها وببلاش في كل مكان وزمان. وهكذا أستطيع والقارئ ان نستزيد كل مرة من الأحلام حتى نشبع, فمرة نمتلك فندقاً في لندن, وأخرى يهديني أحدهم جزيرة بكاملها محظور على الرجال دخولها, ومرة ثالثة تصلني بطاقة دعوة من سيندي كراوفورد مع تذكرة على الكونكورد للسفر سريعاً والعشاء معها والسهر والبقية الباقية, فهذه هي الحرية الوحيدة التي لا يستطيع أحد أن يمنعني من ممارستها أو التحكم بها, لولا أنه حتى لهذه الحرية حدوداً في عالمنا العربي تحديداً, وكل بلد آخر على منواله. فمثلا ليس في استطاعة المواطن الليبي ان يحلم أنه صار الزعيم معمر القذافي ليوم واحد فوافق فوراً على تسليم الليبيين المطلوبين للمحاكمة في قضية لوكيربي, لكي يمهد بذلك لرفع الحصار عن ليبيا, ومثله لا يمكن لمواطن عراقي ان يجاهر أنه صدام فيأمر بتحويل العراق الى بلد ديمقراطي يجري فيه العراقيون الى صناديق الانتخابات, وهكذا, غير ان المواطن الليبي أو العراقي أو غيرهما من المواطنين العرب, يستطيع كل منهم أن يحلم انه زعيم على بلد عربي آخر غير بلده. على خلاف ذلك يستطيع المواطن الأمريكي ان يتصور نفسه بيل كلينتون طوال العام لا ليوم واحد, يحكم أمريكا ويصدر قرارات الحرب والسلام وأوامر الحظر على ليبيا والعراق والسودان وايران, ويزيد فيحلم انه مع مونيكا في الملحق التابع للبيت الأبيض في خلوة لوحدهما, وأن يجاهر بكل ما يحلم به على شاشة الـ N.B.C والـ C.N.N وغيرهما, من دون ان يتعرض للمساءلة لأنه يشطح في أحلامه. وربما يلاحظ القارئ الذي دخل على خط أحلام اليقظة فأراد شراء الفندق مني والآخر الذي اراد مشاركتي في ايراداته, وكل قارئ آخر معهما, ان الحرية نسبية حتى في الاحلام, وهؤلاء القراء ربما لاحظوا أكثر, انني قد شطحت أمس في الاحلام كثيراً, وانني اليوم أكاد اشطح أكثر فيما هو أخطر من الاحلام وأغلى ثمناً, فأستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ومن كل أحلام اليقظة, وأصلي ركعتين.