ان معرفة المجال الصحيح للأمن الدولي وشواغله الرئيسية في فترة ما بعد الحرب الباردة ما فتئت موضوع مناقشة قوية, وعلى الرغم من ان الدراسات الأمنية لا تزال تعنى بأمن الدولة فان عددا كبيرا منها قد حرر , بإشاعة الديمقراطية في عدد متزايد من البلدان وبنهاية عهد المواجهة العسكرية الشديدة التي كانت قائمة بين الدولتين العظميين, من القيود الاستراتيجية الأضيق وبدأ التركيز على تعريفات اكثر شمولا لنطاق الأمن: المحافظة على النظام السياسي والرفاهية الاقتصادية والسياسية لجميع شرائح الشعب, والأمن الخارجي الذي يضم الأبعاد العسكرية والاقتصادية والغذائية والبيئية وبعد الطاقة, ونشأت مفاهيم من قبيل الأمن الشامل, واعتمد عدد من الدول والمحللين تلك المفاهيم بوصفها نموذجا صحيحاً. وبتوسيع نطاق التعاريف أصبح من الضروري اعادة صياغة المفاهيم بسبب التغيرات التدريجية ولكن الجوهرية على الأمد الأبعد في النظام الدولي, وتستدعي هذه التغيرات تبني منظور جديد في الأمن الدولي. ان نشوء عوامل سياسية واستراتيجية واقتصادية في الوقت نفسه كان مسؤولاً عن بروز الحاجة الى القيام بالتفكير الجديد في المفاهيم ونطاق الدراسات الأمنية خلال السنوات القليلة المنصرمة, لقد خفضت نهاية الحرب الباردة حدة التوترات الدولية وحدة سباق التسلح, مما أوجد ظروفا أكثر مواتاة للتعاون العالمي, وقد تحسن الأمن على الساحة الدولية وتزايد النشاط التجاري والاستثمار عبر الحدود بين الدول, وبدأ التركيز على الأمن ينتقل من القضايا العسكرية الأمنية الأضيق نطاقا الى القضايا الأوسع نطاقا, قضايا الاستقرار العالمي والسلام واشاعة الديمقراطية وحل الصراعات الاقليمية. وتقوم أمثلة على رغبة دول عظمى في الهيمنة والاكراه وعلى اتباعها للسياسة القائمة على القوة, ويقوم في الوقت نفسه اتجاه على الأمد الأبعد صوب توسيع نطاق المجتمع الدولي وتعددية الأقطاب على الساحة الدولية والتدرج في اشاعة الديمقراطية ونشوء قواعد للسلوك ومؤسسات وروابط تعاونية اقليمية وعالمية ــ وهي تسهم كلها في اضفاء نوع من الاستقرار على العلاقات الدولية. وتمر مظاهر النزاع بالتغير, ويتزايد بروز الكفاح الدائر من أجل الحصول على التكنولوجيا الحديثة ومن أجل زيادة النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي بالوسائل غير العسكرية, وتبقى القوة العسكرية حاسمة بوصفها عاملا في القوة العامة للدول, ولكن استعمال تلك القوة العسكرية مقصور باستثناء حالات قليلة, على الردع عن القسر, وتستعمل تلك القوة بوصفها عنصرا في تعزيز النفوذ الدبلوماسي للدول وعاملا في اختبار الارادات بين الدول. لقد دخل عالم الدول الصناعية المتقدمة النمو مرحلة العلاقات غير العسكرية فيما بين تلك الدول, والصراعات العسكرية بين الدول الصناعية المتقدمة النمو والدول الكبرى تتناقص لان تطور التكنولوجيا العسكرية في تلك الدول جعل خوض الحرب مكلفا جدا وجعل الحرب غير معول عليها بوصفها اداة لتحقيق اهداف السياسة, واصبح من غير الممكن الانتصار في الحروب, واصبح (تلقين الدروس صعباً) وصار يفضي الى نتائج عكس النتائج المتوخاة, باستثناء سياق العلاقات بين دول الشمال ودول الجنوب حيث الاختلافات في حجم القوة كبيرة جدا. وحتى في أجزاء كبيرة من العالم النامي فان الحرب بالأسلحة التقليدية ليست القاعدة المفضلة لتسوية المنازعات, ونشأت موجة جديدة من الصراع الاقل عنفا على نحو غير منتظم, وهو الصراع الذي يجمع قوى خارجية الى قوى داخلية, لقد ولدت هذه الصراعات الاغتراب السياسي والاجتماعي والاستياء الاقتصادي والتأكيد العرقي وسهولة توفير الاسلحة الفتاكة الخفيفة, وقد شكلت هذه الصراعات تحديا اكبر في منطقة البلقان وروسيا بعد الاتحاد السوفييتي ومنطقة القفقاس وآسيا الوسطى وفي الشرق الاوسط وافريقيا وشبه الجزيرة الهندية ويتعين على الدول ان تتصدى لهذه الحروب غير المنتظمة بوسائل سياسية واقتصادية وعسكرية, ان الدور الخارجي للقوة العسكرية لم يعد كافيا لضمان الامن والاستعمال الداخلي للقوة مقيد سياسيا. وبين انهيار الاتحاد السوفييتي ان الدول الاقوى ايضا تواجه مشاكل امنية متعددة الابعاد مشاكل تقترن بعوامل خارجية وداخلية هامة ومعقدة, واصبح للظروف السياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية داخل الدولة اهمية متزايدة فضلا عن اهمية قوتها العسكرية في المحافظة على الرفاهية والامن القوميين ويجب على الحكومات اليوم ان تحقق التوازن الصحيح بين الدبلوماسية والقوة العسكرية والقدرات التكنولوجية والاقتصادية والروابط القائمة على التكافل والمشاركة في الآليات المؤسسية الاقليمية والعالمية من اجل زيادة الامن ان انشاء القوة العسكرية من جانب واحد المغالى فيها يقوض او يضعف علاقات التعاون مع دول اخرى ويولد التوترات والشكوك ويؤدي بدول اخرى الى انشاء قوة عسكرية موازية او مضادة. وتعتمد الدول اكثر مما كان في الماضي على المجتمع الدولي وعلى دول ومؤسسات اخرى لتحقيق رفاهتها وامنها القومي, ان الحاجة الى تعزيز المؤسسات وقواعد السلوك العالمية تتعارض على نحو متزايد مع اهداف السياسة المتخذة من جانب واحد, هدف السعي لتحقيق المصلحة الذاتية الضيقة النطاق. ويتطلب وجود عالم متكافل الحل التوفيقي وروح التساهل ولايقبل تحقيق مكاسب من جانب واحد مزعزعة للاستقرار, ان التكافل عن طريق توسيع نطاق التجارة وزيادة الاستثمارات عبر الحدود وعمليات نقل التكنولوجيا والبحوث المشتركة والتطوير المشترك والروابط الامنية وتدفقات رأس المال النشيطة عبر الحدود والقارات.. هذه كلها تسهم في وضع اساس نظام متشابك من الدول, وتشكل هذه الروابط القيمة دروعا دفاعية ضد الصراعات المحتملة وضد الحروب التجارية وتسهم في حمل الدول على تسوية الخلافات بينها عن طريق المفاوضات بدلا من شن الحروب, ان الامن في عهد تزايد تشابك المصالح بين الدول يتوقف الى حد كبير على استقرار المؤسسات الدولية وقوتها وأمنها وكلما ازدادات دولة انفتاحا ازدادات مصلحتها قوة في البنى والمؤسسات وقواعد السلوك الدولية. ان استعمال المصطلح الذي كان محل هزء كبير مصطلح (النظام) الدولي له قدر كبير من الصحة النظرية وحتى حالات الشك التي اعقبت انهيار الكتلة الاشتراكية وتفكك معظمها لقد كانت الفوضى التي سادت والصراعات التي نشبت محلية, وان عزوف النظام الدولي عن اداء دور ايجابي وبناء ومحايد ووسيط ادى الى نشوب تلك الصراعات وفي حالات كثيرة اصبحت تلك الصراعات حادة لان الدول العظمى المسؤولة عن صون النظام العالمي اسهمت في المساس بذلك النظام بمشاركتها المتحيزة وبتبنيها منطق مذهب (السياسة الواقعية) وبعدم مبادلاتها بحروب في مناطق لم يبد ان لها مصالح حيوية فيها. ومن هنا اندلعت حروب في منطقة البلقان وافغانستان والقفقاس وغيرها.