(أي دمعة حزن لا) هكذا تقول الأغنية الشهيرة أو هو شعار رفعته دولة البحرين طيلة سنوات حكم أبو حمد راعي البحرين المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة ! لكن البحرين تحولت الى جزيرة من الدموع .. وسكنت الحركة وتوقفت الحياة في كل مكان .. لقد مات الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة! وكان الشيخ عيسى, يحكم بلدا صغيراً يعيش وسط الاعاصير .. الا انه استطاع ان يحقق كل هذه المكانة .. استقراراً وقدرة على الازدهار .. شعب البحرين دائما كان يوصف بالشعب المتواضع أو الناس الطيبة .. ولقد استمد هذا الشعب تواضعه من تواضع الامير الراحل أبو حمد, فالمظاهر ليست في حساب أهل البحرين والكذب والنفاق ليس من طبعهم, فالشيخ عيسى بن سلمان كان يتعامل مع الناس بالكلمة الطيبة .. فهو انسان قبل ان يكون قائدا أو زعيماً .. آمن بالمحبة والخير .. وكان دائما يدعو الناس في كل مناسبة الى الالتقاء معه عبر جسور من المحبة والخير .. وكل الذين التقوا معه أحبوه وقدروه واحترموه!! الشيخ عيسى بن سلمان .. طراز حكيم من الحكام في العالم .. أنموذج لا أعتقد ان الزمن سيأتي بمثله صورة الانسان تسبقه قبل صورة القائد .. وهناك عشرات القصص التي تروى عن تواضع هذا الرجل, لا اعتقد ان المجال يستوعبها, وعندما دعاني تلفزيون البحرين مساء الأحد الماضي لكي اروي بعض القصص التي شهدتها من خلال لقاءاتي بهذا الأمير الراحل .. لم يساعدني الوقت لكي اتوسع في بعضها, فهناك قصة شديدة الحساسية .. حدثت معي في أواخر السبعينات .. عندما كنت أتردد على زيارة البحرين في أغلبها كانت زيارة عمل صحافية, وكان من الطبيعي أن أسجل انطباعاتي التي تأخذ طريقها للنشر في (السياسة) .. فذات يوم كنت في البحرين ونزلت في أحد فنادقها, واكتشفت ان هذا الفندق لايعطي الاهتمام والعناية بالنزلاء .. ومن سوء حظي انني اكتشفت ان غرفتي يسكنها ضيوف من نوع آخر, عندما رأيت بعض الفئران تجري وتقفز في الصالة والحمام .. وعندما تقدمت بشكوى الى ادارة الفندق, لم تعرها اي اهتمام فغادرت الفندق الذي اسميته فندق (العذاب) وكتبت عن سوء الخدمة والمعاملة فيه ضمن انطباعات عامة عن زيارتي للبحرين .. وانتهى الأمر! وتشاء الصدف والظروف ان توجه دعوة لنا بعد هذه الحادثة بعدة أيام للحضور والمشاركة بأعياد البحرين الوطنية, ولبينا هذه الدعوة الرسمية, وتوجهت مع الأخ أحمد الجار الله ورافقنا في هذه الزيارة مصور الجريدة في ذلك الوقت صالح عباس, وبعد وصولنا الى مطار البحرين, استقبلنا الأخ أحمد مطر مندوب وزارة الاعلام وتشاء الصدف العجيبة ان يتوجه بنا الى الفندق ذاته الذي اطلقت عليه اسم (فندق العذاب) .. وعند مكتب الاستقبال .. يوافق المدير على الأخ أحمد الجار الله والمصور عباس, ويرفض استضافتي في الفندق وذلك بأمر من مالكه الذي وضع اسمي على القائمة السوداء, وعندما علم بأن الدولة قد حجزت غرفة باسمي طلب من مدير الاستقبال أن يمنعني من دخول الفندق وقد فعل, وحاول مندوب وزارة الاعلام ان يقنع مسؤول الفندق بأن يغير من موقفه مؤكدا له ان هؤلاء ضيوف الدولة ولايجوز ان تعامل بهذه الصورة معهم الا انه رفض, فما كان من مندوب الوزارة الا الاتصال بالمسؤولين في الاعلام, وكان الشيخ محمد بن مبارك وزير الخارجية, وزيراً للاعلام بالوكالة, الذي جاء بنفسه وبصحبته الشيخ عيسى بن راشد وكيل الوزارة الى الفندق وهما في حالة من الاستغراب للتصرف العجيب هذا, وكل المحاولات باءت بالفشل ولا فائدة من عناد مالك الفندق الذي اراد أن ينتقم بموقف عاجز مما كتبته عن فندقه, وكان الأخ الجار الله قد رفض أن يسكن في الفندق الا اذا سكنت فيه, والغريب في الامر ان المسألة وصلت الى مسماع هذا الرجل الطيب الشيخ عيسى بن سلمان الذي تأثر غير مصدق مما يحدث واتخذ قرارا سريعا وطلب من الشيخ محمد بن مبارك ان يصحب ضيوفه الى قصر القضيبية, وهو القصر الذي كان معدا لاستقبال الرؤساء وكبار الزوار الذين دعوا للمشاركة في الاحتفالات. وعلى الفور توجهنا الى قصر القضيبية .. وهو قصر ملوكي لم نتعود على السكن فيه, وأمر لنا الشيخ عيسى رحمه الله بجناح لكل شخص منا, ولا استطيع أن أصف لكم شكل تلك الأجنحة, وانتقلنا من مرتبة صحافيين الى درجة رؤساء وكبار زوار, وكان الشيخ عيسى رحمه الله, ينتظرنا في قاعة الاستقبال الفسيحة وأخذ يعتذر مما حدث, وأجابه الأخ الجارالله, لا تزعج نفسك يا صاحب السمو فنحن الصحافيون تعودنا على مثل هذه المواقف, وشكرناه كثيرا. ثم أخذ يداعبنا كما يداعب الأب أبناءه, وسألنا ان كنا قد نمنا نوماً جيداً .. فمازحناه بأننا لم نستطيع أن ننام لأننا لم نتعود على النوم في القصور .. وضحك كثيرا .. وعندما ودعنا أخبر مساعديه الا توجه الدعوة لحفل الاستقبال لصاحب (فندق العذاب) لأن سموه كان غاضبا منه! هذه قصة واحدة من عشرات القصص التي تعكس احترام القائد لدور الصحافة وأهميتها, رئيس الدولة يتدخل في مسألة خاصة ويتسع صدره ووقته ليتدخل في حلها ومعالجتها. وهناك قصة أخرى .. تروى في البحرين .. عن المسؤول الكويتي الذي دخل قصر الشيخ عيسى بدون موعد سابق, لقد كان هذا الضيف مدعوا من قبل صديقه الشيخ عيسى بن راشد الشاعر والفنان, وكان عليه في اليوم التالي أن يتوجه الى منزل الشيخ عيسى بن راشد لتناول طعام الغداء. وتشاء الصدف أيضاً أن يكون منزل الشيخ عيسى بن راشد الى جانب قصر المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان في الرفاع. فطلب الضيف الكويتي من سائق سيارة الديوان التي تقله بأن يتوجه الى منزل الشيخ عيسى في الرفاع, وفهم السائق ان المقصود هو أمير البلاد الشيخ عيسى بن سلمان وليس عيسى بن راشد .. وعند بوابة القصر رأى الحراس سيارة الديوان الأميري ولم يتشددوا معه كثيرا وأخبرهم السائق ان الضيف على موعد مع الشيخ عيسى, وفتحوا الباب ودخلت السيارة الى داخل القاعة الفسيحة أمام القصر .. ولسوء الحظ .. كان الشيخ عيسى بن سلمان يقضي بعض الوقت في حوش القصر .. وترجل الضيف وإذا به في مواجهة أمير البلاد, فشعر بالحرج الشديد وتلعثم وارتبك ولم تسعفه الكلمات في التعبير عن هذا الالتباس الحاصل .. فقال لصاحب السمو .. لقد أخطأ السائق فبدلاً من أن يتوجه الى منزل الشيخ عيسى بن راشد أخذني إلى قصركم. ولكن الشيخ عيسى بلطفه وعفويته حاول أن يزيل حالة الارتباك عند هذا الضيف وقال له: لم يخطئ السائق .. فالشيخ عيسى بن راشد واحد من عيالنا .. ونحن كلنا في بيت واحد .. وبعد ان استضافه على فنجان من القهوة استأذن الضيف وتوجه الى منزل الشيخ عيسى بن راشد. وفي اليوم التالي استدعى سائق الضيف الى دائرة التشريفات وكان في حالة من الخوف والرعب .. عندما وقف أمام المسؤول وأخبره بعبارات هادئة ان صاحب السمو لم يكن منزعجا مما فعلت .. ولكن كان بوده ان يكون مستعدا لاستقبال الضيف وتكريمه .. وعليك مرة ثانية أن تتأكد وأنت تسمع التعليمات وصرفه بأمان. * من يصدق لو ان مثل هذه الحادثة وقعت في دولة عربية أخرى. واضح جدا ان السائق سوف يسجن ويعذب ويتهم بالمؤامرة والتعامل مع العدو, أما الضيف فلن يكون مصيره أقل من مصير ذلك السائق البحريني. وهناك العديد من القصص التي عشتها مع هذا الزعيم الانسان, تحتاج الى مئات من الصفحات عندما يحين وقت الكتابة عنها, رحمك الله يا شيخ البحرين العظيم .. لقد عشت عظيما ومت عظيما .. لأنك ضربت أروع الأمثلة في التواضع والانسانية وحب الخير .. والأمل الآن في الشيخ حمد بن عيسى أمير البحرين الذي نجزم انه سوف يسير على نهج والده. صحفي(السياسة)الكويتية