رب ضارة نافعة .. إذا تعاملنا معها بالعقل والموضوعية, وعالجنا كل جوانبها بالأهمية التي تستحقها, وإذا لم نسارع بإخفاء الحقائق أو الالتفاف حولها, وإذا استمعنا جيدا لكل الآراء وجعلنا المصلحة العامة وحدها هي الهدف حين نتخذ القرار . على مدى سنوات كنا كالصارخين في البرية, ونحن نحذر من الإسراف في الاستيراد, ومن الآثار السيئة لتلك السياسات التي بدأت مع ما أسموه الانفتاح الاقتصادي, والذي ظل لسنوات عديدة بلا ضوابط فكانت نتيجته وبالاً على مصر .. حيث تم نهب 80 مليار دولار في أقل التقديرات خلال السنوات الأولى للانفتاح السبهللي تم تهريبها للخارج, وحيث نشأت فئة من الوكلاء والسماسرة عرفت طريق الثراء السريع من الأبواب الخلفية وعلى حساب الصناعة الوطنية والاقتصاد الوطني. وفي الثمانينات وبعد تولي الرئيس مبارك للحكم بدأ الانتباه لخطورة الوضع, وتم تشجيع الاتجاه الى الاستثمار الصناعي, ورغم الجهود التي بذلت في هذا السبيل فقد ظلت فئة الانفتاح السبهللي تلعب وتتلاعب, وذهبت أموال البنوك للمضاربة في الأراضي والعقارات بدلا من الصناعة والزراعة, واستمر تآمر هذه الفئة على الصناعة الوطنية لصالح الشركات الأجنبية الكبرى التي يعملون لها وكلاء أو سماسرة. وطوال السنوات الماضية كانت صيحات التحذير تتوالى من خطورة ما يحدث على الاقتصاد المصري, وكانت التحذيرات لا تجد آذاناً صاغية, بل كانت بالاتهامات الباطلة والمبررات الزائفة. كنا نتحدث عن ضرورة دعم الصناعة الوطنية في وجه المنافسات غير العادلة وغير الشريفة, فكان السماسرة يتحدثون عن اقتصاديات السوق وكأنها تعني إغلاق المصانع الوطنية, وكأن الصناعة في الدول الكبرى قد نشأت في ظل المنافسة الحرة, وكأن هناك اقتصادا قويا واحدا في الشرق أو الغرب نشأ وازدهر بدون دعم الدولة, وهو ما حدث في كل التجارب من أمريكا إلى أوروبا إلى آسيا. وكنا نتحدث عن ضرورة الحرص في توجيه الموارد الاقتصادية وعدم تبديدها فيما لايفيد, فكانت الاجابة تأتي بأن الباشاوات الجدد احرار فيما يفعلونه ما داموا يؤدون الضرائب, وكنا نقول ان القضية أكبر من أن تكون قضية ضرائب والتي ثبت ان الباشاوات الجدد لا يسددونها!! القضية هي قضية ثروة وطنية ينبغي الحفاظ عليها, ومصانع تم بناؤها في أصعب الظروف وبتضحيات هائلة وتتعرض الآن للخطر, وموارد مالية محدودة لا ينبغي أن يهدرها الباشاوات الجدد بسفاهة, وأمن اجتماعي يتعرض للخطر حين يكون أكثر من نصف المجتمع يعاني للحصول على احتياجاته الأساسية والباشاوات يستوردون طعام القطط من فرنسا, وحين تكون البطالة هي القنبلة الموقوتة في المجتمع بينما الباشاوات ينفقون على أفراح الأنجال ما يكفي لدعم صناعة وطنية, وحين تكافح الدولة لتدبير موارد للتعليم والعلاج بصعوبة هائلة بينما الباشاوات يجعلون مصر هي الأكثر استيرادا لسيارات المرسيدس وغيرها من السيارات الفاخرة! ثم جاءت أكثر من قارعة .. انهيار النمور الآسيوية كان البداية, ومع الانهيار انخفضت أسعار السلع هناك بما يصل الى 40% وعلى الفور اتجه السماسرة للاستيراد من هناك, وامتلأت المخازن بسلع لا يحتاجها السوق أو يتم انتاجها في مصر بتكلفة انتاج أعلى, وتعرضت صناعات مصرية كبيرة وباستثمارات هائلة إلى أعظم المخاطر, وكادت مصانع السيارات تتوقف لولا قرارات تنظيم الاستيراد الأخيرة التي قصرت الاستيراد على انتاج العام الأخير فقط, والأزمة نفسها تواجهها مصانع الحديد والسكر والأسمدة والتي تم استيراد كميات هائلة منها بأسعار زهيدة, سواء من دول شرق آسيا بعد الأزمة, أو من دول الاتحاد السوفييتي السابق التي تبحث عن العملة الصعبة بأي طريق وتبيع انتاجها بأي ثمن, والأرقام تقول ان في المخازن المصرية رصيدا من هذه السلع يصل الى 20 مليار دولار تم استيرادها دون دراسة وبعضها مثل السكر معرض للتلف, وبعضها يكفي احتياجات مصر لثلاث أو أربع سنوات, وهو أمر يعرض البنوك التي مولت استيراد هذه السلع لأفدح الأخطار. وكان ذلك يحدث في ظل تطورات على الجانب الآخر مست موارد مصر من العملات الصعبة والتي تعتمد بصورة أساسية على موارد معرضة دائما للتأثر بالأحداث الداخلية والخارجية. انخفض دخل السياحة بعد جريمة الأقصر والتي تم استخدامها من جهات عديدة لضرب الاقتصاد المصري, وفي العام الماضي فقط كانت الخسارة في بعض التقديرات حوالي 600 مليون دولار ورغم الانتعاش الذي عاد أخيرا للسياحة فما زال الدخل متدنيا بسبب انخفاض الأسعار, وهي مشكلة سوف يستغرق علاجها وقتا طويلاً. ومع السياحة كانت أسعار البترول في العالم تتدهور, وكان لذلك تأثيره السلبي على اقتصاد مصر .. فهو من ناحية أنقص الايراد من البترول بحوالي 800 مليون دولار في العام, ومن ناحية ثانية أدى الى انخفاض تحويلات المصريين العاملين في دول الخليج التي تأثرت بدورها من انخفاض أسعار الدولار وطبقت سياسات تقشف حازمة. ومع انخفاض أسعار البترول, وأزمة النمور الآسيوية, كان هناك ركود كبير في الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية, وكان ان تأثرت عائدات قناة السويس, وانخفض دخلها بعدة مئات من الملايين. وكان طبيعيا أن تنفجر مشكلة النقص في الدولار, وان تتوالى موجات من الارتفاع في سعر الدولار كانت الحكومة تواجهها بضخ جزء من الاحتياطي العام في الأسواق فتعود الأسعار الى قرب معدلاتها. لكن في الموجة الأخيرة من ارتفاع الأسعار, تنبهت الحكومة الى ان استمرار هذا الأسلوب سيؤدي الى استنزاف الرصيد من الاحتياطي العام من العملات الصعبة (حوالي 20 مليار دولار) وهو أمر تعتبره الحكومة عاملاً أساسيا في مساندة سياستها ورفض الضغوط التي يمارسها صندوق النقد الدولي من سنوات لخفض سعر الجنيه المصري. وهكذا اصبحت مواجهة المشكلة ضرورة اساسية, خاصة ان المستقبل المنظور لن يرى ارتفاعا كبيرا في الموارد التي انخفضت من البترول الى التحويلات الى قناة السويس.. وربما السياحة فقط هي المرشحة لاستعادة بعض خسارتها. وهكذا أصبحت القضية ان مصر تستورد بما قيمته 16 مليار دولار ولا تصدر إلا بخمسة مليارات, وهذا وضع لايمكن استمراره .. ومن هنا فلابد من جهود لمضاعفة الصادرات وهي مهمة صعبة في وجه منافسات شديدة ومع غياب التنسيق العربي والعراقيل التي توضع أمام الصادرات العربية, والتأخير في بناء السوق العربية المشتركة. ويبقى الاستيراد وهو ما يدور الحديث عنه الآن في ضوء المشكلة الأخيرة حول ارتفاع سعر الدولار, وبعد حديث محافظ البنك المركزي الذي وضع مشكلة الاستيراد السفيه أمام المجتمع كله ليكتشف الناس أن ما يقرب من25% من حجم الاستيراد يذهب فيما لاينفع .. بل ويضر كثيرا, وأن ما كان ينبغي أن يذهب في استيراد المصانع ومستلزمات الانتاج, يذهب الآن في استيراد بودرة الطعمية وطعام القطط والكلاب وغير ذلك من السلع المستفزة والتي يتزايد حجم استيرادها يوماً بعد يوم لأنها تحقق أرباحاً خرافية لمستورديها, ولأن هناك من الباشاوات الجدد من يدفع 350 ألف جنيه ثمنا لورد مستورد لحفل يقيمه! لقد انتبهت الدولة ــ ولو متأخرة ــ الى هذه الكارثة الحقيقية التي لا تهدد فقط الأساس الاقتصادي لاستقرار المجتمع ونموه, ولكنها تهدد أيضاً الأساس الاجتماعي لهذا الاستقرار, وتقسم المجتمع الى أكثرية تعاني وأقلية تملك كل شيء, ثم تقسم الأقلية إلى شريحة تراعي بعض حقوق الوطن وتجتهد لكي تنتج وتفتح طاقات للأمل والعمل, وشريحة أكبر وطنها هو الدولار وهدفها هو الربح السهل ولو على حساب الوطن وفوق أشلاء الصناعة الوطنية, وهذه الفئة لا تكتفي بالربح ومحاربة الصناعة الوطنية, ولكنها تضع أموالها في الخارج وتلعب في السوق بأموال البنوك الوطنية, ولأنها تحصل على المال بسهولة تبعثره بسهولة أكبر, وبصورة استفزازية, وبتكلفة هائلة يدفعها المجتمع .. اقتصاديا واجتماعيا. وكان لابد من وقفة .. خاصة وأن مصر بدأت عدة مشروعات عملاقة في سيناء وتوشكى وعلى خليج السويس, وهي مشروعات تحتاج في مراحلها الأولى لضخ استثمارات كبيرة لابد أن توفرها الدولة, وهو ما يزيد العبء على الميزانية, خاصة ان هذه المشروعات العملاقة والضرورية لمواجهة احتياجات المستقبل وتوفير فرص العمالة لن تبدأ في اعطاء ثمارها الا بعد سنوات من العمل الجاد والمكلف في إنشاء البنية الأساسية والمرافق قبل أن تأتي استثمارات القطاع الخاص والأجنبي. وهكذا طفت المشكلة على السطح, وبدأت الاسئلة تتوالى: هل من المقبول أن تدفع الصناعة الوطنية ثمن هذه الفوضى الاستيرادية؟ وهل من المصلحة أن نستورد في عام واحد سيارات بثلاثة مليارات دولار بينما مصانع تجميع السيارات في مصر تعاني أزمة خانقة وتعمل بربع طاقتها وتواجه عملية اغراق منظمة لكي تغلق ابوابها؟ وهل من شروط الاصلاح الاقتصادي ان تستورد مصر بودرة الطعمية والايس كريم؟ وهل ستترك الحكومة صناعة النسيج تعيش ازمة خانقة بسبب تهريب السلع المنافسة من الخارج في الوقت الذي تقوم الدنيا في امريكا تحت زعم ان مصر تصدر الى هناك اكثر من المقبول من ال (تي شيرت) وهو امر يهدد الصناعة الامريكية كما يقال! واذا كانت امريكا تدخل في حرب تجارية مع حليفاتها في اوروبا وتهدد بالويل والثبور والعقوبات المالية والاقتصادية لحماية شركاتها التي تنتج الموز في مزارع امريكا اللاتينية فكيف نترك صناعاتنا الوطنية لحروب الاغراق التي تحاول ابقاء الاوضاع الاقتصادية على ما هي عليه.. أي سيطرة الدول الصناعية الكبرى على العالم ووأد اي محاولة من دول الجنوب لقهر التخلف المفروض عليها؟ وكيف نسمح بتبديد مواردنا المالية المحدودة لارضاء نزوات الباشاوات الجدد بكل ما يتمتعون به من نزق وتخلف فكري وشراهة استهلاكية؟ وما هو الثمن الذي ندفعه اذا استمر هذا الحال على حساب التنمية الحقيقية والاستقرار الاجتماعي؟ وكما قلنا في البداية: رب ضارة نافعة فمجرد طرح الاسئلة يعني الاعتراف بوجود المشكلة والرغبة في مواجهتها وهو اتجاه حميد لايرضي فيلق الدببة الذي احترف (التطبيل) بلا توقف والذي يتصور ان وجود المشاكل عيب, وان الاعتراف بها خطىئة وان الاسلوب الوحيد لمواجهتها هو اغماض العيون حتى لا ترى! ولاشك ان ضغوطا من اصحاب المصلحة في استمرار فوضى الاستيراد ستتم ممارستها وان صراخ السماسرة سيعلو بالحديث عن الحريات الاقتصادية وكأن هذه الحريات لا تتم إلا على حساب الدول النامية واستنزاف ثرواتها وتدمير صناعاتها لكي يتمتع البعض من السفهاء بأكل لحم الطاووس والطعمية المستوردة! وقد يكون هؤلاء السماسرة لهم صوت عال, ولكنهم لن يستطيعوا شيئا اذا سارت الدولة الى آخر الشوط في حملتها ومعها الاغلبية المسحوقة ومعها ايضا القطاع الخاص المنتج.. ومعها الوعي العام بأن الامر لا يحتمل إلا المزيد من الجدية والتقشف وحشد كل الموارد من اجل العبور الحقيقي الى المستقبل.