تناقل الناس في المجتمع, وكذلك فعلت بعض الصحف والمجلات في الأيام الماضية, كلاما صاخبا وحساسا نسب إلى مطربة لبنانية ــ ذات صوت أشبه بالضجيج والحشرجة ــ قيل بأنها تفوهت به أثناء مقابلة لها مع إحدى القنوات الفضائية العربية , الأمر الذي ترتب عليه منعها من دخول دولة عربية, ومنع بث أغانيها في دولة أخرى, بل وقد وصل الأمر إلى اهدار دمها من قبل بعض النواب في البرلمان الأردني. الملاحظ ان كل الذين تداولوا الحكاية وكتبوا حولها, لم يشاهدوا فعلا المقابلة المذكورة, ولم يتمكن شخص واحد من تحديد المحطة الفضائية التي أذاعتها, فالكل اعتمد على النقل والسماع, وهذه أول مصائبنا العربية, فنحن أمة نقل مع مرتبة الشرف الأولى, وأمة القيل والقال مع سبق الاصرار والترصد! هذه واحدة, وأما الأخطر فهو هذا الاهتمام الذي فتح شهية الناس وجعلهم يتابعون الحكاية, ما جعل الصحف تفتش عن رائحة خبر ترضي به قراءها, كما سعى الصحفيون والمراسلون في العواصم العربية وراء المطربة استجلاء للحقيقة وتمييزا (للرشد من الغي), وارتفعت حرارة القضية حد الحمى والهستيريا عندما عقدت هذه المطربة مؤتمرا صحافيا حاشدا لتوضيح وجهة نظرها. وهكذا فجأة وجدنا أنفسنا نصطنع نسخة عربية لمونيكا لوينسكي في قالب فضيحة دينية هذه المرة وليست أخلاقية, باعتبارنا ورثة عقلية تستجيب لعزف الايديولوجيا والعقائد أكثر من استجابتها لأية معزوفات أخرى, فضمنا تعويضا لما فاتنا من صناعة الفضائح الغربية المتقدمة, كما ضمنا ترويجا ناجحا من خلال هذا الاختراق لذهنية الفرد المسلم. والقضية في كل مراحلها ليست سوى فبركة فنية, وسيناريو جيد تم وضعه وتنفيذه بذكاء على نمط حكايات لا حصر لها امتلأ بها الشارع الفني, كان الهدف منها ترويج فيلم فاشل, أو الدعاية لألبوم جديد أو اخفاء اتفاق معين, أو تسترا على فضيحة أو أزمة في هذا الشارع المليء بالخفايا والبلايا, حيث لا تنتهي الفرقعة إلا وثمارها تملأ الجيوب والأرصدة, ويعود الجمهور خاسرا في كل مرة بعد أن أضاع الأيام والساعات والأموال يلهث وراء الفضيحة, يشتري المجلات والصحف, والأشرطة وتذاكر الأفلام, ويقضي الساعات أمام أجهزة التلفزيون وقراءة لا طائل من ورائها وفعلا.. لا عزاء للجماهير! الأهم في حكاية المطربة اللبنانية, انها فرضت نفسها, وحولتها إلى أسطورة يتابعها الجميع بعد أن سجلت مبيعات أشرطتها هبوطا واضحا مقابل مطربات أخريات, كما أصبحت تتحرك في حراسة مشددة كرؤساء الدول تماما, بل وتطلب مقابلة رئيس الجمهورية ومفتي الديار كي تشرح موقفها وتتحدث عن قوة إيمانها وتمسكها الديني وتسامحها العقائدي. نجوى كرم ليست سوى ظاهرة صوتية صارخة, كما كان سلمان رشدي صاحب (الآيات الشيطانية) ظاهرة أدبية شاذة, وكما كان كثيرون تقولوا على رموزنا ونبينا وقرآننا لغباء فيهم, أو لحقد أو لأية أسباب أخرى, ولكنهم لا يجب أن يتحولوا بارادتنا إلى أساطير تتعلق بأية كلمة تخرج من أفواههم وكأننا سنتبين منهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الإيمان وثوابت العقيدة.. وسواء قالت أو لم تقل فلا جديد عليها ولا كثير على أمثالها ممن يملأون ساحة الغناء صراخا وزعيقا وقبحا.