الايرانيات يحصدن 300 مقعد بلدي في حين تفشل نظيراتهن القطريات في إحراز أي مقعد في المجلس البلدي الجديد . هل هي مصادفة محضة. بالطبع كلا, وثمة أسباب لا يمكن ان تخطئها العين أدت الى هذه النتيجة, رغم انه لا تجب أيضا المبالغة في الامور. ينبغي ان نضيف قبل أن نسترسل بأن الأمر لم يكن ليختلف لو جرت انتخابات بلدية في أي دولة خليجية أخرى. فالمرأة الخليجية رغم ما حققته في الجانب التعليمي والمهني, إلا أنها بقيت بعيدة في مجال الحياة العامة. والانتخابات بما هي حضور شخصي وقدرة على إقناع الآخرين والفوز بثقتهم, وبما هي علاقات اجتماعية وعامة, يظل الفوز فيها من نصيب الأقدر على توفير كل هذه المتطلبات. في هذا كله تبقى نساؤنا بعيدات وغير متكافئات مع زملائهن من الرجال. فحياتهن العامة بسيطة, ومجال تحركهن الاجتماعي ضيقا ومحدودا. وفي حين يستطيع الرجل الناخب ان يصل الى مثيله الرجل المرشح بسهولة وبدون عواقب, فان الأمر يختلف مع المرأة المرشحة. أضف إلى ذلك أن سطوة العادات والتقاليد الراسخة تبقى ثقيلة على المرأة. فالرجل في مجتمعاتنا الخليجية ربما قبل أن تكون زميلته في العمل امرأة. لكن من المشكوك فيه ان يقبل طواعية وبهذه السهولة بأن تقوده ــ حسب تعبير بعض الرجال ــ امرأة, سيما في الأمور العامة كما هو حال المجالس البلدية او التشريعية. والملفت للنظر هنا إن المرأة الناخبة نفسها قد لا تختلف كثيرا عن الرجل في نظرتها وتقييمها للمرأة المرشحة. فهي الأخرى لا تثق كثيرا في بنات جنسها, وتعتبر إن الشؤون العامة من اختصاص الرجال وحدهم. وهذا ما يفسر ان الناخبات القطريات لم يصوتن بصورة كافية للنساء المرشحات. هذا الواقع لا يختلف كثيرا عن ايران, رغم نجاح 300 امرأة في الوصول الى المجالس البلدية اخيرا من بين ستة آلاف امرأة رشحن أنفسهن, إلا من زاوية واحدة, وهي أن الانتخابات الايرانية هي انتخابات سياسية بالدرجة الأولى. بمعنى ان التصويت لهذا المرشح او ذاك يتم على اساس انتمائه السياسي قبل أي شيء آخر. وليس من باب المصادفة ان الفائزات هن قريبات من تيار الرئيس الايراني محمد خاتمي. وكانت النساء الايرانيات اللواتي شاركن بكثافة في الانتخابات الرئاسية قد ساهمن في فوز خاتمي نفسه. أضف لذلك إن الحياة الاجتماعية في إيران نشطة, ودور المرأة فيها ممتد وبعيد, رغم القيود الاجتماعية الكثيرة التي فرضها عليها النظام الجديد. لكن لا ينبغي ان نبالغ ايضا في الأمر, فالرقم 300 رغم أهميته, يبدو صغيرا جدا, خاصة إذا علمنا ان عدد اعضاء المجالس البلدية المنتخبين يصل الى اكثر من مائة الف عضو وحوالي 75 ألفا احتياط. وانما يكمن المغزى في وصول أي امرأة في حد ذاته إلى هذا المجلس, إضافة الى المغزى السياسي المتمثل في كون النساء الفائزات محسوبات على تيار الإصلاح وليس تيار المحافظين. هذا على صعيد إيران. أما بالنسبة الى قطر فالواقع ان التجربة الوليدة تظل تجربة رائدة وهي واعدة بكل المقاييس. ومجرد قرار المرأة الترشيح وليس فقط المشاركة في الانتخابات يعني في حد ذاته الشيء الكثير, ليس بالنسبة للمرأة في قطر فحسب, وانما بالنسبة للمرأة في الخليج العربي كله. فهذا يعني في كل الأحوال أننا بتنا على أبواب عصر جديد.