كان البحرينيون على موعد مع القدر الذي غيب أميرهم المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه, وذلك ظهيرة يوم السبت الموافق السادس من شهر مارس من عام 1999م. الحزن, الصدمة , والذهول... مفردات أساسية لازمت الحدث الجلل, لماذا رحل سريعا؟ وأي نوبة هذه التي لم تمهله إلا قليلا؟ لكنه القضاء والقدر... اللهم لا اعتراض. لقد رحل من بنيت في عهده البحرين الحديثة. لقد توقف القلب الكبير عن الخفقان. رحل انسان كان قمة في التواضع والبساطة, فأجمع الكل على سلوكياته هذه وبرحيله فقدت البحرين علما من أعلامها, وقائد مسيرتها طوال ثمانية وثلاثين عاما. في المشهد الأول, لم يصدق كثيرون النبأ الذي لم يعلن رسميا إلا بعد ثلاث ساعات من حدوث النوبة القلبية القاتلة, لكن البلاد كانت على غير طبيعتها, من سمع الخبر كان يبحث عن مصادر موثوقة يريد منها نفي ما وصل إليه. لكن اليقين جاء من الاذاعة والتلفزيون, فسلم الجميع بقضاء الله وقدره. انها سنة الله في الكون والحكمة الإلهية, فما الذي يمكن لأهل البحرين فعله أمام الأجل المحتوم, سوى اعتصار القلب والدموع التي انهمرت, والآلاف التي شيعت الفقيد إلى مثواه الأخير. اتسم عهد المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة, أمير البحرين الراحل, بمراحل تاريخية ومفاصل ومحطات, لابد من تأريخها وتسجيلها. فقد ولد الأمير الراحل في الثالث من شهر يونيو من عام 1933م وتلقى تعليمه الأساسي على ايدي معلمين خصوصيين, حيث كان التعليم النظامي لا يزال في بداياته الأولى, وعين في مجلس الوصاية عندما كان والده الشيخ سلمان بن حمد حاكم البحرين, آنذاك, في رحلة للخارج عام 1953م, ومثل والده في تتويج الملك فيصل الثاني ملك العراق عام 1954م, وترأس المجلس البلدي الذي يعتبر أول مجلس منتخب في منطقة الخليج واستمر في هذا المنصب حتى توليه سدة حكم الامارة عام 1961م. في منتصف الستينات وعت أعيننا على الشيخ عيسى عندما كان يجيء كل يوم اثنين (ان لم تخني الذاكرة) إلى مسقط رأسه في قرية الجسرة غرب البلاد, وهي قرية شاطئىة تقابل شواطئ المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية, كنا أطفالا في المدرسة الابتدائية, حين كان يمر بسيارته أمام مدرستنا (مدرسة البديع الابتدائية للبنين), وغالبا ما كان وقت مروره (الفسحة) حيث الطلبة في فناء المدرسة لم يكن يرافقه أحد في زيارته لمسقط رأسه, بل كانت سيارته وحيدة تجوب الشارع, ولا يترك أحد في الطريق إلا ويرفع يده له مُسلما ومرحبا. أولى بوادر الادراك كانت حين جرى استفتاء للأمم المتحدة على عروبة البحرين, فقد كان شاه ايران يطالب بالجزيرة ويعتبرها جزءا من الامبراطورية الفارسية, وحين أعلنت بريطانيا الانسحاب من الخليج عام 1968م, نظم على أثرها الاستفتاء الشهير. ولم تكن نتائج هذا الاستفتاء إلا تأكيدا على عروبة البلاد فقد أكد شعب البحرين في القرى والمدن على انتمائه العروبي ودحر هذا الشعب أطماع محمد رضا بهلوي الذي كان يبحث عن ثغرة لضرب اسفين في المجتمع البحريني, الذي كان وقتها لا يزال يواجه سياسة الاستعمار البريطاني المعروفة (فرّق تسد). الادراك بهذه الحقيقة, توج بمظاهر الفرح في القرى والمدن البحرينية حيث تم الإعلان عن نتيجة الاستفتاء, فقد كانت الناس ببساطتها وعفويتها تحمل في احشائها معنى عميقا للانتماء والهوية, تدرك دون ملابسات معنى الأرضى والوطن, حتى قبل رصف الشوارع والأزقة, فكان الانسان البحريني في مستوى ذاك التحدي الكبير وواجهه بكل قدرة وقناعة وبايمانه وانتمائه الراسخ لهذه الأرض العربية, فلم يكن أمام شاه ايران, حينها, محمد رضا بهلوي, إلا الرضوخ لمشيئة الشعب البحريني وقيادته في الاستقلال وتأسيس الدولة الحديثة التي جاءت مع الانسحاب العسكري البريطاني في الخامس عشر من أغسطس من عام 1971م. هكذا تجلت الوحدة الوطنية في أخطر امتحان مرت به البحرين, امتحان على كيانها ومستقبلها السياسي والتاريخي والجغرافي, لقد لبَّى الشعب حين كان الوطن ينادي. في خطاب الاستقلال, كان الشيخ عسى رحمه الله قد أصدر مرسوما بتغيير لقب (حاكم البحرين) إلى (أمير دولة البحرين) , حيث تأسست الدولة وانضمت إلى جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة, لتبدأ مسيرة البناء بعد الاستقلال. في الخطاب المذكور, حدد الأمير الراحل متطلبات المرحلة آنذاك, وركز على التلاحم الوطني والعزم على خوض التحدي الحضاري, فكانت أولى لبنات الدولة تشكيل حكومة يرأسها الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة, وتشكيل المجلس التأسيسي الذي وضع أول دستور عصري للبلاد, ومن ثم جاء تشكيل المجلس الوطني بعده بعام واحد. لقد كان للخطوات التي اتخذها المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة بعد السنوات الأولى للاستقلال موقع احترام وتقدير من شعبه, اذ كانت تلك الخطوات تؤسس لمجتمع ودولة المؤسسات الحديثة التي لا تزال تحدياتها قائمة مع التطور المجتمعي الذي تشهده مختلف البلدان. وفي منتصف السبعينات, حيث الطفرة النفطية التي مرت بها المنطقة وقفزت بايرادات دولها وشعوبها, ولأن البحرين تعتبر الأقل انتاجا من غيرها في ثروة النفط, وبسبب اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية حيث كانت بيروت مركزا ماليا متقدما في المنطقة العربية فقد أصدرت قوانين جديدة تتعلق بشكل رئيسي بالجوانب والحقول المالية والمصرفية, وتم السماح لوحدات المصارف الخارجية (الأوفشور) للعمل انطلاقا من البحرين لتصل اعدادها الآن إلى أربعة وخمسين وحدة مصرفية خارجية (أوفشور) وعشرين مصرفا تجاريا, ليسجل القطاع المصرفي والمالي نسبة مهمة من اجمالي الدخل المحلي تصل حاليا إلى عشرين بالمائة, وتمتص عمالة ماهرة, اغلبيتها الساحقة من أبناء البلاد. وفي الجانب الصناعي, سجل هذا القطاع نموا خلال حقبة الأمير الراحل, فكانت شركة البحرين لصهر الألمنيوم (البا) باكورة النشاط الصناعي, لتشكل بنية تحتية, إذ يعتبر مصهر الشركة من أكبر المصاهر في العالم, وتنتج حاليا نصف مليون طن متري من الألمنيوم الخام, وحيث ان هذا المصنع يحتاج إلى مصانع تحويلية, فقد انشئت مصانع للألمنيوم, وعلى رأسها مصنع درفلة الألمنيوم (جرامكو) الذي يعتبر عصبا رئيسيا في الصناعة, ثم انشيء الحوض الجاف (اسري) بمساهمة من دول الأوابك, وتتالت المشاريع الصناعية لتسجل مساهمتها المهمة في الناتج المحلي الاجمالي في الوقت الحالي إلى قرابة اثنين وعشرين بالمائة. وقبل رحيله بأيام قليلة أصدر الأمير الراحل مرسوما بشأن تشجيع الاستثمار في البحرين والذي يقضي بالسماح للخليجيين بتملك الشركات المساهمة بنسبة مائة بالمائة, وذلك في خطوة جادة لتنفيذ قرارات مجلس التعاون في هذا السياق وتعزيز الوحدة الخليجية التي من شأنها دفع عجلة التنمية وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية للبلاد, خاصة في ظل انهيار أسعار النفط التي تواجهها الدول المنتجة. لقد كان لسياسة تنويع مصادر الدخل التي سعت البحرين في عهد المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة, دور في درء بعض الأخطار الاقتصادية, اذ يشكل النفط في الايراد الحكومي نسبة لا تزيد على الخمسة والخمسين بالمائة مما يجعلها أقل تضررا من الآثار التي يسببها هذا الانهيار على الدولة. رحم الله الشيخ عيسى, فقد خلق من التواضع والبساطة أميرا أحبه الجميع, ليرحمه الله ويسكنه فسيح جناته.