سئلت منذ أيام ان اجيب, وبصراحة شديدة, عن موقفي من التوطين, وربما كانت الاشارة الى السائل ودوافع السؤال واسبابه امرا هاما, لكن سوف اضرب صفحا عن ذلك, ربما هذه المرة فقط ! ولست ادري لماذا تم طرح السؤال مع الالحاح الشديد في الاجابة عليه بصراحة, فربما كان هناك انطباع لدى البعض بان هناك (مؤامرة) تستهدف التوطين, ويقودها من طرح عليه هذا السؤال, او ربما - وهو الارجح - تحول التوطين الى شعار كفيل بلفت الانتباه, وشد الانظار, وكسب العواطف المتلهفة - وهي محقة في ذلك - لتلقف اي شعار يعبر عن هاجسه وقلقه, ويتلمس همومه ومشكلاته. والتوطين شعار جذاب, وحلم جميل, ومشروع ايضا, لاشك في ذلك. وهو, وغيره من المسائل كطوفان العمالة غير العربية الوافدة, والبطالة المتفشية في اوساط الخريجين المواطنين, والخلل المرعب في التركيبة السكانية, والهوية الثقافية المهددة, كلها تمثل قضايا مصيرية, يجب ان تهم الفرد والمجتمع والدولة, وهي جديرة بذلك لتعلقها بحاضر هذا الوطن ومستقبله, ولايمكن ان يختلف اثنان, صدق لديهما الانتماء الى هذا الوطن, وحمل كل منهما لقب (مواطن) على الاهمية البالغة لتلك المسائل, ومع ذلك فان هناك فئة (مواطنة) لاتهمها تلك المسائل من قريب او بعيد, وهي في ذلك مدفوعة - وللاسف الشديد - بالمصالح الشخصية الضيقة, وقصر النظر, بل وعماه. هذه الفئة هي التي تشكل (اللوبي) - حسب تعبير الاستاذ محمد المر - ضد اي تغيير او تحسين في الاوضاع الحالية. ومع انني لا ارى ضرورة, ولست بحاجة الى اعلان (البراءة) من الانتساب الى فئة (اللوبي) , وحيث اننا بصدد الحديث عن التوطين, فان هناك عدة امور يجب تبيانها في هذا الشأن. معنى ان تكون مواطنا لا اريد ان ابدأ بالمواطن (السلبي) ولكن عند البعض تنحصر الكفاءة وتتلخص الاهلية في حمل جواز سفر هذا البلد: فتصور هؤلاء ان ذلك يكفي لاصدار الاوامر لفتح كافة الابواب, واذا طالبت احد هؤلاء بابراز مؤهلاته التي تعكس كفاءته, والحديث عن خبراته ومجالات انتاجه وعطائه وابداعه, فانك بذلك تكون قد ارتكبت اثما كبيرا, وعليك ان تتوقع ردة فعل شديدة تبدأ عادة بـ: يا اخي انا مواطن واذا كنت محظوظا قليلا فقد يعرض عليك هذا (البعض) اما شهادات لاقيمة لها, حصل عليها عن طريق (تتبع الرخص) على حد تعبير فقهائنا الافاضل, منحت له من احدى الجامعات التي لاترد يد لامس. او ان يكتفي بترديد المؤهل الوحيد الذي يحمله: انا مواطن. وهنا يحدث الخلط الكبير بين حقوق اي مواطن, كحق التعليم, والحصول على ارض, او مسكن شعبي .. ونحو ذلك, وبين الحصول على الوظائف حيث ان طالبها مواطن ايضا ويبقى المعيار (الشرعي والوحيد) في نظر هؤلاء, هو انه مواطن. خطورة التحاق هذه الفئة بالوظائف والاعمال والمهن, سواء أكانت حكومية ام غيرها, ان هذا التصور (البائس) يبقى موجها لها ومسيطرا عليها. وبحيث تجد تلك الفئة في ذلك الامر تميزا, بل وافضلية مطلقة على غيرها, حتى ولو كان ذلك على حساب العمل, ومستوى الاداء, ومقدار الانتاج وجودته, ومن ثم اوجد كل ذلك, تلك (النفسية) المتعالية التي تكرر كل حين: انا مواطن. ويبدو ان اصل هذه المشكلة تربوية في المقام الاول. تنشأ عادة في مراحل مبكرة من حياة الفرد, ويحضرني في هذا السياق حديث حدثني به زميل (مواطن) , استاذ بالجامعة, وذلك عندما تقدمت اليه احدى طالباته حيث كانت مهددة بالانذار الاكاديمي, ويوجه مثل هذا الانذار عادة للطلبة من ذوي المعدلات المتدنية جدا, ومن آثاره الفصل من الجامعة, وكانت تلك الطالبة تسعى الى رفع معدلها, فقالت للاستاذ: انا طالبة مواطنة, وانت دكتور مواطن (عطني) امتياز!. صاحبنا لم يستوعب ما سمعه من الطالبة, وطبيعة ذلك الطلب الغريب , لكنها اي الطالبة, اكدت له ما تعنيه, حيث كانت (المواطنة) في نظرها مبررا كافيا لتجاوز معايير التقويم لتمنح الامتياز, حتى ولو كانت غير مستحقة له من الناحية العلمية. بقي ان اشير, بعد كل ما تقدم من تلك النماذج السلبية, ان ذلك لايعني, وبكل تأكيد , غياب العناصر المواطنة الجادة والمنتجة, تستمد من عنصر (المواطنة) دافعا لبذل المزيد من العطاء والانتاج والتطوير وهم بحمد الله كثيرون, يواصلون العمل الدؤوب, ويعملون بكل جد واخلاص في خدمة هذا الوطن وتطوير مؤسساته وهكذا تكون المواطنة الحقيقية. هؤلاء كذلك, لاينظرون الى اي مطلب يدعوهم الى المثابرة في العمل وتطوير المهارات الفردية, وبذل المزيد من التضحيات على انها تأتي في اطار (المؤامرة) التي تستهدف (تطفيش) المواطنين! ما يطمح اليه المرء ويرجوه حقا في هذا الشأن هو اختفاء اسباب (الثقافة) السلبية التي افرزت الكسل والتعالي لدى فئة: انا مواطن وبس. حتى لايتحول (التوطين) الى مجرد شعار تذكرني بعض شعارات هذا الزمان بتلك الشعارات التي كانت سائدة في بعض فترات هذا القرن حيث كانت معظم تلك الشعارات حافلة بالحماس, تدغدغ العواطف وتثيرها, ولاتحرك شيئا في العقول, ولاتترجم في الواقع الى ممارسات, وتسببت تلك الشعارات كما هو معلوم, في الاخفاقات المتتالية في تحقيق الوعود التي كانت تحملها, والرخاء الذي كانت تبشر به كما اخفقت تلك الشعارات ايضا في تنفيذ (الوعيد) الموجه لاعداء العرب, كاسرائيل (المزعومة) مثلا! والتي كانت مهددة بالالقاء في البحر .. وغير ذلك من العجائب التي سجل التاريخ زيفها, واثبتها باحرف من بؤس. نعود الى مسألة التوطين, التي اسعد كثيرا عندما ارى اناسا يثيرون المياه الراكدة حولها, ويلفتون الانتباه اليها, وهي - بلا شك - تستحق ذلك الاهتمام وزيادة غير ان سعادتي سرعان ما تتحول - في كثير من الاحيان - الى قلق, يتطور الى حزن على الاسلوب الذي به يتم طرق هذا الموضوع وطرحه. باستثناء المقالات الرصينة الهادفة للاستاذ محمر المر ( نفتقدها هذه الايام), وقلة من الكتاب الآخرين, فانك لاتكاد تجد الا صخبا وضجيجا, لايسفران عن شيء ذي قيمة, بل تحول التوطين معهما, مع الصخب والضجيج, الى شعار للمزايدة, ومجال للمغالطة, وميدان للاثارة المجردة لاغير. وحتى لا يشيع هذا الاسلوب, ويعلو صوت الصراخ الاجوف, فانه لابد من طرح البديل المتمثل في الطرح الجاد لهذا الموضوع, ويكون ذلك حسب تصوري المتواضع - بالاسهام في تجلية معنى التوطين على النحو الذي يدفع كل خلل يمكن ان يحد منه, او يسيىء اليه, ثم انه بحاجة ملحة, الى وعي شعبي ورسمي عام, تشارك في بثه وتحقيقه مؤسسات الدولة والمثقفون والباحثون ووسائل الاعلام. ولاشك ان المبادرة التي اطلقتها (البيان) منذ عدة اشهر, من خلال حملتها المكثفة تعد احدى الخطوات الرائدة والنماذج القوية في هذا الاتجاه. وبغير هذا الوعي, وتهيئة الاجواء المناسبة لقبول فكرة التوطين وتنفيذها, لايتوقع وجود استعداد لدى الجهات الرسمية وكذلك الافراد المعنيين بهذا الامر للسير في اعداد خطة حقيقية ومرحلية تدريجية لتنفيذ سياسة احلال المواطنين, وتوطين كافة الوظائف الهامة, ومعظم المهن في القطاعين العام والخاص. تلك الخطة لتحقيق ذلك الهدف, لابد ان تكون كذلك مدعومة بقرارات وقوانين ملزمة لا معلمة فقط.