لم يتعب اللبناني بعد من الحلم بظهور البترول في أراضيه, وذلك منذ العام 1926 حيث بدأت عمليات التنقيب وحتى اليوم, فقد جننت سيجارة أشعلها مزارع مؤخراً, في البقاع, واشتعلت على اثرها بئر مهجورة بالقرب منه, لبنان كله, الذي هرع الى البئر ليحتفل بانفجار البترول من الأرض, لولا أن الحلم تبدد مرة أخرى . فقد تبين أن في البئر مخلفات اسفلتية قديمة تستخدم في البناء وموجودة منذ زمن, لا بترول ولا نفط ولا غاز, فازداد احباط اللبنانيين وخيبة أملهم في العثور على قطرة نفط ترفعهم الى مصاف الدول البترولية حقاً, خاصة أن لديهم كغيرهم وزارة للنفط, أكثر ما تعمل فيه هو أن تبيع النفط للمواطنين بعد شرائه من الخارج. وشخصياً, وربما كان معي آخرون, نندهش من هذا الحرص اللبناني على اكتشاف النفط والرغبة في العثور عليه الى درجة الحلم, فمن الواضح ان اللبناني لم يسمع أن سعر البرميل أقل من سعر كرتونة مياه صحة صناعة لبنان, فيستطيع ان يحول المياه التي لديه الى بترول حقيقي, خاصة اذا قام بتصديرها الى دول تعاني من نقص المياه كدولنا, فيقوم بحفر آبار المياه وبناء سدود للحفاظ على الموجود منها, بدلاً من الركض وراء سراب منذ العشرينات وحتى اليوم. وهكذا يستطيع لبنان عن طريق وزارة الماء والمعادن, في حال استحداثها, بدلاً من وزارة النفط الحالية, أن يحقق فائضاً في الميزان التجاري لصالحه من الماء والخضروات, والفواكه والزيتون وغيرها, بأكثر مما يمكن ان يحققه فيما لو كان عنده بترول فعلاً, لأن زمن هذا قد ولى, وإلا ما هبطت أسعاره الى ما دون سعر الماء وأقل. غير أن اللبناني بينه وبين النفط قصة, فمن البئر المشتعلة التي أحرقت أمل اللبنانيين في استخراج النفط الى التهديد باستمرار برفع سعره على المواطنين كلما واجهت الحكومة أزمة ديون وسيولة, فقيام هؤلاء بمظاهرات واحتجاجات تسقط الحكومة, لا يمر يوم في لبنان من دون أن يكون للنفط ذكر, ربما بأكثر ما يتم ذكره في دول تسبح على النفط كدولنا الخليجية. وهذه الأيام هناك اعتقالات وفتح ملفات وبدء اجراءات لمحاكمة وزير النفط السابق شاهي برصوميان وعدد من اركان وزارته ومديري شركات بتهم بيع بترول الدولة لحسابهم الخاص, بحجة انه من المخلفات النفطية, قاموا بشرائها نيابة عن الدولة ثم باعوها عبر شركاتهم الخاصة, اما بعد تكريره في مصاف لبنانية أو عبر استيراده جاهزاً للاستخدام, فاذا علمنا ان فاتورة هذا البترول تصل الى حوالي 600 مليون دولار سنوياً, نعرف حجم المخالفات التي يمكن ان يكون برصوميان وشركاؤه قد ارتكبوها. طبعاً وجود برصوميان وأمثاله سبب آخر لكي يكف اللبنانيون عن الحلم بظهور البترول في بلادهم, فهذا شفط البترول حتى ولبنان خال منه, فكيف سيكون الأمر لو كان لبنان فيه بترول, ما يجعلني أحمد الله أولا لأن برصوميان لم يكن وزيراً في دولة من دولنا البترولية كالكويت أو السعودية أو الامارات, وإلا كان البترول قد نضب منذ فترة, ثم ثانياً أدعو اللبنانيين اذا استمروا في الحلم بظهور البترول, الى استخراجه من بطن برصوميان وكل وزير مثله, فوجوده في بطونهم مضمون مقابل مغامرة البحث عنه تحت الارض.