مع تصريحات ساندي بيرجر مستشار الامن القومي للرئيس الامريكي المتعلقة بالانتخابات الاسرائيلية تم وضع عملية المفاوضات في الثلاجة رسمياً الى ما بعد الانتخابات الاسرائيلية , وعلى الجميع انتظار ما ستسفر عنه هذه الانتخابات لاستئناف المفاوضات بذلك تكون سياسة نتانياهو قد وجدت المصادقة الامريكية, ولكن هذه المرة ليس بتجميد اتفاقات وقع عليها حزب العمل ولا تتلاءم مع الليكود وسياسته, انما بتجميد الاتفاقات التي وقع عليها نتانياهو نفسه. لا شك بان سياسة نتانياهو مرفوضة ومدانة بشبه اجماع دولي باعتبارها تعوق عملية السلام, وقد فسرت سياسته من البعض بالجهل ومن آخرين بعدم الخبرة, والبعض فسرها بأنها سياسة ايديولوجية المنطلقات اكثر منها سياسة دولة تدرك مصالحها. وغيرها من التفسيرات التي تقترب من وجهة النظر هذه او تلك. ولكن, الا نستطيع ان نجد ناظماً لهذه السياسة, يقوم على رؤية محددة للمصالح الاسرائيلية في التعامل مع عملية السلام القائمة, يستطيع اداء نتانياهو السياسي ان يضعها موضع التطبيق رغم طنين الرفض الدولي لسياساته, التي سرعان ما تتحول الى جزء من المعادلة التفاوضية باقرار الراعي الامريكي الوحيد؟ اصبح من الواضح ان نتانياهو لا يحمل المواقف الدولية من عملية السلام على مجمل الجد, طالما انها تقع في اطار المواقف اللفظية, وغير قابلة للتحول عقاباً لاسرائيل على مواقفها. بذلك يمكن تمرير المواقف الاسرائيلية الاكثر تعويقاً لعملية السلام وتحويلها امراً واقعاً خصوصاً وان الراعي الامريكي يعيد انتاج سياسته حيال عملية السلام بما يتلاءم مع السياسة الاسرائيلية على رغم الامتعاض اللفظي من سياسة نتانياهو, ولسان حال الادارة الامريكية يقول لنتانياهو: احصل على اي تسوية بصرف النظر عن اجحافها ونحن ندعم ذلك فتحولات الموقف الامريكي المتسارعة في ظل ولاية الرئيس بيل كلينتون تشير بما لا يقبل الشك الى اطلاق اليد الاسرائيلية في شأن عملية السلام في المنطقة فبعد المواقف الامريكية التي تعتبر ان الاراضي المحتلة (اراض متنازع عليها) وهو تغيير واضح في السياسة الامريكية التي كانت تعتبرها (اراضي محتلة) واعتبار الاستيطان (قانونياً) بعدما كان يشكل (عامل تعقيد) وقبلها كان (غير قانوني) وبعدما كان اتفاق اوسلو ينص على عدم اقدام اي طرف من الاطراف على فرض وقائع جديدة تؤثر على مفاوضات الوضع النهائي, مما يعني وقف الاستيطان, اصبح اتفاق اوسلو لا ينص على الوقف بحسب الادارة الامريكية وبعدما كان الطلب الامريكي (وقف الاسيتطان) لتقدم عملية السلام, تحول الى (تجميد للاستيطان) مؤتقاً, وبعد التجميد اصبح الموقف الامريكي يقول ان على الاستيطان ان يأخذ (استراحة) بحسب وزيرة الخارجية الامريكية. في ظل هذه المواقف لراعي عملية السلام والمتحكم بها والمصوغة بحسب المواقف الاسرائيلية, وابعاد اوروبا عن التأثير في عملية السلام, وفقدان العرب القدرة على التأثير والضغط على كل من السياستين الامريكية والاسرائيلية, من خلال توافق عربي يملك الحد الادنى, وجد نتانياهو يده مطلقة ليس في فرض شروط جديدة على عملية السلام فحسب, بل في اعادة النظر في الاتفاقات الموقعة وتخريب ما تم التوصل اليه, حتى مع الليكود نفسه ووقع عليه نتانياهو, وكانت اتفاقات اوسلو مجال الاختبار لسياسة نتانياهو, باعتبار ان هذه الاتفاقات تشكل خطراً على الامن الاسرائيلي, فمنذ وصوله الى السلطة عمل نتانياهو على جعل عملية السلام تتآكل جراء السياسة المتبعة من حكومته, وابقاء هذا التآكل باعتباره الحالة الطبيعية لعملية السلام والعودة الى مقولة (التفاوض من اجل التفاوض) التي صاغها رئيس الوزراء السابق اسحاق شامير, فكان لابد من وضع المفاوضات على سكة اخرى وتغيير اولوياتها, ليس بحسب المتطلبات الاسرائيلية التي صاغها حزب العمل الاسرائيلي عندما كان في السلطة, بل بحسب التوجهات التي صاغها الليكود وهو في المعارضة, من خلال المعادلة التي صاغها الليكود والتي تقول (الامن مقابل السلام) واستبدلها بالمعادلة التي تم اطلاقها في مدريد والتي تقول بـ (الارض مقابل السلام) . لقد عملت صيغة مدريد ومن بعدها اتفاقات اوسلو بصفتها اتفاقات مؤقتة على انتاج الامل عند الفلسطينيين بامكان الوصول الى حل مقبول من خلال المفاوضات باعتبار اتفاقات اوسلو خطوة على الطريق الصحيح, او بداية تتبعها خطوات اخرى على تحقيق الحقوق الوطنية للفلسطينيين, وبصرف النظر عن تقويم سياسة حزب العمل الحقيقية, الا ان المرونة التي اتبعتها حكومة حزب العمل عززت هذه الآمال عند الفلسطينيين, لذلك, كانت اوسلو من وجهة النظر الفلسطينية تفتح باباً للوصول الى سقف اعلى من الاتفاقات المرحلية التي نصت عليها اتفاقات اوسلو. مع نتانياهو واختلاف المعادلة التفاوضية, تم اختصار المفاوضات الى البحث عن الصيغة الامثل لحماية امن اسرائيل ــ فكان اتفاق واي بلانتيشن الذي لم ينفذ وجوهره اتفاق امني ــ وباعتبار ان على الفلسطينيين ان يكونوا وكلاء هذا الامن الاسرائيلي, وكان ان صادقت الادارة الامريكية على هذه السياسة, باعتبار انه لا يمكن التعامل مع مطالب الطرفين كمطالب متعادلة, ولا يمكن المساواة بين (الارهاب) وبناء المستوطنات, ومن هنا, كان نجاح نتانياهو في تحويل الاولويات الاسرائيلية, اولويات للراعي الامريكي, وهذه النجاحات هي التي يبني عليها نتانياهو حملته الانتخابية, حيث احدث انقلابا في عملية السلام, وجعل اسرائيل اكثر امناً, والسلطة الفلسطينية اكثر تعقيداً, وعلى هذا الاساس يبني شعاره الانتخابي (رجل قوي لشعب قوي) متسلحاً بما حققه من نجاحات اسرائيلية في عملية المفاوضات. كاتبة فلسطينية