رافق ميلاد العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) قبل شهرين, تهليل الأوروبيين لمنجزهم الأهم في التاريخ منذ بداية فكرة قيام تجمع أوروبي, يجمع دول أوروبا حول مشروع اتحادي يمكنهم من مواجهة التحديات العالمية المتغيرة, التي تسير باتجاه سيادة التجمعات الكبرى , وتنقذهم من سيطرة الولايات المتحدة التي لا تزال تذكرهم من وقت لآخر بأنها صاحبة الفضل في انقاذهم من الدمار الشامل خلال الحرب الكبرى الثانية, وأيضا كانت لها اليد الطولى في بناء الرفاهية التي يتمتعنون بها الآن, والتي تميزهم عن غيرهم من دول العالم المتخلف, ولولا مشروعها المعروف باسم (مشروع مارشال) ما كان لأوروبا ان تكون على ما هي عليه اليوم اقتصاديا. لكن شهرين مرا على بداية العملة الموحدة (اليورو) , وكل شيء يسير بشكل لا يعكس التحاليل التي كانت تعتقد ان تاريخا أوروبيا على وشك البداية مع مولد هذه العملة, بل ان التشاؤم أصبح سائدا في العديد من الأوساط الاقتصادية والسياسية بشأن قيمة هذه العملة نفسها, التي بدأت بسعر أعلى كثيرا من الدولار الأمريكي, وأصبحت خلال الأيام الأخيرة تنحدر بشكل مذهل حتى تحول الدولار من جديد العملة التي تحتمي بها العملات الأخرى من التدهور, وتهرب إليها رؤوس الأموال خوفا من الأزمات الاقتصادية التي حلت بعدد من الاقتصادات الناهضة في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية, والتي لا تزال تحلق على رؤوس الأسواق العالمية بما فيها الأسواق الأوروبية. لكن الجميع متفقون على ان سبب الضعف ليس في العملة الأوروبية الواحدة في ذاتها, بل العملة تكمن في من يقفون من وراء تلك العملة, لأن قوة أية عملة أو ضعفها لا يكمن فيها, بل يكمن في النظام السياسي والاقتصادي الذي يقف من ورائها ويدعمها, ويوفر لها الحماية أو يعرضها لخطر الانهيار. العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) بدأت قبل شهرين في التطبيق الرمزي. لأن تداولها بشكل عملي لم يبدأ بعد, الا ان عملية طرحها لم تؤد فعلها في تغيير عقليات السياسيين الأوروبيين الذين طرحوها على أوطانهم, بل بعد الطرح مباشرة بدأت أوروبا تسير كسفينة بلا ربان, وتتجه نحو وجهة مجهولة. معظم دول الاتحاد الأوروبي تعيش الآن حالة من الانغلاق على النفس أو تعاني من مشاكل داخلية تنعكس على توجهاتها الخارجية دون ان تحاول الفصل بين تلك المشاكل وبين السير في المشروع الكبير نحو الاتحاد. وتلعب السياسة الزراعية دور (العلة) التي تضعف العملة الأوروبية, فالخلاف على عدد من الموضوعات الزراعية وبشكل خاص مشكلة تطبيق حصص زيت الزيتون واللبن بين الدول المنتجة, هذا التطبيق الذي دفع بالمزارعين الأوروبيين الى السير على الأقدام من كل بلاد جنوب أوروبا التي تعتبر المنتج الرئيسي لزيت الزيتون واللبن, لتضع البرلمان الأوروبي في أول مواجهة حقيقية مع نفسه وتكشف لأول مرة عن الانفصام بين برامج الأحزاب التي تكون هذا البرلمان والاحتياجات الحقيقية للناخبين الذين يشكل المزارعون جزءا مهما منهم, حتى تحولت المواجهة من مجرد مطالبة بحقوق فئوية الى أزمة ديمقراطية, بل أزمة سياسية حقيقية. وبدأت الاستقطابات تلعب دورها بين الدول التي تشكل الاتحاد الأوروبي بتشكيله الحالي, أبرزها المحور الألماني الفرنسي في مواجهة محور دول الجنوب الزراعية الفقيرة, التي تشكلها اسبانيا والبرتغال واليونان, ومن المنتظر ان تحدث المواجهة في اجتمع برلين المقرر عقده يوم 25 مارس الحالي تحت الرئاسة الألمانية. وربما ينعكس مناخ الاستقطاب على مناقشة (الأجندة 2000) التي تقرر السياسة الأوروبية خلال السنوات من 2000 الى 2006, والتي تتضمن أكبر تحد مؤثر في مستقبل الاتحاد الأوروبي, وهو التوسع شرقا بضم عدد من الدول التي كانت تابعة من قبل للمجموعة الاشتراكية, وعدم الاتفاق على هذه الأجندة ربما يعني استبعاد التوسع, أو تأجيله لفترة لاحقة, مما يعني فشلا ذريعا في السياسة الأوروبية العامة, ويؤثر أيضا على ثقلها السياسي عالميا, والذي لا يكاد يشكل حاليا ثقلا حقيقيا في مواجهة القوة الأكبر المتمثلة في الولايات المتحدة. من غير المحتمل ان تقبل المانيا المشروع الاسباني الذي يحاول تقليص ما تقدمه المانيا لميزانية الاتحاد الاوروبي دون ان يؤثر ذلك فيما تحصل عليه اسبانيا من تلك الميزانية تحت بند دعم الاقتصاد الاسباني ليكون على مستوى اقتصاد معظم دول الاتحاد الاوروبي, لان المشروع الاسباني لايزال بعيدا عن الرقم الذي يحاول به الاشتراكيون الالمان الحصول على مزيد من الدعم الشعبي في بلادهم, خاصة ان نجاحهم في الانتخابات الاخيرة جاء مبنيا على اساس الحد من المشاركة الالمانية في ميزانية الاتحاد الاوروبي. اضافة الى ان المانيا تقدمت بمشروعها الخاص الذي اساسه ان تدفع الدول الاعضاء جزءا من هذه المساعدات التي تقدمها كل دولة لمزارعيها لتخفيض انتاجهم من الزيت واللبن والحبوب مما يعني فقدان اسبانيا لجزء كبير من المساعدات التي كانت تتلقاها. ويبدو انه لا سبيل لتفادي المواجهة المحتملة بين المانيا وبين دول الجنوب الاوروبي الزراعية بقيادة اسبانيا, لان الموقف الاسباني له خلفية سياسية واقتصادية تمنع حكومته اليمينية الحالية من الموافقة على ميزانية تقلص كثيرا مما كانت تحصل عليه, وهو الانجاز الذي حققته الحكومة الاشتراكية السابقة بزعامة فيليب جونثالث, التي تعرض وقتها لانتقادات حادة من رئيس الوزراء الحالي خوسيه ماريا ازنار, الذي كان وقتها زعيما للمعارضة, لذلك فان موافقته على مطالب المانيا يضعه في موقف حرج امام ناخبيه في بلاده. كل هذه النزاعات تضعف من العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) وتضعها في موقف ادنى من العملة الامريكية (الدولار) , بل ان اليورو لم يعد ضحية للنزاعات القائمة بين الدول اعضاء في الاتحاد الاوروبي بسبب تقسيم الدعم المقرر للمنتجات الزراعية, بل هناك مؤثرات سلبية اخرى تكمن في الاتهامات بالفساد الموجهة للجنة الاوروبية, التي تعتبر المجلس التنفيذي للاتحاد الاوروبي, ومن المنتظر ان يكون اعلان التقرير الذي سيقدمه الخبراء للبرلمان الاوروبي سببا في العديد من الاستقالات بين الاعضاء اللجنة بشكل فردي. خاصة بعد التصريحات التي ادلى بها رئيس اللجنة الاوروبية جاك سانتر, والتي حاول خلالها التملص من الفساد الذي يقولون انه متفش بين العاملين في المقر الاوروبي, مما فتح الباب امام تصريحات اخرى من جانب المتهمين الرئيسيين في تلك اللجنة, وخاصة نائب رئيس اللجنة الاسباني خوسيه مارين الذي اعتبر هذه التصريحات في غير محلها, ومحاولة للتخلص منه لاسباب لا علاقة لها بعمله. كل هذا يؤدي في النهاية الى التقليل من شأن الثقل السياسي الاوروبي دوليا, والذي يبدو واضحا حاليا في عدم قدرة دول الاتحاد حل المشاكل الاوروبية دون تدخل من جانب الولايات المتحدة, مثلما حدث ويحدث في مشاكل البلقان, بل ويتضح ايضا في السلبية التي تبديها الدول الاوروبية تجاه عدد من القضايا الدولية الملحة مثل ازمة العراق. وهذا يؤدي في النهاية الى التأثير على وضع (اليورو) كعملة دولية قوية تحتمي بها العملات الاخرى, ولو استمر الحال على ما هو عليه فان (اليورو) سيصبح قبل صدوره فعليا عملة مستهلكة, تشبه تلك العملات التي تتداولها ايدي البقالين في دول العالم المتخلف, اي عملة ملطخة بالزيت واللبن. كاتب مصري مقيم في اسبانيا