تفرد (قضايا تحت المجهر) هذه الزاوية لبعض الردود والتعقيبات على ما ينشر في الصفحة او في شقيقتها صفحة (قضايا وآراء) , تأكيدا لمبدأ احترام الرأي والرأي الآخر, وسعيا لأن تكون الفرص متساوية بين اصحاب الرأي المختلف في مقارعة الحجة بالحجة ومقابلة المنطق بالمنطق , في حدود اللياقة الادبية والنقد البناء, ودون ان تكون الآراء المنشورة معبرة بالضرورة عن رأي (البيان) او وجهة نظرها. كنت أقرأ ذات مرة عن حكمة الحياة والموت بأن الانسان عندما يولد يستقبله الناس باسمين ضاحكين ويأتي الاصدقاء مهنئين مباركين بقدوم المولود الجديد, ولعل الحكمة تصدق اذ تذهب الى ان مغزى استقبال الناس للمولود ضاحكين انهم يضحكون عليه, لانه سيصيبه من البؤس مثل ما اصابهم من البؤس في هذه الحياة, وعندما يموت الانسان يودعه الناس بالبكاء بائسين ساخطين, ومغزى هذا انهم يبكون على انفسهم لانه سيصيبهم مثلما اصابه من الموت والنهاية والغياب الابدي, ومغزى الحياة والموت هذا يشير الى ان الالم هو سمة الحياة وطابعها الذي يلف اصناف البشر جميعا مهما علت مواقعهم او هبطت, والموت هو نهاية كل الاحياء فلا لهارب منه نجاة كما قال الشاعر العربي ذات مرة, وكما جاء في اكمل القول واتمه قوله تعالى (كل نفس ذائقة الموت) . وقد كتب المرحوم الدكتور زكريا ابراهيم في كتابه (فلسفة الحياة) ان الموت هو الذي يعطي الحياة كل قيمة ويسبغ عليها كل معنى, وبمعنى ما فان الانسان الذي احسن حياته يكون قد احسن موته, او ان الذي يريد ان يحسن موته يجب ان تحسن حياته, ومن هنا كان من اعظم الناس من كان موته يشهده الملأ والاشهاد, وهذا في موت الملك حسين كان. وقد ملأ موت الملك حسين الاعلام بوسائله المختلفة, وحضر جنازته الذين اتفقوا معه والذين اختلفوا معه, الاصحاء والمرضى, الاصدقاء والاعداء, والناس العاديون البسطاء, لكن نجم الحضور فعلا كما قال كاتب في جريدة (الاتحاد) وعينها هم الناس العاديون البسطاء الذين جاءوا من كل فج عميق تحت المطر المنهمر من السماء كالمطر المنهمر من عيونهم حزنا على الملك الراحل, فالبسطاء هم الممثلون الشرعيون للأمة, بمعنى ان الحاكم الذي يريد ان يحظى بشرعية حكمه وسلطته لابد له من ان يكون قد حسنت حياته معهم حتى يحسن موته عندهم لأنه والحالة هذه كان بعض نسيجنا الانساني والاخلاقي ومن هنا لم تكن حالة الحزن التي خيمت على الشعب الاردني في جميع مواقعه مفاجئة لأحد. وقد عبر معلق محطة CNN التلفزيونية وهو يشاهد هؤلاء البسطاء يندفعون نحو السيارة التي تقل جثمان الملك غير مبالين بالحراسات من رجال الامن والجيش فقال The control is lost وقد كان المعلق على بعد ضربة معول من اكتشاف مغزى ذلك, ولكنه لم يفعل, وهو ان لا احد يستطيع ان يضع رقابة او تنظيما على قلوب الناس ومحبتهم ونفورهم, وان الوجه الحقيقي لحاكم ما هم البسطاء والناس العاديون وليس وسائل الاعلام او تصريحات الرسميين وخطبهم وندواتهم ومؤتمراتهم, لكن ماذا تقول والامريكيون مشغولون دائما بالتفتيش والتنصت على الشعوب والامم, فلا يجذب انتباههم ويثيره الا الهيمنة والسيطرة, وهذه لا تتحقق الا بالرقابة والكونترول؟! ويجمع الكتاب الذين تناولوا الملك حسين وجنازته بالحديث في صحافة الامارات, وفي غيرها, على ان الملك كان ذا حضور قوي على الساحة العربية والدولية بدليل هذا الحضور الحاشد لجنازته التي ادهشت هؤلاء الكتاب وكأنهم لم يكتشفوا قدر الملك الا بعد موته, بل ان جنازته عند الكاتب المصري عادل حمودة هي عرض تلفزيوني او سينمائي ينتظر جائزة احسن جنازة من جوائز الاوسكار لافضل الجنازات على الشاشة! عجبت لكاتب هذا الرأي ولم أعذره, لماذا؟ لانه جمع بين الموت الذي يكفي من يريد العبرة, والحياة التي تكفي من ظنها للتسلية في سلة واحدة, فضلا عما ينطوي عليه هذا الرأي من استخفاف بمشاعر الاردنيين وكل الذين يحبون الاردنيين, وقد اكدت الجنازة على موقع الاردنيين في قلوب العرب وزعمائهم جميعا سواء من اتفقوا مع الملك في سياسته او من اختلفوا معه, وقد ذكر الكاتب نفسه في موقع اخر ان دول الخليج لم تتردد في سرادق العزاء ان تبدي استعدادها لتقديم الدعم المالي للاردن, واضاف بأن مسؤولا سعوديا وصف الاردن بأنها العين و القلب بالنسبة لبلاده, لنلاحظ ان الكاتب لم يسم هذا المسؤول واكتفى بالقول مسؤول سعودي واجزم بأنه يعرفه تمام المعرفة, واسميه له فأقول هو سمو الامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي. بالتأكيد ان الكاتب عادل حمودة لا يضمر الا المحبة للاردنيين لان الدم الذي يجري في عروقه هو الدم العربي نفسه الذي يجري في عروق الاردنيين, لكن القلم الذي في يده هو غير القلم الذي يخاطب به الاردنيون مصر وشعب مصر ورئىس مصر بكل المحبة والاعتزاز, ولكن التعبير قد خانه لانه كان يبحث عن التعبير الطريف, هكذا ظننت في البداية, ومن هنا اقول ان كلمته لم تكن عادلة او حميدة كاسمه, اقول هذا لاننا نريد للكاتب ان يعرف ان الاردنيين هم مختصرون في شخص الملك وان الملك قد توزع في اشخاص الاردنيين. والمسألة تهون لو ان الامر توقف عندما ذكرت من ان الكاتب يبحث عن اللمسة الادبية في التعبير الطريف, لكن المقالة كانت تعبر عما يتجاوز موقف كاتب رصين يحترم مسؤولية الكلمة واصول الكتابة العلمية التي تستند الى التحليل الناقد والنظر الدقيق. انظر الى ما يقول في مواقع متفرقة من مقالته اجمعها في الاتي ثم اعلق عليها بعد ذلك (لعل سر جاذبية جنازة الملك حسين هو صاحبها فقط, حياته ثم ان حياته كانت مليئة بالمواقف المليودرامية, مؤامرات وصراعات وتحولات حادة من جانبه, كان ينتقل فيها من النقيض الى النقيض, ومن الضد الى الضد, من القبلات الى الطعنات, دون تفسير او تبرير, دون اخفاء او تمويه, دون كلمة اعتذار عن هذه التحولات والانقلابات الحادة, فقد ذبح الفلسطينيين في احداث ايلول الاسود في صيف 1970 ثم احتضنهم في قطار التسوية السياسية, وانحاز الى صدام حسين في عملية احتلال الكويت وفي حرب الخليج ثم انقلب عليه, وقبل ذلك كانت علاقته بجمال عبدالناصر نموذجا صارخا للتذبذب بين الاحتضان والصفعات فيما سمي بالحرب العربية الباردة وهي الحرب التي لم تتوقف حتى الان وادخلت العرب الى الشيخوخة, والبقاء مدة طويلة في الحكم قد يمنح الحاكم فرصة لتصحيح اخطائه وانتقاله من خانة المهزومين الى خانة المنتصرين, على ان القدر منح اكثر من فرصة للملك حسين كي يموت في لحظة مناسبة ولم يمت في اوقات كان سوء الحظ وسوء السمعة من نصيبه, ومن ثم كان مشهد النهاية سيكون مختلفا تماما, وربما لن تكون فيه دموع وانما جنازة) , وحول مرض الملك حسين يضيف الكاتب عادل حمودة صاحب الحمد والثناء في التحليل والنقد (ومن جانبه هيأ الملك حسين لموته عندما قرر ان يشاركه العالم في اخبار مرضه الخطير, ويوما بعد يوم وتقرير طبي بعد تقرير طبي اصبحت حالة الملك حسين الطبية حديث الناس, وهو ما جعل الناس تتعاطف معه وتشفق عليه وتطلب له الراحة من عذاب وشقاء المرض, ثم فاجأ ابطال اتفاق واي ريفر, وكأن السلام في الشرق الاوسط اهم عنده من حياته وصحته, ولم تنس عبقريته في التفاهم مع العالم بلغة الاعلام المؤثرة ان تجعل الصورة التي استقبلته بها الكاميرات في مطار عمان هي صورته وهو يصلي على اقرب ارض اردنية وطأتها قدماه, وليس تميز جنازة حسين في تنظيمها او في كمية الدموع وانما في هذا العدد الهائل من الزعماء الذين حرصوا بشدة على حضورها, ورغم ان لا احد كان يضحك فان الصورة كانت بكافة مقاييس الدهشة و التأثير حلوة. وجاء الحكام العرب في معظمهم, المختلف قبل المتفق, البعيد قبل القريب, العدو قبل الصديق, ليقولوا ما اغرب الموت عند العرب, ما ان يقع الموت عندنا حتى نفقد الذاكرة السياسية والتاريخية والانسانية وتصبح صفحة الراحل الفقيد صفحة بيضاء, وكأن الراحل الفقيد ولد ملاكا, وكانت المفاجأة حضور الرئيس حافظ الاسد, ولم يكن اكثر المراقبين تفاؤلا يتوقع ان تصفوا الاجواء الملبدة بالغيوم في سماء العلاقات السورية الاردنية. فالاردن رغم انه دولة صغيرة لكنه دولة تتمتع بموقف شديد الحساسية والخطورة في المنطقة, ولو لم يكن فيها نظام معتدل لتضاعف التوتر في المنطقة) . لنلاحظ ان الكاتب يحصر جاذبية جنازة حسين في شخصه, وهذا جانب من الحقيقة لا الحقيقة كلها, وكأن الملك حسين يعيش في بيته الخاص او ملك على نفسه, وهو هنا يعزل وطن الملك وشعبه عن شخص الملك, وفي المحصلة النهائية لاقيمة لهذا الوطن او لهذا الشعب كما يفهم من رأي الكاتب, وهذا هو المسكوت عنه في رأيه, وبموت الملك فاهمية الاردن ستصبح موضع نظر! ثم يجرد الكاتب الملك من اي مبدأ او اي موقف؟ فالملك عنده في مواقفه من النقيض الى النقيض .. لكن الملفت للانتباه في مقالة الكاتب وصف الملك بانه (ينتقل من القبلات الى الطعنات) , وهي صفة تصح على اصحاب الغدر والا من هو الذي يلتقيك بالقبلات ثم عندما تدير ظهرك يوجه لك الطعنات؟! لماذا اذن هذا الحب والتقدير واجراء المشاورات معه من قبل الزعماء العرب؟ هل هم على درجة ما من الغفلة طالما ان جانبه لايؤمن؟ واسألك لماذا سرعان مازالت الغمة بين الاردنيين والفلسطينيين, اليس يدل ذلك على ان سوء النية لم يكن واردا عند احد الطرفين؟ لابد من انك تعرف ان نصف سكان الاردن هم من الفلسطينيين ولعلك تعرف اننا نعيش معا بقلوب تملؤها المحبة ولا تميز بين هذا وذاك. لقد استشهد الكاتب على ذلك باحداث ايلول الاسود وبعلاقة الملك بالزعيم العربي الخالد جمال عبدالناصر وبموقف الملك من احتلال العراق للكويت. يبدو ان الكاتب يغفل عن العناصر الاجنبية في احداث ايلول والتي اوقعت الاردنيين والفلسطينيين معا في الفخ كما اوقعت العراق والايرانيين في الفخ وكما اوقعت العراق اخيرا في فخ الكويت! على كل حال لايتسع المجال هنا للشرح والتحليل, لكن الملفت للانتباه ان الكاتب يحصر احداث ايلول وكأنها تدبير متعمد من الملك وعبر عن ذلك بتعبير يخلو من اللياقة الانسانية بحق الملك وبحق الاخوة الفلسطينيين على السواء بان قال (ذبح الفلسطينيين) وكأنهم نعاج, اليس هذا عيبا! اننا نحن - الاردنيين والفلسطينيين - نعف عن ذكر احداث ايلول لانها صفحة ولت ولن تعود علينا ولا على غيرنا باذن الله, والحديث عنها اشبه باثارة الاحقاد وتحريك الفتنة او قل هي الفتنة بعينها, والفتنة اشد من القتل. ووصف علاقة الملك بجمال عبد الناصر بانها نموذج صارخ للتذبذب والصفعات بحيث ادت بحال امتنا الى حال الشيخوخة, اذا صح ان الملك هو النموذج الصارخ اي العامل القوي المؤثر المسؤول اكثر من غيره عن هذه الحالة, يفترض بل من المؤكد ان يلتم ويلتئم حال امتنا بعد موت الملك, وحتى اكون موضوعيا اكثر في تحليل رأيك, اقول ان حال امتنا بعد موت الملك سيميل الى التحسن وستظهر عليه بوادر الانفراج, اليس هذا هو مايفهم من مقالة الكاتب؟. ويذهب الكاتب الى اتهام القدر بمحاباة الملك لانه لم يمته في اوقات كان فيها سيىء السمعة, ولو فعل القدر او قل ان الكاتب يتمنى على القدر لو سمع نصيحته وامات الملك حسين في وقت يريده الكاتب ويحدده لما كنا رأينا في جنازة الملك حسين دموعا وانما حجارة! هل هذا حديث يليق بزعيم هو في دار الحق من كاتب يعيش في دار الضلال! وعن موقع الملك من حرب الخليج الثانية فاني احيله الى الكتاب الابيض الذي صدر على اثرها عن حكومة المملكة الاردنية الهاشمية ويشرح سياستها في الفترة من اغسطس الى مارس 1991 ويحمل عنوان (الاردن وازمة الخليج) ليكون اصوب تحليلا وارق لغة وارقى نقدا في الحديث عن الاحداث الجسام واذكره بان من الحكمة ان يوظف الكتاب الحديث دائما عن نقاط الالتقاء بين الشعوب اكثر مما يجري الحديث عن نقاط الاختلاف, لان مهمة الكاتب ان يضبط الخلاف ويضغطه لمحاصرته بل والقضاء عليه لما للكلمة من اثر يفوق اثر السيف. ويشير الكاتب الى ان الموت ما ان يقع عندنا حتى نفقد الذاكرة السياسية والتاريخية والسياسية وتصبح صفحة الراحل والفقيد فجأة صفحة بيضاء ( ...) والكاتب يقصد هنا الملك حسين الذي سبق له ان عدد مساوئه او قل الصق به المساوىء لتخدم غرضا ما في نفسه, ونحن نقول ان عليه ان يرجع الى العادات العربية ليتعرف عليها في مثل هذه المناسبات, فللموت هيبة وللاحياء مواسلة, اليست هذه من صميم عاداتنا العربية, اليس العرب عند فقدان انسان من عامة الناس يواسون بعضهم متناسين خلافاتهم, فما بالك عند فقدان زعيم عربي؟ هل تريد للزعماء العرب ان يأتوا للشتم والسب؟! نحن لانتحدث عن رجل اتفق الناس كلهم معه او عليه , فهذا النوع من الناس لا وجود له في الدنيا, وانما نتحدث عن رجل اختلف كثيرون معه وعليه, وتلك القدرة العجيبة التي تمتع بها الملك حسين, رجل ربما تختلف معه وعليه بشدة لكنك لاتملك الا ان تحترمه, فهذا الطراز من البشر يثيرك حتى بخلافك معه, فان صمت ورحل تشعر بان فكرك قد ضعف ورأيك قد نقص لانه لم يعد هناك ذاك الذي يختلف معك ويثري فكرك, وستجدك تردد ما قاله احد المفكرين الكبار حين مات الد خصومه في الفكر: رحمه الله فقد فقدت الذي كان يختلف معي واختلف معه, لقد فقد رأيي قيمته بموت احد مخالفيه. ويتهم الكاتب الملك الراحل بشراء عواطف الناس والزعماء بل والعالم كله عندما قرر ان يشاركه العالم في اخبار مرضه الخطير ويعتبر ان الملك هذا يهيىء المسرح لموته! ويبدو انه غاب عن بال الكاتب ان كل شيء يمكن ان يشترى الا العواطف, وكأن الانسان يمكنه ان يذهب الى دكان او محل سوبرماركت ليشتري دمعة او حزنا؟ وينتهي الكاتب في هذا الموقف الى ان اخبار الناس بمرض الملك هو الذي جعلهم يتعاطفون معه بل هو الذي هيأ له هذه الجنازة التي لامست قلمه ولم تلامس قلبه مثلما لامست قلوب العرب واصدقاء العرب ولا اريد ان اقول قلوب الاردنيين واصدقاء الاردن فقط. واكثر من ذلك, فقد بلغ بالكاتب المطاف ان وصف حضور معظم القادة العرب بانه كان يضم منهم من هو عدو للملك! ان تاريخ العلاقات العربية المعاصرة لم يشهد في اوج خلافاتها من وصلت علاقته بالاردن وبالتالي بالملك حسين خلافا وصل الى حد العداوة, واذا وجد فانا اجهله وارجو الكاتب ان يدلني على هذه العداوة, صحيح كان يحدث خلاف حول سياسة ما او حول سبل معالجة مسألة ما, لكن ان يصل الامر الى حد العداوة فهذا ما لم يسمع به احد ولا اظنه الا في مخيلة الكاتب, او ان للعداوة معنى آخر مختلفا غير ما تواضعت عليه الامة العربية ومعاجم لغتها!. فيا مصر التي نحب ستظلين اكبر من اساءاتنا سواء كنا اردنيين او مصريين او عربا, ويا مصر التي نعتز ستظلين الشقيقة الكبرى لانك التاريخ والحضارة والنضال في نظرنا وفي نظر الملك الراحل كما يقول حين يتحدث عنها. وفي اليوم التالي مباشرة نشرت كذلك جريدة (البيان) للدكتور مصطفى محمود الذائع الصيت مقالة لاتبعد كثيرا عن توجهات مقالة عادل حمودة, وهي مقالة فيها الكثير من الغمز واللمز ولكنها اقل هيجانا وغليانا, وكاتبها الدكتور مصطفى محمود اقدر على اخفاء فن الغمز واللمز من عادل حمودة, فالفن في اخفاء الفن كما يقول نقاد الادب! وقد صور الدكتور مصطفى محمود الملك حسين وقد وقع في غرام (اسرائيل) وهواها, فهو يقول ان من لم يأت الى الجنازة من اجل الملك جاء من اجل عيون اسرائيل (ولسان حال اسرائيل يقول لكل العرب من اراد لنفسه جنازة مثل هذه الجنازة المهيبة فليقدم الي عربون حب كالذي قدمه المرحوم) ويضيف في موقع آخر من مقالته بان الملك حسين كان يعالج كثيرا من المواقف بالدبلوماسية وبالدموع التي يذرفها على رابين وبالمودة التي يبذلها لارملته وباليد المبسوطة دائما بدون شروط وبالسياسة وبالملاينة, وكان رجل التنازلات في كل تصادم. تشير العبارات المقتبسة من المقالة الى ان الملك حسين كان ضعيفا يقبل كل ما يعرض عليه من غير محاورة او مداورة لانه يقبل بدون شروط, وهل هذا معقول في عالم السياسة يادكتور مصطفى محمود؟ ومن كان هذا شأنه ماذا تريد للقراء ان يقولوا فيه, ومن كانت التنازلات خطه السياسي العام, اليس هو فاقد الارادة السياسية؟ كيف يتفق هذا مع شهادة الجميع بانه كان يمسك الصعب من السياسة فاذا هي بين يديه تأتي ودودة طيعة, كيف يتفق هذا و (المعادلة المستحيلة التي حلها الملك هي انه استطاع ان يبقى قويا وعملاقا دون ان يساوم او يهادن او يكون بين بين) . وعلى الرغم من هذا الغمز الذي يلاحظه القارىء في مقالة الدكتور مصطفى محمود الا ان الملك حسين كان عنده من الحكمة والتعقل والواقعية بحيث لم يطلب لنفسه اية زعامة دون كيشوتية ولم يشطح به الخيال الى بطولات وهمية, واذا كان الملك عند الدكتور مصطفى محمود قد اتقن لعبة تبديل الكراسي فان - الكاتب - قد اوجد له العذر بانه لا يستطيع ان يفعل شيئا آخر نظرا لصغر حجم الاردن يعيش في مهب الاخطار محاصرا بالعداوات والاطماع من كل جانب. ولعل ما لاحظناه واشرنا اليه في المقالتين السابقتين يصدق عليه ما جاء على لسان احد الكتاب وهو ينقد عدم اللياقة والكفاءة في المعالجة الاعلامية لجنازة الملك حسين عند بعض الفضائيات من انه اذا كان الصحافي هو مؤرخ اللحظة, والصحافة مرآة الحياة, فان الانسان العادي عندما يذهب للتعزية بفقيد لايذهب الى ديوان اهله ويلف ساقا على ساق ويسألهم ماذا سيحدث بعد وفاة فقيدكم؟ والا نظر اليه الجميع شذرا واتهموه بقلة الذوق, وانما يعزي بالفقيد ويتحدث عن مناقبه. كليات التقنية العليا