قد لا نبالغ اذا قلنا بان من بين اهم التحديات المعرفية الهامة علي الصعيدين: الواقع العربي المعاش والعلوم الاجتماعية الممارسة, التي نواجهها هو عدم القدرة على ايجاد تعريف واحد وتحديد لمعنى المجتمع المدني في الساحة العربية, سواء في خطاب مؤسساتها الرسمية الحاكمة او في خطاب مؤسساتها المعارضة والتي عادة توصف بتعابير القومية والاسلامية والليبرالية واليسارية. نعم ان مفهوم المجتمع المدني يكتسب غموضا وتشوشا في التداول السياسي اليومي ولغته الصحافية الشعارية في الساحة العربية بل ان هذا المفهوم يشهد تغييبا من التعليم العالي والجامعات العربية في معالجة هذا الموضوع الحيوي, وذلك بسبب ما يشاع من ارتباط المجتمع المدني بقضية الديمقراطية حتى انه اصبح هناك نوع من المنطقية عند المتحدث عن المجتمع المدني الذي اصبح يعني الديمقراطية وضرورتها. وعندما نحاول ان نتبع مفهوم المجتمع المدني في سياق التجربة الاوروبية لانجد اية صعوبة علمية في ذلك بل اننا نجد تنوعا يتطور ويتسع ليس في معالجة مفهوم المجتمع المدني وتحديد خصائصه ومميزاته علميا ومعرفيا بل في تطوره على مستوى حركة الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي لسيادة الانسان الاوروبي ابتداء من القرن الثامن عشر وحتى يومنا هذا الذي اصبح فيه المفهوم يتصل بمجمل الحياة الاجتماعية وبمختلف ابعادها اللامحدودة, والتي بقيت مع الاسف الشديد تقتصر عندنا على البعد الديمقراطي في فهم المجتمع المدني عند المثقف العربي. المصطلح والمضمون ان المجتمع المدني هو النشاط الاجتماعي في مضمونه ومدلوله الذي نحاول الامساك به وتمييزه عن طريق مصطلح المجتمع المدني, الذي يكشف عن احد مستويات تنظيم المجتمع البشري الادني اي الاكثر عمقا اجتماعيا في المجتمع ولا تستطيع السياسة بما هي نشاط رسمي شديد التنظيم والتحديد تحقيقه, في الوقت الذي لا تستطيع ان تقوم هي نفسها من دونه او خارجه. فالتنظيم المدني للمجتمع هو القاعدة, ولا يمكن ان نتصور مجتمعا بشريا عرفه تاريخ الحضارة خلا من حدود الاطار المنظم في ادواره ووظائفه, وتعتبر الدولة كمركز لتنظيمات من نوع جديد, اكثر قدرة على ان تكون مركزا لجهد الانساني انها نتاج التطور الحضاري. لهذا فان مفهوم المجتمع المدني الذي يستند على الاسس الاولى في التنظيم الاجتماعي للبشرية فالمفهوم لا يمكن ان يقتصر على الاوروبيين فقط كما تداوله ماركس وهوبز وجون لوك, لهذا فان من يتصور انه لم يكن هناك مجتمع مدني في كل المراحل التاريخية التي اعقبت قيام الدولة ومؤسساتها السياسية يكون بذلك اسير المفاهيم الغربية والمداولات المعلمية غير المتسقة مع البيئة العربية. نعم لا يمكن تصور نشوء الدولة العربية الاسلامية الاولى من دون وجود البنى الاجتماعية المدنية التي استفاد منها الاسلام كبيان لسلطة مركزية جديدة على اسس عقائدية ونعني بهذه البنى القبلية ونظام القيم الاخلاقي المرتبط بها, اي العصبية والتضامن. ان السياسة او الدولة لا تحتاج كي تقوم الى الغاء البنى المدنية ما قبل السياسة (الدولة) ولكنها بما تقدمه من مبادئ اسمى ومؤسسات اكثر فاعلية تقوم بتوحيد هذه البنى المدنية وجمعها تحت رايتها, لا قيمة للدولة او المؤسسات السياسية القائمة الا اذا نجحت في معالجة تناقضات المؤسسات المدنية وعملت على عقلنتها ووضعها في سياق ومنطق جديد هو المنطق الوطني الشامل, نعم لا قيمة للدولة او السياسة المهيمنة الا اذا ارتبطت بهذا المجتمع المدني بمنطق الاخذ والعطاء. ان الدولة لا تستطيع ان تبقى في حالة استقرار الا بقدر ما يستمر المجتمع المدني في خلق العصبيات والقيم والبنى الاساسية الاولى: الاسرة والفرد والعقيدة والعادة وبعبارة اخرى لا يستطيع هذا المجتمع ان يحفظ توازنه وينظم نفسه في مرحلته المتقدمة الا بقدر ما تستمر الدولة وتنجح في معالجة التناقضات التي تنجم عن صراعاته الطبيعية. الدولة والمجتمع المدني اذا كانت هناك علاقة جدلية تبادلية وثيقة الصلة بين المجتمع المدني والدولة فما هو شكل العلاقة القائمة بين المجتمع المدني والدولة العربية في وقتها الراهن؟ يمكن القول بأن العقد الثامن من هذا القرن الذي نشهد نهاية مشارفه على القرن المقبل قد شاهد محاولات علمية لفهم الدولة العربية وطبيعتها وخصائصها, ومن ثم علاقتها بالمجتمع في تنظيمات المدنية الاولى او المتقدمة ذات المضامين الاجتماعية والثقافية والمهنية والاقتصادية وغيرها.. فقد قدم خلدون النقيب مفهوم الدولة التسلطية واستند جلال امين على وصف الدولة العربية بأنها دولة رخوة في عقليتها وسلوكها وامكانياتها, اما حازم الببلاوي فقد طرح مفهوم الدولة الرجعية. على الرغم من ان المجتمع العربي ودوله يوصف بالعصرية اي ينتج قيم العصر ويقوم عليها ويحقق معا, فالحداثة لا تعني هنا المعاصرة, بل نشوء اساليب تماثل في الشكل الاساليب العصرية في الاقتصاد والثقافة والمجتمع ولكنها لا تنتج القيم نفسها ولا تتحرك بها, ولا يعني ذلك ان هذه الحداثة لا قيمة لها, وانما تخفي في داخلها بنية تقليدية لاتزال تفرض نفسها من ورائها وتتحكم في عمق السلوك والفكر العربيين.. انها نتاج الاقتصاد الريعي والدولة الريعية. اليست جميع الدول العربية اليوم دولار ريعية وشبه ريعية؟ ان اقتصاديات الدول العربية تقوم اليوم في جزء كبير منها على الريع والمهم هنا هو ان هذا الاقتصاد قد انشأ دولة ريعية يؤول اليها الريع الخارجي او نسبة عالية منها وتعيد توزيع واستخدام هذه الثروة الريعية على الغالبية من السكان, اي ان هذا النمط في الاقتصاد قد خلق حاجزا بين خلق الثروة وتوزيعها واستخدامها وان خلق الثروة (الريع) هو العامل الحاكم في تحريك النشاط الاقتصادي وبالتالي فان الغالبية العظمى من السكان يقتصر دورها على استخدام هذه الثروة دون ان يكون لها دور في خلقها. وهذه الوضعية افرزت ثقافة وقيما وممارسات اقتصادية واجتماعية في الحياة العربية المدنية, بعيدة عن روح المثابرة والجهد والابداع والانتاج حتى صارت الدولة الريعية العربية تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياة مواطنيها. ولم يتوقف الحال عند هذا الحد, بل أصبح هناك مواطن عربي ريعي في عقليته وقيمه وسلوكه, وإن لم يكن يسعفه اسم عائلته أو قبيلته أو طائفته أو مؤهلاته العلمية للاستفادة من غنائم الريع, فإنه سرعان ما يتجه إلى مؤسسات المجتمع المدني العربية ذات الأنشطة والبرامج الرعائية والخدماتية وهي ريعية وفي الغالب يحاول أن يتقلد منصبا في مجالس إدارتها ويكون مرتخيا في روحه المدنية ومنغمساً في الدفاع عن الريع وحدوده القانونية في السياسة. وإذا لم يسلك المجتمع المدني هذا المنحى في المجتمع العربي فإن الدولة الريعية سرعان ما تحل مؤسساتها النقابية والمهنية وتقوم بتشكيل المؤسسات المدنية بقرارات إدارية, مثل اتحاد العمال العرب واتحاد الأطباء العرب واتحاد الكتاب العرب.. وهذا يعني تكريس السياسة أو الدولة على حساب المجتمع المدني. والأمر لا يقف عند هذا الحد فالتحديث والعصرنة للمجتمع المدني في الوطن العربي امتد إلى لجان حقوق الإنسان التي تم تشكيلها في بعض البلدان العربية, ليس بهدف الدفاع عن الحقوق الأساسية ولكنها لتقوم بالرد وتكذيب تقارير المنظمات التي تدين انتهاكات حقوق الإنسان العربي في حياته المدنية. إن واقع المجتمع المدني العربي ومؤسساته وبناه الاجتماعية قد أصبح (رخوا) على حد تعبير جلال أمين في مؤسساته ومواطنيه وكافة مظاهر مجتمعه, فصرنا نعيش في مجمع عربي يصدر القوانين والدساتير ولا يطبقها ولا أحد أيضا يحترم فيها القانون وأصبح الناس وبخاصة المثقفين يلهثون للحصول على المناصب والنظر إلى تقلد أعلاها لما تجلبه من جاه وغنائم لهم. لقد أصبح كل شيء على الصعيد العربي سواء في مستواه الفردي أو الاجتماعي قابلا للبيع والشراء, وحل محل الولاء الوطني الولاء للأهل والأقارب والعشائر والمحاسيب. وإذا كانت هناك خصائص كبرى يمكننا أن نصف بها النمط الجديد للمجتمع المدني العربي هذا المنبثق عن مرحلة التحول الحديثة, فهي عدم الثبات والتقلب السريع والمتواصل وغياب المقومات الذاتية والاتساق الداخلي وانعدام فرص وآليات تحقيق التوازنات الكبرى, المادية منها بين الانتاج والاستهلاك والطلب والعرض, أو المعنوية الروحية التي تعبر عن الآمال والمطالب والحاجات المتباينة والمتعارضة لمختلف تجمعات السكان. ان أصل الفساد في كل المجتمعات وليس المجتمع العربي فقط, لا يكمن في حقيقة الأمر إلا في وضع مؤسسات المجتمع المدني ومصالحه في خدمة مصالح النخب المتنافسة على السلطة أي في جعل العمل الاجتماعي وسيلة للصعود إلى المناصب العليا بدل أن يتحول الصعود إلى هذه المناصب واحتلالها الشرعي إلى مصدر لخدمة المجتمع المدني وتنمية نشاطاته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. مستقبل المجتمع المدني العربي ان الحديث المتزايد في الدول الغربية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان, بل ضغطها من أجل ذلك لن يساعد في تقديري إلا على تعميق ارتباط المجتمع المدني العربي بالخارج وبالتالي سوف يفقد جزءا من فعاليته في معالجة تناقضات المجتمع الذاتية. وليس هناك امكانية لبناء النظام المدني من دون بناء الدولة كمعالجة له, أي من دون أن يحصل التفاعل بين الاثنين: الدولة والمجتمع المدني, فهما مفهومان متميزان لكنهما واقعان متلازمان. ان الدولة لا تقوم دون مجتمع مدني تستمد منه قيمها وقواها وسياساتها من دون أن تتمتع بالحد الأدنى من السيطرة عليه معنويا وماديا, الأمر الذي ينافي واقع الحال العربي لمؤسساته المدنية. كما ان المجتمع المدني لا وجود له كمجتمع متميز في الدائرة العالمية من دون حماية الدولة, وان المدخل الحقيقي للعلاقة متبادلة هو اعتماد الديمقراطية بوضعها أسلوبا في الحكم يعتمد الانتخاب الحر بعيدا عن كل التأويلات والتخريجات التدريجية. ان مواجهة حالة الضعف في الوطن العربي وهي الحالة الأكثر شيوعا وهي ضعف المجتمع المدني ومؤسساته وضعف الدولة العربية ومؤسساتها الرسمية أيضا, تحتم أن تكون المواجهة عبر احداث تحول ديمقراطي داخل المجتمع العربي. ذلك ان الصلة بين المجتمع المدني والتحول الديمقراطي تبدو واضحة, فالديمقراطية هي مجموعة من قواعد الحكم ومؤسساته للإدارة السليمة للعلاقات بين الجماعات المتنافسة أو المصالح المتضاربة, ومن ثم فإن الأساس المعياري للمجتمع المدني هو الأساس المعياري نفسه للديمقراطية. وإذا كان الوطن العربي يملك رأسمال اقتصاديا متنوعا في مصادر دخله فإن المجتمع المدني يمثل رأس ماله الاجتماعي الذي لا يمكن أن ينضب, بل هو ضمان أمان الوطن وتقدمه ونهضته إذا خلقنا كل الظروف المواتية لقيام تنظيم مدني سياسي اجتماعي. وبعبارة أخرى بناء مجتمع فيه تمايز واضح بين المجتمع السياسي (الدولة وأجهزتها) والمجتمع المدني (التنظيمات الاجتماعية المستقلة عن الدولة), وبالتالي فتح الباب لقيام مجال سياسي حقيقي تمارس فيه السياسة ويتم فيه صنع القرار ويقوم فاصلا وواصلا, في نفس الوقت, بين سلطة الحاكم ورغبات المحكومين. * كاتب وباحث من البحرين