الأصل في حرية الصحافة هو حرية الفكر واستقلالية المجتمع, فالصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية ليست إلا مؤسسات اجتماعية يفرزها المجتمع لتعكس توجهاته وحريته, وتمارس وظيفتها الحقيقية على مستويين, الأول والأهم هو : التعبير الحر الموضوعي عن نبض الرأي العام جنبا إلى جنب مع تزويده بالمعلومات والحقائق الصادقة غير المنحازة . المستوى الثاني ممارسة الدور الرقابي على أعمال السلطة في المجتمع وتمكين الرأي العام من محاسبة المخطئ وكشف عوراته خاصة ما يتعلق بالجوهر من السياسات والقرارات, ويتداخل المستويان معا لدرجة يصعب معها الفصل بينهما في أرض الواقع, فاستنارة الرأي العام هي التي تسمح للصحافة بممارسة الدور الرقابي وفي قيام الصحافة بدورها الرقابي وتنوير للرأي العام واحاطته بحقوقه ازاء السلطة. الصحافة المتحررة بهذا المفهوم لا توجد إلا إذا كان المجتمع مستقلا أي غير تابع للسلطة في الداخل وغير تابع لسلطة أو دولة في الخارج, فالتبعية الداخلية والخارجية تحول دون تحرر المجتمع ومن ثم تمنع وجود صحافة حرة. مؤشران أساسيان يمكن الاستعانة بهما لتقرير مدى حرية الإعلام العربي هما استقلال المجتمع وتحرره في الداخل من أي قيود تعوق حرية التفكير والتجمع والتعبير, فسيادة الحرية بمعناها الشامل وسريانها في جنبات المجتمع هي التي تسمح بوجود اعلام حر وصحافة حرة, على هذا النحو ليس صحيحا ان تفهم حرية الإعلام في ضوء تعديلات قانونية أو حتى دستورية معينة , فالحارس الحقيقي لحرية الإعلام هو ضمانات الحرية التي يحتاجها كل فرد داخل المجتمع والأهم هو الممارسات المتحررة على مستوى الأسرة والجماعة والمدرسة والجامعة والمؤسسة والنادي وغيرها من التكوينات الاجتماعية في المجتمع. وقد عبر الاستاذ مصطفى أمين عن حرية الصحافة بقوله ان أي قانون لحرية الصحافة لا ينبغي ان يزيد عن كلمتين هما (الصحافة حرة) لأن أي اضافة لهما تعبير عن فرض قيود على الحرية. المؤشر الثاني للحكم على حرية الإعلام العربي هو تحرر المجتمع ذاته, ومن ثم الصحافة من التبعية الدولية, فحينما تسيطر دولة خارجية على مقدرات دولة أخرى لا يمكن ان يشهد المجتمع صوتا اعلاميا متحررا,والأسوأ من ذلك ان يتأرجح المجتمع ومن ثم الإعلام في تبعيته الفكرية والثقافية من نموذج فكري إلى نموذج آخر مناقض. غياب الهوية فالآثار السلبية للانتقال والتحول الجذري من ثقافة أجنبية إلى أخرى انعكست على أداء الإعلام العربي سلبا إذا فقد مصداقيته أمام الرأي العام لغياب الهوية المستقلة, وما حركات التطرف والاغتراب والشعوذة التي تسود قطاعات عديدة من الشباب العربي إلا احدى نتائج استعارة أنماط ايديولوجية غريبة عن ثوابت المجتمع. في كل الأحوال فإن حرية الإعلام ليست هي حرية الإعلاميين كما انها ليست حرية دور الصحف والمؤسسات الإعلامية, بل انها حرية مجتمع بأكمله قام بتفويض المهنيين في مجالات الإعلام المختلفة الحق في استخدام هذه الحرية نيابة عنه ولصالحه, ومع هذا التصور فإن أي انحراف للإعلام عن اشباعه للاحتياجات التي يتوقعها المجتمع كفيلة بسحب الثقة منه ومحاسبته, وأقسى أنواع العقوبة الاجتماعية للإعلام العربي وللاعلاميين ان ينصرف الرأي العام عن إعلامه المحلي والعربي باحثا عن مصادر اعلامية خارجية تشبع احتياجاته وتوقعاته, وهذا هو الحاصل الآن ولك ان تتأكد من ذلك إذا أجريت بحثا علميا يحدد ماذا يقرأ أو يشاهد أو يسمع المواطن العربي ولماذا؟ والواقع ان الإعلام العربي بعيد إلى حد كبير عن هذا الطرح الفلسفي, فالإعلام ليس مستقلا عن الدولة التي تعاني بدورها من تبعية خارجية على كافة المستويات, ولأن التبعية الإعلامية في الداخل والخارج هي السمة المميزة للإعلام العربي فإن الحرية الإعلامية تتحدد في ضوء نظرة السلطة في المجتمع العربي لما يحقق صالحها واستقرارها, ولا جدال في ان هناك تفاوتات جمة بين الحرية المتاحة للإعلام العربي من دولة إلى أخرى للدرجة التي يصعب معها وضع دولتين في كفة واحدة. معالم أزمة الإعلام العربي التساؤل الذي يمكن ان يطرحه القارئ هو : ما هي مؤشرات أزمة الإعلام العربي؟ والحقيقة ان هذه المؤشرات عديدة ومتنوعة وأهمها: 1 ــ سيادة نمط ملكية الدولة للمؤسسات الإعلامية, خاصة الاذاعة والتلفزيون. 2 ــ ترتب على ذلك غياب التعددية الإعلامية الحقيقية حتى وان تعددت الصحف ووسائل الإعلام وفي المجتمع. 3 ــ مركزية الإعلام العربي في معظم الدول العربية إذ تتركز وسائل الإعلام ودور الصحف في العاصمة, مما يعني تهميش الريف العربي وقضاياه المحلية. 4 ــ ان حرية الحصول على المعلومات والأخبار من مصادرها وحق الإعلامي في تتبع الحقيقة لا تزال قضية نظرية أكثر منها واقعا يمارس. 5 ـ سيادة القوانين المنظمة والمعرقلة للأداء الإعلامي الحر والتي يمكن ان تمثل حاجزا نفسيا أمام الإعلاميين وتجعلهم يفكرون مائة مرة قبل معالجة القضايا الشائكة. 6 ـ سيادة مواثيق الشرف الإعلامي التي تتعارض مع الحد الأدنى لحق الجمهور في المعرفة. 7 ــ وجود ازدواجية في التعامل مع المؤسسات الإعلامية من جانب السلطة بدرجات متفاوتة قائمة على التصنيف بين الموالين والمعارضين, ولعل أخطر ما في هذا التميز هو ذلك الإحساس الذي يمكن ان ينتاب الإعلامي صاحب الرأي والموقف فضلا عن محاولاته في الاجتهاد والتكهن غير الصائب في غياب الحقائق والمعلومات. 8 ــ لعل أهم مؤشرات أزمة الإعلام العربي هو غلبة الطابع الدعائي على المضمون الإعلامي, فالمتتبع لكثير من الصحف العربية لا يستطيع ان يميز بينها وبين نشرات العلاقات العامة. 9 ــ يرتبط بالمؤشر السابق الدمج بين المضمون الإعلامي والإعلاني وتأثير رجال الأعمال على السياسة الإعلامية ذاتها. 10 ــ لا تزال مؤسسات الإعلام العربي غير مدركة بدرجة كافية لتهديدات ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال التي تحتاج لاعادة تأهيل الإعلامي على أساليب التعامل مع متطلبات هذه الثورة, والدليل على ذلك عدم وجود اختلاف حقيقي بين الطبعات التقليدية للصحافة وتلك التي يتم تحميلها على الانترنت. اشكالية الرقابة الذاتية: ان غياب اشكال الرقابة الحكومية التي تسبق أو تلحق النشر تحمل ضمنا مؤشرا ايجابيا يعبر عن ثقة السلطة في عبور الإعلام مرحلة الوصاية من قبل جهات تنفيذية رقابية تحاسب الإعلامي قانونا وتعامله باعتباره لم ينضج بعد, فغياب الرقابة السابقة على النشر هي في التحليل الأخير تأكيد لحق وحرية الإعلامي في الاختيار بحكم نضجه وتحمله للأمانة والمسؤولية, ولكن الرقابة اللاحقة لا تزال قائمة في كل الدول العربية تقريبا. المشكلة في الرقابة اللاحقة انها تمثل سيفا على رقاب أصحاب الآراء التي يمكن ان تخدم المجتمع وهي في معظمها قد تتعارض مع ما قرره القانون فليس أمام الإعلامي والحال كذلك إلا أحد خيارين: الأول: وهو الأسلم الابتعاد عن الآراء الجرىئة غير المسبوقة خاصة في القضايا الحساسة, وايثار السلامة من خلال تكرار ما هو مطروح أو ربما مدحه وتحبيذه بمنطق وبدون منطق مما يجعل عمله أقرب إلى الوظيفة الروتينية التي تفتقر إلى روح الرسالة وعبء الأمانة. الخيار الثاني: وعلى النقيض من التصور السابق قد يتجاسر بعض الإعلاميين للدخول في الدوائر الشائكة التي تحملهم الكثير, خاصة إذا كانت السلطة غير متسامحة, وتبقى الرقابة الذاتية التي تعبر عن استخدام الإعلامي لضميره وعقله وارادته للتمييز بين الصواب والخطأ وما ينبغي نشره أو حجبه. وممارسة الرقابة الذاتية في ذاتها ليست مشكلة بل هي شكل من أشكال المحاسبة الفردية لا تتحقق إلا في وجود أعلى درجات الحرية مصحوبة برفع الوصايا عن الإعلامي بحكم دوره وثقافته وأهليته ورجاحة عقله في التمييز بين الأشياء. على هذا النحو فالرقابة الذاتية ضرورة ليس فقط للإعلامي بل للفرد المسلم, وهذا هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب يقول: (حاسبوا أنفسكم قبل ان تحاسبوا) أي راقبوا أنفسكم وربما عاقبوها قبل ان يحاسبكم الله سبحانه وتعالى. ولكن اشكالية الرقابة الذاتية تكمن في مرجعيتها وعلتها, فما هو المرجع الذي يمكن ان يحتكم إليه الإعلامي العربي للرقابة الذاتية؟ هل يراقب ذاته اعلاميا ارضاء لشخص ما؟ لسلطة ما ؟ هل يراقب نفسه بغية جمع المال؟ هل يراقب نفسه لتضليل الرأي العام؟ لمنع الحقيقة؟ لحماية شخصه؟ للترقي؟ أم يراقب ذاته ارضاء لله؟ وفي يقيني ان الإعلام العربي سيظل عاجزا ومنعزلا ما لم يتم رفع الوصاية عنه لتبقى للإعلامي حرية رقابة ومحاسبة نفسه بضمير حي يستند في قراراته إلى ما يتفق مع ما شرعه الله لعباده في الأرض. استاذ بقسم الاتصال الجماهيري ــ جامعة الامارات