هل تسعى واشنطن الى فيتنام عربية؟بقلم: د. احمد القديدي

تشير كل الدلائل الى ان الولايات المتحدة الامريكية تسعى الى اعادة مأساة فيتنام في العالم العربي.. أوجه الشبه كثيرة ومريبة بين تورط أمريكا في أواخر الستينات في مستنقعات وأدغال فيتنام وبين تخبطها الراهن في العراق وانحيازها للأخطاء الاسرائيلية . فما لاح طيف حل للأزمة العراقية الا وهبت الدبلوماسية الامريكية تمهد للضرب والعقاب والاذلال لغايات ليست هي غايات شعوب المنطقة. وكأني بالعقيدة الامريكية / الفستردالسية (نسبة لوزير الخارجية الأسبق جون فستر دالس) تعود بنظم طميمها أو بالاحرى تظل على حالها لتخطط لتصرف أمريكي طويل النفس في التعامل مع الأزمة العراقية. ولنحلل وجوه الشبه بين تلك العقيدة في أوج قوتها منذ عام 1958: مرحلة انتقال الرئاسة من الجنرال دوايت ايزنهاور الى الرئيس جون كيندي, وبين نفس العقيدة عام 1992. مرحلة انتقال الرئاسة من الرئيس جورج بوش الى خلفه الرئيس الحالي بيل كلينتون. الوجه الأول هو الاعتقاد ــ أو العقيدة ــ بأن مصالح أمريكا مهددة عام 1958 بالمد الشيوعي الصيني والروسي في جنوب شرق آسيا وفي الهند الصينية بالذات, وعام 1992 بانحباس النفط. ونذكر ان أمريكا بدأت تتحول عام 1962 من عقيدة فستر دالس المسماة بالاحتواء الى الحرب المباشرة القذرة الطويلة لتكريس تقسيم فيتنام الى شمال شيوعي أطلقت عليه نعت الارجاسي يقوده الزعيم الاسطوري موشي منه والى جنوب ليبرالي طيع يقوده أحد الجنرالات لي فان فنج الذي هرب مع آخر بارجة أمريكية تغادر سايجون وأصبح صاحب حانة ليلية ومطعم في مدينة أمريكية بعد ذلك. ويبدو ان تحول امريكا من مجرد المشاركة في قوات دولية لتحرير الكويت ــ والتحرير عمل مشروع دوليا وأخلاقيا ــ الى التعامل المنفرد والطويل والمنهك لا على صعيد الحروب الصغيرة المحدودة المتكررة فحسب, ولكن على صعيد التصعيد المستمر وخلق المبررات لمنع أي حل اقليمي أو عربي يضع حدا للأزمة بصورة أو بأخرى لحساب الشعوب المتعايشة في المنطقة ولصالحها وصالح أجيالها المقبلة, وبالتالي لصالح السلام. فما الذي دعا الادارة الامريكية حتى تجنح لهذا المستنقع في الشرق الأوسط دون أن تتعظ بدروس قاسية ومؤلمة نالتها على يد التاريخ أثناء المستنقع الفيتنامي. أما الوجه الثاني للشبه فهو الرهان على الحرب الطويلة المدى, والمحدودة الخسائر ثم الوقوع تدريجيا في حرب شاملة يعلم الله مداها في منطقة الشرق الأوسط حيث توجد جراح نازفة منذ خمسين عاما على الأقل.. وليس أقلها الجرح الفلسطيني... والجرح الكردي, مضافا اليهما ترد ّي الوضع الشعبي العراقي الذي ــ مهما كانت أسبابه ــ لم يعد مقبولا من الضمير العالمي وأكثر منه الضمير العربي المسلم. أما الوجه الثالث للشبه فهو انزلاق واشنطن شيئاً فشيئا الى التعامل المنفرد الاحادي مع الفيتنام العربي, مهما أضفت من مسوح وأقنعة الشرعية الاسمية على ممارساتها, فهي اليوم وحدها ـ ما عدا الدعم العمالي البريطاني المعزول ــ مثلما كانت وحدها في الستينات والسبعينات, ويجر هذا السلوك غضب المجموعة الاوروبية وفي طليعتها فرنسا وغضب روسيا والصين وبالطبع عدم انجراف منظمة حلف شمال الاطلسي الى مساندة الحليفة الكبرى أم الحلف في مبادراتها المسيئة لمصالح الدول الاخرى الأعضاء في الحلف. بقي في أعقاب هذا المنظور ان نتساءل عن استراتيجية الدول العربية هل استعدت ـ سياسيا واقتصاديا وأخلاقيا ــ للقيام بدور ما في فيتنام عربي غير محمود العواقب؟ وهل فعلا ليس لها رأي وليس لها حل؟ واذا كانت تفكر في المستقبل القريب لماذا لم تضع جدول أعمال لقمة مطلوبة حتى تحلل وتتبادل المشورة حول أسخن قضية مطروحة على الضمائر وعلى أسواق النفط وعلى مصيرها كدول ومصير شبابها؟ يبدو ان العقد الأول من القرن القريب المقبل سيكون حاسما ــ عربيا ــ وسيدخلنا في دوامة أشبه بالاعصار أو سيخرجنا من الدائرة الفارغة العنيفة. السؤال هو: نريد أو لا نريد... أي في الأخير هل لدينا ارادة أم لا؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات