في روايته(الضحك والنسيان)يتساءل الكاتب التشيكي الاصل(ميلان كونديرا)عن الضحك قائلاً:(الا يهتم المرء ابداً للضحك؟ أعني بالقول الضحك حقا بما يتجاوز الدعابة والسخرية, والمضحك, فالضحك متعة عارمة ولذيذة, بل كل المتعة..). هذا ما يزعمه كونديرا, لكننا تربينا على كراهة الضحك, حتى دخل قاموس المحظورات بدون وجه حق! الا نردد دائماً:(الضحك بدون سبب من سوء الادب!) و(كثرة الضحك تميت القلب!) واظننا نحن العرب, نكاد نكون الامة الوحيدة التي تعتقد بأن الضحك اذا ساد جلسة حميمة بين اصدقاء, او هاجم اشخاصا بدون سبب فما ذاك الا دليل على فأل سيئ وان عليهم ان يتعوذوا بالله منه, ولذلك اذا ضحكت واغرقت في الضحك حتى تطفر الدموع من عينيك تجد نفسك تمسحها قائلاً: اللهم اجعله خيراً. اما ان تحزن, وان تخيم عليك الكآبة كل ايامك فذلك امر طبيعي لا يجب ان تقول بعدها او اثناءها: اللهم اجعله خيراً ولذلك عندما باغتُّ احد الاصدقاء: لماذا اراك حزينا او مكتئباً اغلب الوقت قال: اصبح الحزن رفيقنا الاجباري الذي يشبه الضيف ثقيل الظل الذي تجده يدعو نفسه على اية مائدة, او متطفلاً عليك في أي وقت دون دعوة مسبقة. لنقرأ ماذا يقول كونديرا ثانية:(فيما مضى كنت اقول لأختي او تدعوني هي, انلعب معاً حتى الضحك؟ نتمدد على السرير, ونبدأ, ونروح نتظاهر بالضحك طبعاً, ضحكات متصنعة, ضحكات مضحكة, ثم ضحكات مضحكة الى حد كبير حتى لتضحكنا, عندئذ يأتي الضحك الحقيقي, الضحك الكامل, فيحملنا في تدفقه الكامل..) . نحن نفتقد الضحك في حياتنا احيانا كثيرة, حتى نفاجأ به, عندها نقول بصدق حزين: آه لقد مضى زمن طويل لم نضحك فيه من قلوبنا, عندها نقصد ذلك الضحك المتدافع والعاتي والمجنون احياناً والنابع من الداخل بكل صدق وطهارة. كثيراً ما اجد نفسي احياناً مندفعة صوب اشتهاء رائع للضحك, فأسارع لتلك الصديقة التي اعلم بأن الحديث معها دخول مباشر في لجة الضحك الممتع, او افتش عن احدى المسرحيات الفكاهية خفيفة الظل, خاصة بعد ان اصبح المسرح ارتجالاً وصراخا ورقصات استعراضية تبتز المشاعر وتهيجها اكثر من ان ترقى بها وتهذبها في قالب ضاحك. وكما تقول حكمة قديمة فإن (الوجه الذي لا يعرف الضحك ابداً شاهد على قلب رديء) كذلك فإن الضحكة البلهاء هي اكثر الاشياء بلاهة في العالم, فلا تمنع نفسك من ان تضحك في الصباح, لا تؤجل ضحكتك الى المساء, فأنت لا تدري كيف ستكون في المساء.