يبدو أن عرفات والسلطة الفلسطينية سوف يختاران تأجيل إعلان الدولة المقرر في مايو المقبل حسب اتفاقيات أوسلو, فقد خضع عرفات شخصياً خلال الفترة الماضية, وتحديداً منذ توقيع اتفاق واي بلانتيشن الذي ولد ميتاً, إلى ضغوط للتأجيل من الأعداء والأصدقاء على السواء, وإلى ضغوط أقل تأثيراً لعدم إلغاء الإعلان . أما الأعداء الأصدقاء كالولايات المتحدة الأمريكية ومن في زمرتها من دول غربية وغير غربية, فضغوطها من ضغوط إسرائيل وأقرب إليها, لأنها تقوم على منطق عدم التصرف من جانب واحد, وكأن إعلان الدولة في مايو ليس متفقاً عليه بين طرفين أحدهما إسرائيل, فيحتاج مرة أخرى إلى رضا هذا الطرف, وربما إلى اتفاق جديد آخر, لكي يفرخ لنا أوسلو عشرات من الاتفاقيات أغلبها لا ينفذ, كواي بلانتيشن. ثم ان منطق تأجيل إعلان الدولة يتم تسويقه على أساس عدم إغضاب الطرف الإسرائيلي, لكي لا يقوم بما هو متطرف وغاضب, فيهدد مسيرة السلام, ويلغي الاتفاقيات ويعيد المنطقة إلى نقطة الصفر, وهو منطق كما هو واضح, يقوم على أساس أن رضا إسرائيل من رضا الله والوالدين, وأن لإسرائيل الكلمة الأولى في السلام ولها أيضاً الكلمة الأخيرة. وإسرائيل لا تحتاج إلى من يغضبها لكي تفعل ما تشاء, أو تجمد الاتفاقيات أو حتى تلغيها, فعملياً هي فعلت ذلك في ظل حكومة نتانياهو, حيث لم ينفذ بند واحد مما أتفق عليه, باستثناء اللهم افتتاح مطار غزة, الذي لم يكن ممكناً عدم افتتاحه مع اكتمال بنائه, غير أن هناك من يصر خدمة لمصالح إسرائيل على الدوام على تسويف منطق عدم إغضابها, ولا بأس أن يغضب العرب, كلهم أو بعضهم, لبعض الوقت, لأن هؤلاء سرعان ما ينسون و... يسامحون. وهكذا فقد انتصر المنطق الذي يصب في صالح إسرائيل ورجح تأجيل إعلان الدولة, على منطق الدعوة والتأييد لإعلانها في موعدها المقرر, احتراماً للاتفاقيات وتكريساً فعلياً لها, وهو منطق بعض الفصائل الفلسطينية والسياسيين والدول الصديقة التي يهمها فعلاً, قيام دولة مستقلة للفلسطينيين, وإحراج إسرائيل باستمرار وفضح مراوغاتها وكذبها وعدم جديتها في السلام مع العرب. وبطبيعة الحال فإن الإعلان عن انتخابات إسرائيلية يمكن عده من العوامل التي عرقلت المحافظة على موعد إعلان الدولة, فيتخذه البعض مبرراً جدياً آخر للتأجيل, مع علمنا أن هذه الانتخابات لم تكن سوى لعبة ليكودية أخرى للمماطلة, لأن الاتفاقيات تعقد بين دول لا ينقضها مجيء حكومات جديدة, فيكون إعلان الدولة مستحقاً في موعده بوصفه اتفاقاً قائماً لا تؤثر فيه هوية الحكومة المقبلة في إسرائيل ولا موقفها السياسي. وبما أن التأجيل حاصل لا محالة, وعرفات استمع للناصحين والضاغطين معاً لقبول التأجيل, فإن الفلسطينيين عمليا لن يخسروا كثيراً من هذا التأجيل, فهم أولاً على قائمة الانتظار منذ حوالي خمسين عاماً فلا يضيرهم الآن الانتظار بضعة أشهر أخرى, ثم أنهم ثانيا ربما يحشدون من التأييد العالمي للدولة الموعودة أكثر مما حشدوا الآن بعد قبولهم نصح دول غربية بالتأجيل, ومع التأييد الدعم والمساعدات, لولا أن الخوف أن تتحول الدولة إلى قائمة المؤجلات الأخرى في وطننا العربي, وهذه أطول من الدهر.