حين طرح شعار أو هدف الدولة الديمقراطية الواحدة, كأسلوب لحل الصراع الفلسطيني الصهيوني في اواخر الستينات, نظر البعض اليه كتطور نوعي مهم في الفكر السياسي الفلسطيني , فقد جاء ذلك الطرح ضمن سياق قيل فيه بأن حركة التحرر الفلسطيني ليس لها برنامج محدد للتسوية يؤطر اهدافها ويقدمها بشكل (واقعي) يأخذ في اعتباره الحقائق التي تراكمت في فلسطين بعد قيام الدولة اليهودية, ونشوء تجمع استيطاني غير عربي ينبغي التعامل معه من منطلقات سياسية رحبة الافق. في ذلك الحين, لم يكن الامر جديدا تماما مثلما اشيع, فثمة قوى فلسطينية كثيرة ويهودية اقل, كانت قد تبنته وحاولت الترويج له في مرحلة اقدم من الصراع وعندما نستعرض الآن قائمة الحلول المتقادمة, نكاد نلمس فكرة الدولة الديمقراطية وقد سيطرت على ذهن القيادة الفلسطينية منذ باكورة عهد الانتداب, بل وتبدو هذه الفكرة وكأنها كانت اكثر صفاء ووضوحا في ميلها للحل الانساني الديمقراطي السوي, عندما نلاحظ ان تلك القيادة طالبت بفلسطين الواحدة التي يأتلف في ظل حكم دستوري لها كل من المسلمين والمسيحيين واليهود, انها دولة كل مواطنيها التي ينادي بها الآن بعض الغيورين على الحل الديمقراطي للصراع. وكان طبيعيا وقتئذ التوكيد على منع استقواء واحدة من هذه الطوائف بالمعنى الديني بشكل مباشر اعتمادا على الخارج وهو الامر الذي اضطلعت به الحركة الصهيونية مستهدفة تغليب العنصر اليهودي عبر فتح باب البلاد للهجرة اليهودية, اذ ان دفع هذا العنصر الى فلسطين, كان من شأنه تغذية الطائفة اليهودية بدماء ليست فلسطينية الانتماء والاروقة الحضارية. ان استيراد المواطنين (اليهود هنا), هو الذي افسد فكرة الدولة الديمقراطية الفلسطينية لكل مواطنيها الاقحاح في تلك المرحلة, وهو الذي افضى الى تفاقم النزعة التقسيمية لاحقا, كون العنصر اليهودي/ الصهيوني سعى لاختطاف فلسطين بأكملها. وبنظرة اعمق, تعد النزعة الانفصالية للصهيونية مسؤولة عن ضياع فرصة الحل الديمقراطي, ويمكن المجادلة في ان نزعة كهذه بوسعها تدمير اية تجربة ديمقراطية في اي مجتمع تعددي آخر. ولنا ان نتصور مصير واحدة من الدول الديمقراطية الراسخة, اذا راح شطر من مجتمعها يبحث عن وسيلة يستأثر بها بالثروة او الجغرافيا او اية موارد اخرى, بمدد من الخارج. الذي حدث في فلسطين شيء من هذا القبيل, عندما جنحت الصهيونية الى استنكار الطائفة اليهودية, وهي تنوي الاستيلاء على البلاد برمتها وبين هذه النزعة التي صح وصفها بالاستعمار الاستيطاني ومقاومتها من جانب المجتمع الاصل, نشأ الصراع الدامي في فلسطين, وصولا الى الوضع الذي نسمعه ونراه. والواقع ان اعادة التذكير بفكرة الدولة الديمقراطية من الجانب الفلسطيني بعد عقدين من النكبة التي حلت به, كانت تعني تنازلا نسبيا عن مضمون الفكرة نفسها زمن الانتداب, وبخاصة عند بدايته, فقد انطوت الفكرة في الستينات على اعتراف بالوجود اليهودي في فلسطين ولم تصر القوى صاحبة الطرح الجديد على اعادة المهاجرين المستوطنين الى بلادهم, فقط كان المطلوب هو وقف نمو التوسع الصهيوني جغرافيا بالعدوان وسكانيا باستمرار باب الهجرة والزحف الاستيطاني السكاني من الخارج اي الاكتفاء بالمكاسب التي حققها المشروع الصهيوني واعادة السلم الى فلسطين من مدخل فلسطين لكل سكانها عند ذلك الحد. ومن هنا بالضبط كان خطأ الطرح, بحيث امكن وصفه بالطوباوية. كان مؤدى فلسطين الديمقراطية, اعادة العجلة الى الوراء بالنسبة للجانب الصهيوني, وهو الذي تمكن من فرض رؤيته على نطاق واسع, لا سيما بعد ,1967 ولدى كثير من المتابعين لحركة الصراع, كانت مطالبة هذا الجانب في اوج زهوه وشعوره بالانتصار, بالتخلي عن مكتسباته بغض النظر عن اسلوبه الاجرامي في تحقيقها, اذ كانت فكرة الدولة الديمقراطية اهون جدلا على الصهاينة مقارنة بقضية رفض الوجود الاستيطاني اليهودي والعمل على استئصاله تماما وفقا لمواثيق الحركة الوطنية الفلسطينية حينذاك. والمدهش في وقتنا الراهن, ان الفكرة عادت تراود جانبا من الفكر السياسي الفلسطيني والعربي. رغم ان تراكم الحقائق والمستجدات, يجعلها اقرب ما تكون بالفعل الى الطوباوية هذه المرة وبشكل لا لبس فيه, فالبعض يذهب الى السعي مجددا الى الدولة ثنائية القومية او الدولة الديمقراطية في كل فلسطين. هناك فروق قانونية وادارية وتبعات سياسية مختلفة نسبيا بين هذين النوعين من الحلول لكنهما يحملان على الوفاء بالمراد نفسه: فلسطين الواحدة لشعبين يجدان طريقة للعيش المشترك, تظلهما المساواة والتكافؤ. وهما يقومان على الافتراضات نفسها تقريبا, التي منها: الاعتراف الكامل المتبادل بين الفلسطينيين والاسرائيليين, والاعتماد المتبادل ايضا على بعضهما البعض, وصعوبة تطبيق التقاسم الجغرافي الاقتصادي بالمطلق لفلسطين بينهما, ونبذ الاسرائيليين للعقيدة الصهيونية, واهم من ذلك نبذ منتجات هذه العقيدة ومخرجاتها لنحو مئة عام او يزيد, ووجود فرص لتكوين مؤسسات مشتركة تسمح بالتفاعل المتساوي بين شطري الصراع الاساسيين, ونشوء قطيعة بالشكل مابين هذه الطرفين وامتداداتهما الخارجية (العروبة بالنسبة للفلسطينيين والغرب واليهودية العالمية بالنسبة للاسرائيليين). وبما ان الافتراضات المذكورة علاوة على توخي هدف المساواة الكاملة معطيات يبدو من المستحيل توفيرها في الوقت الراهن, ولا في المستقبل المنظور, فإن فكرة الدولة الديمقراطية او ثنائية القومية خيار صعب التصور من الناحية العملية, ولعل التلويح بحل كهذا, بالاشارة الى التعقيدات التي تواجهها الحلول الاخرى المطروحة منذ مطلع التسعينات, ينتمي الى عمليات (الهروب الى الامام) , ان اللجوء الى الخيارات الديمقراطية واللوذ بها, ليس هو الطريق الاوفق للتغلب على عقبات الحلول الحالية المحبطة, لأن مقتضيات هذه الخيارات أرفع بكثير مما تحتمله المؤسسة الصهيونية الحاكمة على الجانب الاسرائيلي. لقد نبذت هذه المؤسسة مثل هذه الخيارات في وقت كان فيه اقترابها من تحقيق اهدافها الانفصالية العنصرية محفوفا بالشكوك, وكان الرفض العربي لها في اوجه ونزعة المقاومة الفلسطينية والعربية في ذروتها... فكيف يرجى منها التعاطي مع حلول ديمقراطية في وقت باتت تتصور فيه أنها أقرب ما تكون إلى اعلان الانتصار النهائي في ظل الحلول العصرية التي اشتقتها للجماعة اليهودية منذ بداية الصراع؟ نقول, بأن الذين يتبنون فكرة الدولة ثنائية القومية أو صنوها وشبيهتها الدولة الديمقراطية العلمانية, إنما تحضهم على الأرجح نزعة هروبية من الواقع المقيت للتسوية الحالية. وليس بهذا النزوع تحل قضية التسوية لا في شكلها الحالي ولا في شكلها المطروح من طرفهم. فالأصل في نقل الطرف الفلسطيني (العربي) إلى موقع أفضل في التسوية, أو تغيير نمط الحلول إلى تسويات أكثر ديمقراطية هو اشعار الطرف الصهيوني بهزيمة وشيكة تذهب بما صنع من حقائق, يتصورها من معالم انتصاره. وتقديرنا ان قياس الحالة الفلسطينية الصهيونية, أو حتى الفلسطينية الاسرائيلية على نماذج الدول ثنائية القومية, كسويسرا وبلجيكا أو جنوب افريقيا, لا يستلهم المعطيات الحقيقية لهذه النماذج. وهو قياس ينبغي أن يكون مع الفارق بكل تأكيد. وربما كان الأكثر مدعاة للتأمل والقياس حالات أخرى لم ينجح فيها الحل الديمقراطي على نحو مستقيم, كالبوسنة أو كوسوفو.. أو حتى بين المجتمعات الاستيطانية والمجتمعات الأصل في الأمريكتين واستراليا.. ولتوضيح هذه الزاوية مقام آخر. كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة