اذا تم التدقيق في السياسات الأمريكية ــ العربية, لأمكن القول ان هذه السياسات تندرج في سياقين أولهما سياسة أمريكية ازاء العرب, والثاني سياسات عربية ازاء الولايات المتحدة الأمريكية . والطابع العام للسياسة الامريكية ازاء العرب هو سياسة هيمنة واملاء على كل الدول العربية مع اختلافات في تفاصيل وفي منحنيات تلك العلاقات التي تلبس في أحد تجلياتها لباس الصداقة ــ واحياناً التحالف المزعوم ــ وهو شكل من العلاقات الأمريكية مع دول عربية تعتبر ذات علاقات تقليدية وروابط وثيقة مع الغرب والولايات المتحدة الامريكية, وينطبق الامر في هذا على معظم دول الخليج العربية. فيما تأخذ علاقات الولايات المتحدة مع بلدان عربية أخرى ومنها سوريا طابع التجاذب, فتكون علاقات ضغط في كثير من الاحيان وعلاقات تفاهم في الاقل من الاحيان, والمنحى الثالث في علاقات الولايات المتحدة مع الدول العربية علاقات الاجبار والاكراه الظاهر, وهو ما يميز العلاقات الأمريكية مع دول عربية منها العراق والسودان وليبيا, وهي دول تتهمها الولايات المتحدة بعدم الارهاب وتهديد الأمن. وفي تفاصيل اللوحة العامة لعلاقات الولايات المتحدة مع الدول العربية كثير من الدلائل والقرائن التي تراوح في معناها ما بين سياسة الاملاء واتباع سياسة القوة أو التهديد بها, وبصورة دائمة فان لهذه الممارسات سنداً سياسياً من وجهة النظر الامريكية يتم اللجوء اليه في توجيه طلبات الادارة الامريكية الى العواصم العربية سواء تلك التي يحلها موفدو السياسة الامريكية الذين لا ينقطع وصولهم وتجوالهم في العواصم العربية, أو تلك الرسائل التي يحملها السفراء في العواصم الى وزارات الخارجية العربية, وتتعدد اغراض تلك الرسائل في المستويين, فتتناول أموراً سياسية واقتصادية وعسكرية, لكن الهدف الرئيسي واحد وحيد وهو خدمة الاستراتيجية الأمريكية في كل ابعادها ومستوياتها, والرسائل في ذلك توجه في اتجاهين, اتجاه يتصل بكل بلد عربي على حده, ومستوى آخر يهم مجموعة من البلدان العربية, أو كل البلدان العربية. ان بين امثلة تلك الرسائل ما وجهت به الولايات المتحدة الى لبنان مؤخراً في الامتناع عن استقبال وزير خارجية العراق في بيروت ضمن اطار جولته العربية, وبين الامثلة ماتقوم به الولايات المتحدة من خلال مبعوثيها الى بعض الدول العربية من أجل دفعها الى اتخاذ موقف قوي الى جانب واشنطن في صراعها مع العراق, كما أن بين الامثلة تحرك أمريكي نحو الدول العربية لمنع انعقاد قمة عربية, ينتظر أن يكون بين مقرراتها ما يتعارض مع سياسة الولايات المتحدة في المنطقة وبخاصة في محورين اثنين الأول يتصل بالموقف العربي من التسوية السياسية مع اسرائيل بعد أن دأبت الاخيرة على تعطيل كل مسارات التفاوض, والثاني يتصل بالموقف العربي من العراق والذي بدا انه سوف يشهد تحولات دراماتيكية في الاشهر القليلة الماضية. وليست السياسة وحدها في علاقات الولايات المتحدة مع الدول العربية هي التي يتم رسمها في اتجاه واحد لصالح الطرف الامريكي, بل العلاقات الاقتصادية ايضاً, وكذلك العلاقات العسكرية الامنية, والقول بأن عقد التسعينات شهد تقدماً اقتصادياً وعسكرياً ــ أمنياً للولايات المتحدة في المنطقة العربية فالأمر يتطلب تبيان محتوى ونتائج السياسة أو السياسات العربية أزاء الولايات المتحدة في محاولة لفهم محصلة العلاقات في الاتجاهين. ولعل الفاتحة الاهم في فهم السياسات العربية ازاء الولايات المتحدة, تكمن في تأكيد شبه اجماع الدول العربية على مقولة أهمية موقع الولايات المتحدة في السياستين الدولية والاقليمية, بل على أهميتها في تحقيق استقرار الاوضاع في غالبية الدول العربية, ومن هذا الاعتقاد ــ والذي وان كان فيه بعض الصحة ــ تصيغ الدول العربية سياساتها مع واشنطن, بحيث تظل مترقبة لكل خطوات الادارة الامريكية وبخاصة ما يتصل بالسياسات الاقليمية في الشرق الاوسط وفي منطقة الخليج, وهي الى ذلك تبدو مستعدة لسماع آراء وتوجيهات واشنطن, ان لم يكن من اجل العمل بها, وهو غالباً ما يحصل, فعلى الاقل من أجل أخذه بعين الاعتبار في مجريات السياسات العربية. ويترتب على هذا السلوك في السياسات العربية ازاء الولايات المتحدة ان تلك السياسات تأخذ صفة الانتظار, سياسة مرتبطة بما توجه به واشنطن أو ما تقوم به, مما يفقد السياسة العربية مبدأ المبادرة, ويبقيها في اطار ردود الفعل, وطالما أن للولايات المتحدة الأمريكية موقعاً مهما في السياسات الدولية والاقليمية, بل وفي تحقيق الاستقرار في بعض ــ أو معظم ــ الدول العربية, فإن ذلك يؤدي الى شلل أو ضعف عام في السياسة العربية حيال الاطراف الدولية والاقليمية سواء كانت على علاقة وثيقة بالولايات المتحدة أو هي في خندق التنابذ والاختلاف معها. ان الطابع العام للسياسات العربية ازاء الولايات المتحدة لا يكاد يختلف بين بلد وآخر الا بدرجات الاساس في وجودها الاعتراض على سياسة أمريكية ازاء هذه القضية أو تلك, أو عدم التقاط الموجات المضمرة في الرسائل الموجهة الى بلدان عربية, ومن ذلك الالتباس الذي حصل ابان حرب الخليج الثانية عام 1991 والذي لم يكن ــ كما ثبت في التطورات اللاحقة ــ اساس لافتراق سياسي بين الولايات المتحدة والدول التي عارضت التحالف الدولي المعادي للعراق. ويجد هذا الطابع من العلاقات السياسية العربية مع الولايات المتحدة له انعكاسات في العلاقات الاقتصادية وفي العلاقات العسكرية ــ الأمنية, حيث تبرز انعكاسات ذلك في تطور علاقات تجارية ومالية, وتعاون متعدد الاشكال, اضافة لشراء الاسلحة والمعدات العكسرية الامريكية والاستعانة بالخبراء الامريكيين في معظم الدول العربية, بل ان ذلك في معظم الاحوال يزيد على احتياجات تلك الدول, ويلقي عبئا ثقيلاً على مواردها على نحو ما يمكن وصف حال معظم دول الخليج العربية في السنوات العشر الاخيرة. والتوقف عند ملامح السياسات الامريكية ــ العربية في الاتجاهين يؤكد حضور خلل واضح في المسارات, حيث تبدو السياسة الامريكية سياسة املاء وفرض, فيما تبدو السياسات العربية استجابة ايجابية للاملاءات, الامر الذي يؤكد الطابع الاختلالي في مسار العلاقات في الاتجاهين, ويجعلها علاقات غير متوازنة, وهو ما يجعل العرب عموماً ناقمين على السياسة الامريكية حيال بلدانهم. ان المسؤولية الاساسية في خلل العلاقات العربية ــ الامريكية عامة, تقع على الحكومات العربية, وأمامها خيارات متاحة اطاراً واحداً لتصحيح العلاقة ان لم يكن من خلال خلق اسس جديدة لعلاقات عربية مع الولايات المتحدة فعلى الاقل الرد بما يوازي الرسائل الامريكية التي توجه الى العواصم العربية, ومثل ذلك أن تبادر بعض من العواصم الى ارسال رسائل تتضمن طلبات عربية في أن تمتنع واشنطن عن ضرب العراق, وفي أن تتوقف عن تقديم الدعم غير المحدود لاسرائيل, بل في أن تمتنع الولايات المتحدة عن استقبال اسرائيليين غرقوا في دم العرب على مدار عقود تناغماً مع الرسالة التي وجهتها الولايات المتحدة الى لبنان للامتناع عن استقبال وزير خارجية العراق علماً أن الاخير ليس متهماً هو أو نظامه بقتل مواطنين امريكيين! عندما توجه عواصم عربية مثل هذه الرسائل, ترد فيها على الاشارات والرسائل الامريكية, يكون العرب, قد شرعوا في اتباع سياسة متوازنة في علاقاتهم مع أمريكا, وعندها فقط يمكن للولايات المتحدة أن تفكر في تغيير سياساتها العربية, وتبدلها من سياسة الاملاء والاجبار والاكراه ــ رغم الاقنعة ــ الى سياسة حوار وتبادل مصالح تكون مفيدة للطرفين على نحو ما ينبغي أن تكون العلاقات الدولية.