التناقض أو الازدواجية حالة مرضية تتمدد وتنتشر حد الظاهرة في المجتمعات المعاصرة باختلاف مستوياتها الثقافية والحضارية, فمنذ ان خلق البشر, وسلوكياتهم تسير في خط اقرب للتوازي منه إلى التقاطع مع المفترضات والمقولات التي يهتفون بها صباح مساء . تبدو الظاهرة منفرة بعض الشيء لكنها واقعية لدرجة الفانتازيا حين تتمدد في البنية الثقافية, فيبدو اغلب المثقفين وكأنهم يتباهون بهذا التناقض, أو كأنه السمة التي يجب ألا تغيب عن شخوصهم (الكريمة) , فيمارسون التناقض خلال نهاراتهم وامسياتهم وحيثما حلوا أو ارتحلوا بهدوء ودم بارد, ما يجعلك مدفوعا للاعتقاد بأنهم واقعون تحت سطوة داء لا يمكنهم الخلاص منه إلا بمساعدة طبيب مختص أو بقدر إلهي محض. وحين تتأمل الكثيرين من هؤلاء المثقفين على امتداد التاريخ الإنساني تعرف بان (تناقض المثقف) أو مدعي الثقافة, حالة اخلاقية نفسية يقع فيها المثقفون كنتيجة حتمية للتناقض الاساسي والحاد الذي تعرضوا له بسبب ظروف التنشئة أو التربية الصعبة وغير السوية أحيانا التي مروا بها, ومجموعة المعارف والثقافات والقدرات العقلية العالية التي جعلتهم يعرفون اكثر ويصلون اسرع من غيرهم, دون ان يكون لهذه المعرفة أو الثقافة أي معنى اخلاقي مطابق للفضيلة أو المثالية. وبرغم ان اغلب المجتمعات الانسانية ــ حتى وقت قريب ــ كانت تنظر لهؤلاء المثقفين نظرة قداسة واضحة باعتبارهم ورثة الانبياء والرسل, والمخلصين الجدد وهداة البشرية ومصححي مسيرات التاريخ الجديد و... وربما مازال هناك من ينظر لهم من خلال هذه النظرة, إلا أن أغلب هؤلاء المثقفين اعلنوا تخليهم الواضح عن هذه المهام (الرسولية) وذهبوا في متاهات الذاتية والنرجسية والمصالح الشخصية. الغريب في كثير من مثقفي هذا الزمان أنهم مصرون على أن يلعبوا دور الرأسمالي الجشع الذي يقدم نفسه للاخرين على أنه المصلح الاجتماعي ذو القناعات الايديولوجية المثالية النابعة من عمق وصميم الوجدان الاجتماعي الشعبي العام, والاكثر غرابة ان هذا (المتناقض) يقع في عمق (الغباء) حين يصدق نفسه معتقدا انه الذكي الوحيد في العالم القادر على خداع كل البشر. كثيرون من هؤلاء ممن تعج بهم الساحة, يقدمون انفسهم لنا ليل نهار عبر كل قنوات الاعلام والاتصال الجماهيري على انهم مثقفون متزنون مثاليون لا يهمهم من الدنيا شيء سوى الصالح العام وصالح المجتمع وتقويم اعوجاجاته السياسية والاقتصادية والثقافية و.. هادئون حد الاشمئزاز, متصنعون حد السذاجة و(العبط) احيانا, لكنهم في موقف انساني كاشف تسقط كل الاقنعة ويسقطون هم لدرجة المأساة والمفاجأة غير المنتظرة, كثيرون نعرفهم كشفتهم المواقف لكنهم مصرون على لعب الدور نفسه بإدمان ومتعة و.. تناقض.