هناك, حيث الجنوب يعزف لحنا عربيا اصيلا, وحيث تقطعت السبل بأنين ابنائه دون صدى في الجغرافيا العربية الممتدة من صحراء الى صحراء . حين دبر لتراب جديد ان يغتصب, لم يكن من خيار سوى زحف مدني هيئ له من بيروت العاصمة حيث العزف متناسقا مع أرنون المحاصرة بالاسلاك الشائكة وابراج المراقبة. ثلة من الشباب والصبية تقتحم البلدة المسبية وتضع الامم المتحدة في ورطة الامر الواقع, وتأسر (لجنة نيسان) التائهة بين الاحتلال وضربات المقاومة, تلك الثلة لم تتسلح الا بالعلم اللبناني الذي ارتفع على اعمدة الكهرباء على مدى ومجال مدفعية الاحتلال الذي ادهشته جرأة الصبية, فلم يكن امامه سوى اطلاق الرصاص فوق الرؤوس, لكن الرؤوس لم تنحن ولم تهدأ حتى نصبت اقواس النصر واصطفت حلقات تضرب بأرجلها سيمفونية عناق البلدة بالوطن. قبلها بأيام, وبعدها بأيام, كانت المقاومة الوطنية تلقن الاحتلال دروسا على طريقتها الخاصة.. الطريقة التي توجع عمق المشروع الاستيطاني المشغول حاليا بانتخابات مفصلية بين يمين يريد اقتلاع الارض ومن عليها وبين يسار يهدف الى ذات النتيجة ولكن بطريقة اكثر (حضارية). فقانا البلدة لاتزال تتذكر شيمون بيريز حين قرر قتل اكثر من مائة مواطن مدني في مقر للامم المتحدة, والجنوب كله لم ينس غزو العام 1982م الذي قاده بيجن بعد ان فرغ للتو من توقيع اتفاق كامب ديفيد. اليمين واليسار في الكيان يبحثان عن مخارج تحفظ ماء وجوه جنرالاتهم الذين بدأوا يتساقطون واحدا تلو الآخر. فقد كان لسقوط آخرهم الجنرال أريز جيرشتاين قائد ومسؤول قوات الاحتلال في جنوب لبنان... كان لسقوط هذا الجنرال مع ثلاثة من جنوده في كمين للمقاومة بعيد استعادة (ارنون) , وقع خاص في طرفي معادلة الصراع. الاول الكيان الذي اهتز وازداد ارباكه بصورة لم يسبق لها ان و ضعت ساسة الكيان في ورطة الصمت والرد على العمليات الثلاث اللاتي تتوسطها تحرير ارنون من رجس الصهاينة واقتلاع الاسلاك الشائكة. فالجانب الانتخابي كان حاضرا في اللعبة, وفتح ابواب الصراع على كل الاحتمالات صهيونيا بفعل الاعلان عن نية الضرب البري الى جانب الجوي والبحري المنفذ اصلا منذ سنوات, تعني ان ساسة تل ابيب فقدوا الصواب الذي كانوا يتظاهرون به, وتقلصت خيارات نتانياهو الى فرض المعادلة الجنوبية ــ اللبنانية في عمق (المعركة) الانتخابية, ليتحول الجنوب الى عنصر سيسقط الحكومات الصهيونية المتعاقبة. بفضل تمكن المقاومة من حشد التأييد الداخلي لها في عمق الطوائف السياسية والمذهبية اللبنانية, ودعم الدولة التي تبنت ودافعت عن الفعل المدني البطولي الاخير في ارنون. الطرف الثاني في المعادلة هو المقاومة اللبنانية التي تحولت عملياتها الى عمليات بالغة التقنية والدقة لدرجة ادهشت كل المراقبين, وذكرت العملية التي سقط فيها قائد جيش الاحتلال والعملاء في الجنوب اللبناني, بالعملية التي اصطادت فيها المقاومة اثني عشر عنصرا من اكفأ عناصر الكوماندوز في الجيش الصهيوني قبل اكثر من عام. هذا التغير النوعي في عمليات المقاومة والاصطفاف الوطني العام وراءها, اعطى دفعة معنوية قوية باتجاه المزيد من الضربات الموجعة, والمزيد من الاستنزاف اليومي لقوات الاحتلال, للدرجة التي تصاعدت فيها الاصوات المطالبة بالانسحاب من جنوب لبنان بل يمكن القول ان الاصطفاف الذي ستشهده الانتخابات الصهيونية في مايو المقبل, سيكون الجنوب اللبناني احد عناصره الرئيسية, فرغم العدوان الواسع الذي تشنه قوات الاحتلال هذه الايام, الا ان ذلك لن يغير في المعادلة الاصلية, ولن تفقد المقاومة بريق انتصاراتها, وخاصة في بلدة (ارنون) التي سجلت سابقة عربية تتمثل في قدرة الزحف الشعبي المدني نحو الاراضي المحتلة لتحقيق اهداف المقاومة. صحيح ان هذا الاسلوب قد لا يمكن تعميمه في كل الجنوب اللبناني, الا انه ابداع جديد يسجل للمقاومة وللطلبة الذين بادروا من جامعات بيروت وكلياتها بعيدا عن الافق الطائفي الضيق, متسلحين بالافق الوطني العام الذي يفرض واجبات المواطن لتحرير بلاده. الشيء المؤكد في سابقة ارنون, هو ان الالتحام الوطني حين ينبع من الذات بشكل ارادي او لا ارادي, وحين يستمر بشكله الصحيح في السير نحو تحقيق الهدف المنشود, فهو بلا شك سيعطي ثمارا وسيكون قادرا على تأسيس نمط جديد للمقاومة. بل يمكن الجزم ان الشريط الحدودي المحتل قد يشهد تحركات قادمة تشكل نواة لانتفاضة شعبية قادمة, خاصة في ضوء الاحباط الذي يعانيه الجنود الصهاينة وعملاؤهم الذين بدأوا يشعرون بالسأم والملل من استمرار حالة التأهب منذ واحد وعشرين عاما. في الجانب الآخر, فقد فعلت الدولة اللبنانية الشيء الحسن حين اعلنت عن عزمها على ترميم واعادة بناء الطرقات والمنازل التي دمرها الاحتلال في ارنون, وحين اكد رئيس الوزراء اللبناني الدكتور سليم الحص, بأن التقشف في ميزانية الدولة لن يشمل الجنوب الصامد. وهذا امر يضع واجبات على الدول العربية الاخرى بتحريك الجوانب السياسية والاقتصادية من اجل استثمار هذه اللحظة لتسهم في طرد الاحتلال من الجنوب اللبناني واسقاط الورقة التي تحاول تل ابيب اللعب بها بين فترة واخرى, وحملها من اجل تنفيذ قرار مجلس الامن رقم 425 الخاص بانسحاب قوات الاحتلال من الجنوب اللبناني دون قيد او شرط, ان حملة عربية على الصعيد الاقليمي والدولي من شأنها زيادة الحصار على الكيان, وزيادة ارباكه خاصة في هذه الفترة التي تعتبر حرجة بالنسبة للاحتلال الذي لن يترك جنة الجنوب الا اذا شعر بأن الثمن في بقائه اكثر كلفة من الانسحاب. كاتب بحريني